الاخفاء القسري في سوريا.. من صور إرهاب الدولة

على خلاف المنصوص عليه في الدستور السوري من تقديس لحريات المواطنين السوريين وحقوق المساهمة بالحياة السياسية والمجالات الأخرى مع تنظيم القوانين لذلك، ارتكب نظام الأسد انتهاكات لا تحصى بحق الشعب السوري على مدار عقود.

ومن بين الانتهاكات التي تلجأ الفروع الأمنية في سوريا إلى استخدامها إخفاء المعتقلين قسرياً عبر تحويلهم فيما بين الفروع الأمنية عدة مرات ومنع وصول ذويهم إليهم أو معرفة مصيرهم على الأقل.

ولا يعود الاختفاء القسري إلى عام 2011 في سوريا بل يسبقه بكثير، حيث طالبت مراراً المنظمات الحقوقية وعلى رأسها منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، النظام بالتعاون من أجل فتح تحقيقات حول معتقلين تم إخفاؤهم قسرياً في المعتقلات وأبرزها سجن صيدنايا.

ومع التحركات الدولية لمعالجة ملف المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا، لا تزال غير قادرة على تحقيق نتائج إيجابية تعبر عن آمال ذويهم، واقتصرت نتائج الاجتماعات والمبادرات الحقوقية على إطلاق حملات تضامنية ومطالبات للنظام بالتجاوب لمعرفة مصير المعتقلين.

وفي آخر حملة أطلقتها منظمة العفو الدولية بشأن المختفين قسراً بمعتقلات نظام الأسد ذكرت قصص بعض المختفين منهم، بينما تؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن ما يقارب 100ألف شخص لا يزالوا مفقودين دون أي سجلات رسمية توضح مصيرهم.

متى يتحقق الاختفاء القسري؟
يوجد عدة تعريفات لتوضيح مفهوم الاختفاء القسري، ولعل من أبرز هذه التعريفات ما جاء في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث ضمت المادة السابعة بالنظام الاختفاء القسري للأشخاص ضمن قائمة الجرائم ضد الإنسانية.

والاختفاء القسري حسبما أوضحته “إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة”.

وفي إحدى تقاريرها، عرفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان المختفي قسرياً في سوريا، بأنه “المعتقل الذي مضى شهر كامل على آخر معلومات موثقة وردت عن مصيره من الجهة التي قامت باعتقاله، ويبقى الضحية بعداد المختفين قسرياً طالما أن الجهة المسؤولة عن إخفائه لم تعترف بوجوده لديها حتى إن وردت معلومات عن مكان احتجازه”.

ويوجد تعريفات أخرى للاختفاء القسري وردت بمبادرات واتفاقيات دولية ومنظمات دولية، فالعفو الدولية اعتبرت أن الاختفاء القسري قضية عالمية وأداة للإرهاب ويستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان وذوي الأشخاص الذين اختفوا بالفعل والشهود الرئيسيين والمحامين.

ويبدو أن الاختفاء القسري يعبر عن صورة من صور إرهاب الدولة وهو مصطلح يطلق على الدولة التي تنفذ أعمالاً إرهابية ضد شعبها، وعرفه أرسطو بأن “إرهاب الدولة ذاك الذي يستخدم من قبل الطاغية ضد رعاياه”ولعل نظام الأسد خير مثال.
الفروع الأمنية المسؤولة

شكل نظام الأسد مؤسسة أمنية مركزية تتبع لقيادة مكتب الأمن القومي المرتبط بحزب البعث، ويتبع للمكتب عدة أجهزة أمنية وهي الأمن السياسي والأمن العسكري وأمن الدولة والأمن الجنائي والاستخبارات الجوية وإدارة الجمارك.
ويتبع للأجهزة الأمنية العديد من الفروع الأمنية المسؤولة بشكل مباشر عن اعتقال مئات آلاف السوريين وإخفاء عشرات الآلاف منهم قسرياً منذ عام 2011.

ومن بين أبرز الفروع الأمنية التي ذاع صيتها الفرع 235أو كما يعرف بـ “فرع فلسطين”والفرع 215أو ما يعرف باسم “سرية المداهمة والاقتحام”والفرع 285أمن الدولة ومدرسة أمن الدولة أو كما يعرف بالفرع 295والفرع 227أو كما يعرف بفرع المنطقة وفرع التحقيق العسكري أو ما يعرف بالفرع 248وفرع الخطيب أو ما يعرف بالفرع رقم 251وغيرها الكثير من الفروع الأمنية الأخرى.

وتتوزع الفروع الأمنية في المحافظات السورية ممثلة شبكة مخابراتية تغطي عموم البلاد، بينما تؤكد شهادات لمعتقلين تحدثوا عما حصل معهم لشبكات حقوقية أنهم نقلوا عبر مروحيات نحو فروع أمنية أخرى لتنقطع أخبارهم عن ذويهم ويصبح مصيرهم مجهول خلال فترة اعتقالهم.

ويتقصد المسؤولون عن المراكز الأمنية بمواصلتهم تحويل المعتقلين فيما بينهم من أجل استمرار إخفائهم قسرياً كنوع من أنواع إرهاب الدولة، كما يتعمد النظام نقل وترفيع وإقالة المسؤولين عن هذه الفروع باستمرار.

تعذيب حتى الموت
يتعرض المعتقلون والمختفون قسرياً منهم داخل معتقلات النظام لأشد أنواع التعذيب التي ابتكرها ضباط وعناصر لدى النظام على مر السنوات الماضية.

ومن أبرز أساليب التعذيب التي يتبعها نظام الأسد بحق المعتقلين الصعق بالكهرباء وتعليق المعتقلين من أياديهم لفترات طويلة وتعليقهم بطريقة الفروج عن طريق يدي ورجلي المعتقل على عمود خشبي أو معدني وسكب الماء الساخنة أو الباردة عليهم أو إغراق رؤوسهم بالمياه.

كما تعرض العديد من المعتقلين للعنف الجنسي مثل إجبارهم على التعري والتحرش بهم وحتى الاغتصاب، بالإضافة لحرمان المرضى من المعتقلين من العلاج أو حتى استخدام المعتقلين للمراحيض.

وذكرت وسائل التعذيب على لسان من نجوا من معتقلات النظام حيث تحدثوا عن أساليب فظيعة من الانتهاكات التي ارتكبها النظام بحق المعتقلين أما التهم فغالباً ما تكون صورية مثل دعم الإرهابيين بالأسلحة أو تمويل مجموعات إرهابية أو التعاون مع الإرهابيين أو النيل من هيبة الدولة وغيرها من التهم.

وفي أواخر عام 2019، كشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن وجود 72أسلوب تعذيب وحشي يمارسه النظام بحق المعتقلين، وتؤكد إحصائيات أن ما لا يقل عن 14221معتقل بينهم 173طفلاً 45سيدة قتلوا بسبب التعذيب على يد مسؤولي المعتقلات لدى النظام.

الأرقام السابقة تمثل التوثيقات التي استطاعت المنظمات الحقوقية الوصول إليها إلا أن هناك أنباء كثيرة حول تصفية معتقلين ودفنهم بمقابر جماعية، ومن أواخر الأنباء المتداولة حول ذلك ما ذكرته شبكات محلية حول رصد مقبرة جماعية جديدة تخضع لحراسة من عناصر الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية وتقع عند أول طريق المتحلق الشمالي قرب تحويلة جسر بغداد قرب دمشق.

ويرجح أن تكون هذه المقبرة تجمع جثثاً لمعتقلين تمت تصفيتهم في معتقلات النظام وبالأخص سجن صيدنايا وسجن الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وفروع المخابرات الأخرى.

مصير مجهول
في الوقت الذي لا يزال نظام الأسد يتهرب من مناقشة ملف المعتقلين في الاجتماعات الدولية التي تعقد بشأن سوريا، يبحث ذوو المعتقلين عن أية طريقة تمكّنهم من سماع أي خبر عن أقاربهم وأصدقائهم المعتقلين بسجون النظام.

ومن خلال الإحصائيات التي يتم تداولها يتبين أن معظم المعتقلين تم إخفاء مصيرهم قسرياً من قبل مسؤولي المعتقلات بينما ينشط مجموعة واسعة من السماسرة الذين يتاجرون بآلام ذوي المعتقلين عن طريق طلب المال مقابل جلب أخبار جديدة عن المعتقلين لذويهم.

ويخشى الكثير من ذوي المعتقلين أن يتحدثوا عن قصص أقاربهم المعتقلين خوفاً من احتمال الانتقام منهم عبر تصفية المعتقلين، فيما يؤكد كثيرون أنهم مستعدون لدفع كامل ما يملكون من مال مقابل خبر جديد عن معتقليهم بسجون الأسد.

من بينهم شاب التقينا به مؤخراً حيث اعتقل شقيقه منذ عام 2013ويقول: إن “أهله دفعوا حتى الآن ما يزيد عن خمسة ملايين ليرة سورية مقابل الحصول على معلومات جديدة من عناصر أمنيين موظفين بمعتقلات نظام الأسد ولا يزالون غير متأكدين من مصيره رغم أن هناك معتقل أفرج عنه منذ قرابة السنتين وطمأنهم أنه لا يزال على قيد الحياة”.

ورفض الشاب الإدلاء بأي معلومات حول شقيقه حرصاً على أخذ كافة الاحتياطات من أجل سلامته، فيما يواصلون البحث دون ملل أو كلل أملاً بالوصول لمعلومة جديدة حول ابنهم.

وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت إلى اتخاذ إجراءات دولية موحدة من أجل دعم العائلات التي تركت وحدها لسنوات باحثة عن أحبائها فيما إذا كانوا أحياء أم تم تصفيتهم

بروكار برس

المراجع:

المرجع الأول (اضغط هنا)

المرجع الثاني (اضغط هنا)

المرجع الثالث (اضغط هنا)

المرجع الرابع (اضغط هنا)

المرجع الخامس (اضغط هنا)

المرجع السادس (اضغط هنا)

اترك رد