هل اقتربت نهاية “هيئة تحرير الشام”؟

مرّ أسبوعان تقريباً على إبرام الاتفاق الروسي – التركي حول محافظة إدلب السورية، في العاصمة الروسية موسكو في الخامس من الشهر الحالي، والذي عُدّ ملحقاً إضافياً لاتفاقية سوتشي الموقعة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سبتمبر/أيلول 2018، المتضمن كذلك وقفاً لإطلاق النار، لا يزال صموده مرتبطاً بتطبيق باقي بنود الاتفاق، تحديداً تسيير الدوريات التركية – الروسية على الطريق الدولي حلب – اللاذقية “أم 4″، تمهيداً لفتح الطريق أمام الحركة التجارية. ولا شك أن الاتفاق سيرخي بظلاله على الحالة الفصائلية للمعارضة السورية في إدلب، لجهة إجراء تغييرات على شكلها وربما مضمونها، خصوصاً “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، بناء على إشارة الاتفاق في مقدمته إلى “مكافحة جميع أشكال الإرهاب، والقضاء على جميع الجماعات الإرهابية في سورية على النحو الذي حدده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”، ما يستهدف تحديداً “هيئة تحرير الشام”، وعدداً من الفصائل القريبة من فكرها، المتبقية في إدلب.


تركيا تعهدت بنزع السلاح من التنظيمات المصنفة إرهابية

وتحاول “الهيئة” في هذا التوقيت، دعم الحراك الشعبي الذي ينظمه نشطاء ومدنيون من خلال الاعتصام على طريق “أم 4″، لقطعه أمام الدوريات الروسية – التركية المشتركة، التي كان من المفترض أن تسيّر أولى الدوريات في 15 من الشهر الحالي، ولم تتمكن من إتمام ذلك بسبب الحراك، الذي يريد منه المدنيون إرسال رسائلهم إلى تركيا، بعدم جدوى الاتفاق وفائدته من دون إبعاد النظام عن المناطق التي دخلها جنوبي طريق حلب – اللاذقية “أم 4″، وجانبي طريق حلب – حماة – دمشق “أم 5″، ما يؤمن لهم العودة إلى مدنهم وقراهم التي نزحوا منها. في المقابل، يبدو أن “الهيئة” تحاول فرض نفسها على أرض الواقع بعد أن هدد الاتفاق وصموده وجودها على الأرض، وربما مستقبلها في مرحلة لاحقة.

في السياق، أشارت مصادر مطلعة في إدلب لـ “العربي الجديد”، إلى تداول معلومات مفادها بأن “هيئة تحرير الشام” طلبت الانضمام لـ”الجبهة الوطنية للتحرير”، إلا أنّ طلبها لا يزال مرفوضاً من قبل معظم فصائل الجبهة الـ 11، بعد أن قدمت “الهيئة” شروطاً مقابل ذلك الانضمام، ولم يتسنّ التأكد من صحة تلك المعلومات. ولم يتسرّب الكثير من التفاصيل حول الاجتماع الذي ضمّ قادة من “الجبهة الوطنية للتحرير” المدعومة من تركيا وضباطا ومسؤولين أتراكا يوم الجمعة الماضي، لبحث تفاصيل الاتفاق وتقييم أداء “الجبهة” خلال المعارك الأخيرة، لاسيما بما يتعلق بملف “هيئة تحرير الشام”.

في هذا الإطار، يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات”، وائل علوان أن “من الواضح من سلوك (هيئة تحرير الشام)، أن صمود الاتفاق واستدامته وتنفيذه كاملاً، لا يناسب الوضع الداخلي للهيئة ولؤا تموضعها ضمن المنطقة، وذلك بعد أن وصل إليها وبشكل صريح استثناها من الوجود على مناطق التماس على جانبي طريق أم 4 المتفق عليه في موسكو، أي ستة كيلومترات شمالي الطريق ومثلها في جنوبه، بمعنى أن من الشروط الأساسية الملتزمة بها تركيا أن تكون هذه المناطق خالية من عناصر الهيئة”. ويضيف علوان في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “هذا الأمر يفرض على الهيئة الدخول بمرحلة فشلت فيها في تقديم نفسها شريكاً مع الفصائل الأخرى، خصوصاً بفعل تصالحها مع باقي مكونات (الجبهة الوطنية) بشكل خاص، واستبعادها من هذا الاتفاق وصموده فيما بعد، يعني فشل هذا الموقف الذي يريده (زعيمها أبو محمد) الجولاني، والذي يريد من خلاله أيضاً، استقطاب التيارات الأخرى من المجموعات الجهادية، كحراس الدين وأنصار التوحيد وتيار أبو اليقظان وتيار العريدي داخل الهيئة، فهو يحال استقطاب الجهاديين”.


تحاول “الهيئة” في هذا التوقيت، دعم الحراك الشعبي الرافض للدوريات المشتركة

بدوره، يشير الصحافي، المحلل السياسي التركي هشام غوناي، في حديثٍ لـ “العربي الجديد”، إلى أن “تركيا تعهدت بنزع السلاح من التنظيمات المصنفة إرهابية وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام بناءً على الاتفاق الروسي – التركي الأخير”، مضيفاً أنه “في حال صمود هذا الاتفاق، فإن ذلك يعني أن لا مستقبل لهذه التنظيمات في منطقة خفض التصعيد في ظل الحصار الذي سيكون مفروضاً عليها من الشمال (تركيا)، والجنوب (النظام وروسيا وإيران)”. وأبدى اعتقاده بأن “التنظيمات ستفقد القاعدة الشعبية وطرق الإمداد اللوجستية، لكونها غير قادرة على الصمود في حال تمت محاصرتها من كافة الجهات، ليس فقط لجهة تزويدها بالمواد التموينية، ولكن أيضاً لجهة مدها بالمعدات والسلاح والذخائر التي تضمن لها الدفاع عن نفسها. وفي حال الحفاظ على الاتفاق وصموده، فإنه سيتم العمل على إنهاء هذه التنظيمات تباعاً، ولن تجد منفذا يؤدي لاستمرارها في المستقبل”.

وعلى الرغم من وجود العديد من الفصائل في إدلب أو “منطقة خفض التصعيد”، وفي مقدمتها فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير” التي انضمت في وقت سابق لـ “الجيش الوطني” الذي تدعمه تركيا، إلا أن “هيئة تحرير الشام” لا تزال تهيمن على الكثير من المفاصل العسكرية والاقتصادية في إدلب، من خلال ذراعها العسكرية، التي تلقّت الكثير من الانتقادات بعد المعارك الأخيرة من قبيل عدم الدفع بالقوة الحقيقية في المواجهات مع قوات النظام، والتهاون على كثير من الجبهات التي تقدم إليها النظام بسهولة. أما من الناحية المدنية، فتعد “حكومة الإنقاذ” ذراع “الهيئة” المدنية في هذا الجانب، التي تهيمن من خلالها على مفاصل اقتصادية هامة في إدلب ولا سيما تجارة المحروقات والطاقة والاتصالات، وتواجه “الإنقاذ” كذلك، انتقادات شعبية واسعة، بعد تدني الواقع المعيشي في المناطق التي تنشط فيها.

العربي الجديد

اترك رد