“حزب الله” واستغلال الوباء

عبد الوهاب بدر خان 
كاتب سوري

عبدالوهاب بدرخان

تبيّن بشكل جليّ أن الحكومة احتاجت الى فتوى من “حزب الله” لكي تجتمع الأحد وتعلن طوارئ “كورونا”، وقد مرّر “الحزب” في السياق فتوى أخرى تجيز التعاون مع صندوق النقد الدولي، مستنداً الى ثلاث مرجعيات: أولها أن خروج المرشد علي خامنئي للحديث عن أزمة الفيروس استوجب تصدّياً مماثلاً من المرشد المحلّي حسن نصرالله. ثانيها أن طلب محمد جواد ظريف (بمباركة من الولي الفقيه) قرضاً من الصندوق الدولي يرفع الحرج عن “الحزب” عملاً بقاعدة “الضرورات تجيز المحظورات”. أما ثالثها فيتلخص بأن مناخ الخوف من الوباء ومواجهته بإجراءات صارمة يسيطر على العقول والنفوس ويتيح اعتماد سياسات لم يكن الشحن العقائدي ليسمح بها في الأوقات العادية… وبات تفشّي الوباء واحتكار وسائل الحدّ منه واجهة لعودة الاستبداد أو لصعوده وفقاً لكتابات غربية تحذيرية، وقاطرة لتفشّي الاستغلال السياسي كما يتراءى في أكثر من دولة ومنها محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي للتهرب من المساءلة القضائية.
لماذا التركيز على “حزب الله”؟ لأنه “الحزب الواحد” الحاكم، ولأنه صاحب القرار في هذه الحكومة، لكنه انتقائيٌّ في تحمّل المسؤولية. في حكومات سابقة كان يحرّك أدواته، “حركة أمل” و”التيار العوني” ولاحقاً دمى اختراقاته السنّية والدرزية. كانت أبسط الأسئلة أخيراً: ما علاقة نصرالله بـ “كورونا”، ما صفته وما معرفته لتناول الموضوع، ولماذا يشبه خطابه كلّ خطبه خصوصاً المملة منها في اختزاله كل شيء بأنه “مقاومة” بالمفهوم الإيراني؟.. آخر استنباط لخامنئي جاء في أمره “الحرس الثوري” بالإعداد لـ “الحرب البيولوجية” باعتبار أن الوباء “مؤامرة أميركية”.
الواقع أن محور الخطاب الأخير كان نصرالله نفسه، وليس “كورونا”. أرادها مناسبة أخرى للقول “الأمر لي” وليس لأي كومبارس. كان الوباء سيصل بشكل أو بآخر، لكن لبنان يكاد يكون البلد الوحيد في العالم الذي استدعى الوباء إليه، رافضاً الاعتراف بالخطر لئلّا يعترف بأن مصدره الأول والأكبر هو إيران. لو كان الخطاب مخصّصاً للوباء لوجب على نصرالله أن يجيب عن أسباب تأخير وقف الرحلات الجوية مع إيران، وعدم اخضاع الواصلين من طهران للفحص الاحترازي. كان مفهوماً أن زوار الأضرحة من اللبنانيين يريدون العودة من إيران، التي كانت لا تزال تنكر وجود الوباء، لكن ما لم يكن مفهوماً ولا مقبولاً أن يحمي “الحزب” فوضى استثنائهم مع سياح إيرانيين من أي فحص واجب.
لا أحد يتصوّر أن زعماء آخرين كانوا سيمانعون خضوع أبناء طوائفهم لأي اجراءات وقائية هدفها مصلحتهم والمصلحة العامة، لكن “الحزب” واصل المكابرة ليس فقط بإضفاء “قدسية” على كل ما يأتي من إيران حتى لو كان وباءً قاتلاً، بل أيضاً بالإصرار على إبقاء جمهوره فوق القانون. أما الاحتياطات التي روّج “الحزب” أنه اتخذها، إذا كانت صحيحة، فقد حرص على أن تتمّ في “دولته” وبمعزل عن الدولة.

جريدة النهار

اترك رد