أردوغان والأسد من الوئام إلى الخصام؛ ثم ماذا

ملف سيتم نشره على مدار ثلاث حلقات، وهذه الأولى منها.

إعداد وحدة الدراسات الاستراتيجية بالمرصد

مرحلة الوئام (1/3)

المقدمة

هذه الورقة ترصد العلاقة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والسوري بشار الأسد؛ منذ حالة التوافق والشراكة التي ولَّدَتْ صداقة شخصية بينهما؛ إلى مرحلة الخلاف التي تصاعدت بعد الشهر الثالث للثورة السورية؛ التي أدت إلى صراع سياسي بينهما؛ وحرب إعلامية، لتصل في مراحلها الأخير إلى الصدام العسكري بين جيشي البلدين كما حصل في محافظة إدلب نهاية شهر شباط/ فبراير الماضي من خلال المحاور التالية:

مرحلة الوئام:

  • أردوغان والأسد والوصول إلى السلطة؟.
  • أردوغان والأسد مرحلة الوئام!
  • الأسد والأبواب المغلقة دولياً؟!
  • أردوغان يفتح الأبواب المغلقة للأسد؟!
  • دبلوماسية الصحافة والمؤتمرات وقوافل الإغاثة.
  • أردوغان والأسد قُبيل القطيعة والصراع بينهما؟.

المدخل

الصراعات العسكرية والسياسية التي تجري في سوريا وحولها، باتت تشير إلى أن منطقة شرق المتوسط ذاهبة نحو تبدلات سياسية وثقافية وحتى أيديولوجية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ان الجغرافيا في سوريا ذاهبة نحو التقسيم، ولا يعني أن ما يجري تشكيله هو ذلك الشرق الأوسط الذي تم الترويج له مراراً خلال العقد الماضي عبر منصات إعلامية عديدة، فما نحن أمامه هو حالة غير مستقرة حدثت نتيجة صدام مشروعين إسلاموي وقومي، كلاهما انطلق على كومة كبيرة من الأوهام، وكلاهما انتهى بمشاريع شخصية صغيرة، لكن الضحية كان ولا يزال هو الشعب السوري الذي انطلق بثورته السلمية، قاصداً التغيير والحصول على أبسط حقوقه في الحرية، تماشياً مع موجة الربيع العربي، التي فرضتها ضرورات محلية، غير أن الشعب السوري أغرقوه بأمواج المتطرفين من كل صوب وحدب، والذين تناوبوا على قهره تماماً مثل نظام الأسد، وفي نهاية المطاف أوصلوه مع نظام الأسد إلى هذا الشتات المرير.

أردوغان والأسد والوصول إلى السلطة؟!

من أكثر الشخصيات التي أثار وصولهما إلى السلطة جدلاً كبيراً إنْ داخل بلديهما أو خارجهما هما التركي رجب طيب أردوغان والسوري بشار الأسد؛ اللذين وصلا إلى السلطة في بلديهما بطريقة غير بريئة بالمعنى الديمقراطي.

فأردوغان وصل إلى السلطة بعد أن أبعد واختلف مع رفاق الدرب من أبناء منهجه وحتى أستاذه نجم الدين أربكان؛ الذي اتهم تلميذه باتهامات كبيرة، واستطاع بصفقة دولية أن يتخلص من المجلس العسكري الذي حكم تركيا من الخلف لعقود طويلة.

وأما بشار الأسد فقد وصل إلى السلطة بطريقة تورثية لم تكن مقبولة بالمعنى الديمقراطية؛ أثبتت أن الحكم في سوريا بات حكماً أولغارشياً. جعلت الدستور يتغير من أجله بخمس دقائق؟! فأثارت استياء كل مهتم بالوضع السوري. (1)

يضاف إلى هاتين الشخصيتين (الأسد وأردوغان) شخصيات سياسية أخرى ساهمت في هذا الصراع؛ إذ دخلت إيران كطرف في الصراع السوري لصالح بقاء الأسد من خلال ميليشياتها التي كانت ذات سلوك طائفي؛ زاد في تعقيد الحالة السورية وأخذها باتجاهات سيئة طائفية فاستراتيجياً. وكذلك تعدُّ شخصية الرئيس الروسي بوتين ودخول روسيا كطرف في الصراع فقلبت الموازين لصالح نظام الأسد؛ من أهم الشخصيات التي لعبت دوراً في سلوك الأسد وأردوغان واستمرار الصراع بينهما على حساب بلد؛ بات يعد دولة فاشلة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.(2)

أردوغان والأسد؛ مرحلة الوئام!

لفهم أسباب ونواحي المواقف التركية وتبدلاتها حيال الأوضاع في سوريا، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء، والاطلاع على طبيعة المصالح والفوائد التي حققتها تركيا من خلال تحالفاتها مع نظام الأسد، التي تحمل الشعب السوري آثارها انعكست على السياسة الاقتصادية بتأثير حاد على المواطن السوري.

من الناحية السياسية، بلغ أوج العلاقات بين “أردوغان” و”بشار الأسد”، مع إعلان نظام الأسد عام 2008، قبول تركيا كوسيط في عملية السلام مع إسرائيل، من خلال ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية الناطقة باسم النظام “سانا”، عن “الأسد” في ذلك الوقت، بتأكيده على استعداد دمشق لمواصلة التعاون مع تركيا من أجل السلام في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى اعتبار “الأسد” خلال استقباله “لأردوغان” في العاصمة السورية دمشق، في نهاية الشهر الرابع من العام 2008، تركيا كشريك له في العديد من ملفات المنطقة، بخاصة ملفات العراق ولبنان والقضية الفلسطينية، إضافة إلى تأكيده على أن العلاقات بين البلدين “متميزة”، يتخللها استمرار التشاور والتنسيق بينهما حول المسائل المطروحة على مختلف المستويات. كما تمثلت حالة التحالف بين الرئيسين، في العام 2009 مع الإعلان عن إقامة ما سمي حينها بـ “مجلس التعاون الاستراتيجي” بينهما، الذي جاء حصيلة ما يزيد عن خمس سنوات من العلاقات بين البلدين، ساهمت خلالها تركيا منذ عام 2004 بكسر الحصار المفروض على النظام السوري بعد غزو العراق واتهامه بدعم مقاتلي النظام العراقي السابق، وتسهيل دخول عناصر تنظيمات إرهابية إلى العراق، بالإضافة إلى دور تركيا في فتح قنوات اتصال بين النظام والمنظومة الأوروبية.

حالة التحالف السياسي، تخللها أيضاً تقارب شخصي بين “أردوغان” و”الأسد” وصل إلى حد الصداقة القوية، والتي تجسدت بشكل واضح جداً عندما ترافقا سويةً إلى مدينة حلب، بداية الشهر الرابع من العام 2007 لافتتاح ملعب الحمدانية الدولية في المدينة، وما تم التقاطه من صور للرجلين أثناء لعبهما الكرة، وتبادلهما المزاح كصديقين.

كما انعكست العلاقات الشخصية بينهما، على طبيعة العلاقة بين الشعبين، حيث صدرت قرارات بين الجانبين بتسهيل مرور مواطني الدولتين عبر الحدود في العام 2006، التي جعلت من تركيا واحدة من أكثر الوجهات السياحية التي يقصدها السوريون، على حساب السياحة الداخلية السورية.

ومن الناحية الفعلية، فقد ارتبط تحسن العلاقات بين دمشق وأنقرة بالصداقة بين “الأسد” و”أردوغان”، خاصةً وأنها جاءت بعد عقود من التوتر بين الجارين اللدودين، الذي وصل إلى أوجه في العام 1998، على خلفية استضافة نظام “حافظ الأسد” لزعيم حزب العمال الكردستاني، المطلوب من أنقرة، “عبد الله أوجلان”، تلك الأزمة التي وصلت إلى حد تهديد تركيا، التي كان يترأسها “سليمان ديميرل”، باقتحام سوريا برياً، لولا تدخل من الرئيس المصري الأسبق “حسني مبارك”، الذي انتهى بالتوقيع على اتفاقية أضنة في العام ذاته، قبل أن تنتهي الأزمات بين البلدين مع زيارة رأس النظام السوري الجديد وقتها، “بشار الأسد” إلى أنقرة عام 2004، في أول زيارة يجريها رئيس سوري إلى تركيا، منذ 57 عاماً، وهي ذات الزيارة التي وقع فيها الطرفين اتفاقية التجارة الحرة بينهما، وقد مثلت نقطة تحول لصالح الاقتصاد التركي على حساب نظيره السوري.

وهنا تفتح هذه الاتفاقية الباب على العلاقات الاقتصادية بين البلدين في عهد ازدهار الصداقة بين “أردوغان” و”الأسد”، العلاقات التي تسببت في أزمات كبيرة للمنشآت الاقتصادية السورية، التي دفعت وزير التجارة السوري الأسبق، “نضال الشعار” عام 2012، إلى وصفها بـ “الغبن”، بعد أن اعتادت الحكومة السورية السابقة، برئاسة “ناجي عطري” إلى وصفها بالزواج الكاثوليكي، بين البلدين طيلة 6 سنوات. ولفت الوزير السوري الأسبق في ذلك الوقت، إلى أن بلاده ترى أنها ظلمت في تلك الاتفاقية، وانها ستعيد النظر فيها، وذلك بعد سنة من اندلاع الثورة السورية، مؤكداً أن الدراسة الاقتصادية للاتفاقية أثبت أن الميزان التجاري السوري سيكون خاسراً، وفق بنودها.

من ناحية أخرى، انعكست العلاقات بين سوريا وتركيا، خلال الفترة بين 2004 وحتى 2010، على الكثير من قطاعات الحياة داخل سوريا، فعلى الصعيد التعليمي، عدلت وزارة التربية السورية عام 2004 كتب التاريخ للثانوية العامة لتضع مصطلح الدولة العثمانية، بدلاً من عبارة الاحتلال العثماني، التي كانت موجودة سابقاً، كما أسقط عن الخريطة السورية إقليم لواء اسكندرون المتنازع عليه بين البلدين.

بالإضافة إلى ذلك، فقد امتد تأثير العلاقات بين الرجلين، إلى الدراما السورية وتحديداً مسلسلات البيئة الشامية، فبعد عقود حكم “حافظ الأسد”، التي ركزت فيها الدراما في سوريا على عرض الجيش العثماني كجيش احتلال، وفضح ممارساته، في مسلسلات أيام شامية وأخوة التراب والشريد والثريا، وصولاً إلى مسلسل الخوالي، حتى عام 2002، قبل تحسن العلاقات بين أنقرة ودمشق، بدأت تلك الدراما اعتباراً من عام 2004 بالتركيز على فترة الاستعمار الفرنسي كما في سلسلة أجزاء باب الحارة، بالإضافة إلى تناول الجيش العثماني، أو ما يعرف “بالدرك” من ناحية إيجابية كما كان في مسلسل ليالي الصالحية الذي أُنتج في العام 2004.

الأسد والأبواب المغلقة دولياً؟!

تسلم الأسد الابن السلطة، بالوراثة عن أبيه، ولم يكن بحاجة لأكثر من أجهزة الاستخبارات، وبقية الثلة العسكرية الفاسدة التي ورثها عن أبيه لكي يدير من خلالها سوريا كواحدة من المزارع العائلية، التي يجري استخراج ما فيها من ثروات ثمينة وهائلة والاستئثار بها للعائلة الحاكمة، في وقت كانت فيه جموع الشعب لا تزل تعاني من الأثار السلبية للحصار الاقتصادي الذي قام باستجلابه نظام الأسد الأب نتيجة مغامراته السياسية. بمقابل ذلك لم يكن نظام الأسد الابن ليخرج عن مسار والده سواء في السياسة الداخلية القائمة على استمرار عمليات النهب، التي لم تستثني حتى مشاريع البنية التحتية الداخلية، التي كانت بدلاً من أن يكون نتاجها للصالح الوطني العام، كانت مسألة تحديث البنى التحتية والدخول لعالم الاتصالات الرقمي، كلها أشياء تديرها شبكات عائلية، تصب في خدمة العائلة الحاكمة، ما أبقى احتمالية حدوث تطوير حقيقي يصب في المسار الوطني العام أمراً معقداً.

على المستوى السياسي جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية 28أيلول/ سبتمبر 2000 في بدايات سنوات حكم بشار الأسد، وكانت فرصة مهمة لكي تتحول دمشق إلى مهرجان خطابي متواصل تماماً على خطى الأسد الأب الراحل، وباتت  دمشق بمثابة الداعم الأول للفلسطينيين، وذلك بغية تقديم النظام السوري بمثابة (مركز القرار القومي العربي) خصوصاً مع احتضانه لحركة حماس، ودفعها نحو الواجهة الإعلامية، ولم يكن ذلك أكثر من محاولة للجمع بين الأطياف المتناقضة، بغية الإمساك بكامل ملفات المنطقة السياسية، خصوصاً وأن لبنان كان يشهد تراجع الفصائل اليسارية التي تعرضت لضربات ساحقة على يد حركة أمل، وظهور حزب الله كورقة إيرانية خالصة، وبروز التيارات الإسلامية السنية متمثلة بالحركات الإسلامية في طرابلس لبنان، التي كانت على اختلاف الوانها تكن بالولاء لنظام الأسد.

أردوغان يفتح الأبواب المغلقة للأسد؟!

كان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 واحداً من المفارقات المهمة التي عصفت بعموم المنطقة، فقد زادت هذه المسألة من عزلة نظام الأسد، ورغم أن النظام كان قد حاول فك عزلته عام 2004 من خلال زيارته لتركيا وتوقيع عدة اتفاقات اقتصادية.(3)

غير أن العزلة على نظام الأسد باتت أكبر خصوصاً مع خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005 وذلك إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في منطقة كانت تعتبر تحت سيطرة النظام من الناحية الأمنية. وفي شباط/ فبراير 2007 كانت ثمة تحولات جديدة في المنطقة، وذلك” عندما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، الذي فوجئ بطلب أولمرت أن يكون وسيطاً بينه وبين الرئيس بشار الأسد، حيث قام بنقل «رسالة دراماتيكية» من أولمرت إلى الأسد في نيسان/أبريل 2007.(4)

وأما في تركيا، فكانت أنظار حزب العدالة الحاكم تتجه نحو الجوار العربي، وكانت البوابة السورية هي الأقرب، فقد قام بشار الأسد بزيارة رسمية إلى جمهورية تركيا على رأس وفد رسمية ،استمرت أربعة أيام وبحسب الموقع الرسمي لحزب البعث فإن الزيارة وتهدف إلى تقديم التهنئة للرئيس التركي عبد الله غل بانتخابه رئيساً للجمهورية، ولرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لمناسبة الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية.(5)

كانت مفاوضات عام 2008 السورية/الاسرائيلية نافذة نظام الأسد لمغازلة المجتمع الدولي، خصوصاً بعد انكشاف دوره في دعم الجهاديين في العراق، لكن نهاية عام 2008 شهد الهجوم الإسرائيلي على غزة، ووقوع عدد كبير من الضحايا الفلسطينيين، ما جعل المنطقة العربية تشهد تغيرات جديدة، فرضتها تلك الحرب التي انتهت مطلع العام التالي 2009 بعد وساطة مصرية، ومن أهم المتغيرات كان الزخم الإعلامي الكبير الذي ترافق مع الحرب، وانعقاد القمة العربية في قطر بحضور حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وشارك فيها الرئيس الإيراني احمد نجاد وممثلين عن تركيا  حيث حضر الافتتاح 12 دولة عربية فقط وكانت مصر والسعودية من ابرز الغائبين من بين بقية الدول التي امتنعت عن الحضور.(6)

بعد أسبوعين من نهاية القمة العربية تلك، احتشد الآلاف في اسطنبول لاستقبال رئيس الوزراء التركي بعد انسحابه من منتدى دافوس إثر المشادة الشهيرة مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز على خلفية أحداث غزة. أردوغان اتهم إسرائيل بقتل الفلسطينيين، وبيريز دافع بانفعال عن حملة بلاده.(7)

دبلوماسية الصحافة والمؤتمرات وقوافل الإغاثة

لم تكد تلك زيارة الأسد لتركيا تنتهي حتى اجتاحت دمشق سيول من المحطات الفضائية التركية، والصحف والعديد من وسائل الاعلام، وشهدت دمشق زيارة عشرات الصحفيين تباعاً، بدءاً من تلفزيون TVnNET  المقرب من حزب العدالة وصولاً إلى صحف مثل يني شفق والحياة الحقيقية وصحيفة وقت وغيرها، وحتى الفضائية الرسمية التي سجلت برامج حوارية مع سياسيين ومثقفين أتراك وسوريين وفلسطينيين، وعرضت بمجملها أوجه التعاون القادم بين تركيا والعرب، ودور تركيا في حل الأزمات العربية، وانتقلت البرامج الحوارية من السياسة إلى الفكر والتاريخ والدين الإسلامي وأمور العقيدة، وهكذا ظهر على التلفزيون الرسمي الباحث محمد اقجة وأستاذ التاريخ سهيل زكار، ورئيس قسم الفقه المقارن بجامعة دمشق محمد وهبة الزحيلي. حتى جاء وقت على دمشق، اجتاحها آلاف الطلبة القادمين لأجل دراسة اللغة العربية، وكان حي ركن الدين الدمشقي موطئ قدم لمعظم هؤلاء، وكان اللون التركي بارزاً بين الطلبة، خصوصاً أن الحي كان يضم كلية الدعوة الإسلامية التي تستقطب سنوياً في دمشق مئات الطلبة من دول إسلامية عديدة.

لكن دمشق التي احتضنت كل هؤلاء الصحفيين لم يكن يحظى فيها العنصر السوري سوى حضوراً محدوداً، فقد توجهت الكاميرا التركية في دمشق نحو المشهد الفلسطيني، خصوصاً وان قادة حماس والجهاد الإسلامي كان مقرهم في دمشق.

عام 2007 لم يكتمل حتى تم عقد مؤتمر القدس في إسطنبول، وتم نقل كامل جلسات هذا المؤتمر على الهواء مباشرة عبر فضائيات تركية وأخرى عربية، وعلى مدار أيام المؤتمر الثلاثة، غير أن ما ميز المؤتمر هو حضور شخصيات فلسطينية من حماس والجهاد الإسلامي للمؤتمر، حيث شارك فيه موسى أبو مرزوق نائب خالد مشعل، إضافة إلى قرابة 5000 مشارك من مختلف الدول العربية والإسلامية ومشاركات عربية وفلسطينية من دول أوروبية، وكان لذلك الحضور نقطة تحول في الاعلام العربي، فقد باتت تركيا بوابة يدخلها كبار القادة الفلسطينيين ليتحدثوا إلى جمهور عربي وتركي حول قضيتهم، وهذا لم يكن مألوفاً من قبل.

غزة تنزف، غزة محاصرة، بات ها هو العنوان الرئيس اليومي في صحافة الأسد ووسائل إعلامه، لكنه قبل أن تنزف غزة كان قد فتح الأبواب على مصراعيها لحركة حماس، بشقيها السياسي والعسكري، فالقادة السياسيين في حماس باتوا يمتلكون مزيداً من القصور وبيوت الترفيه والمزارع الخاصة في الجنوب الغربي لدمشق حيث الأرياف التي تمتد من خان الشيح وحتى الزبداني، وأما مطار دمشق فقد تم تخصيص مدخل خاص فيه لمقاتلي القسّام، حيث يصلون دمشق عبر القاهرة، ويغادرون من دمشق إلى طهران عبر دمشق دون أن يتم ختم جوازات سفرهم حتى لا يتعرضوا للمسائلة من الامن المصري آنذاك، وبالطبع مثل هذه الأمور لم تكن ممكنة لحركة حماس أن تحصل عليها من تركيا.

وأما في تركيا فكانت الحالة الإنسانية لقطاع غزة تعمل على تحريك مشاعر الشارع، فأصبحت الجمعيات الخيرية تنشط في مجالات الإغاثة وكسر الحصار عن غزة، من خلال تعاونها مع مؤسسات عربية ومؤسسات خيرية في أوروبا، من خلال مع عرف بقوافل شريان الحياة. فجاءت قافلة شريان الحياة 3 التي غادرت نهاية عام 2009 من لندن إلى تركيا سوريا والأردن ومصر وصولاً إلى غزة.(8)

ثم جاءت شريان الحياة 4 التي تعثرت بعدها العلاقات بين تركيا وإسرائيل بشكل كبير عقب الهجوم الذي شنّته “إسرائيل” على سفينة ” مرمرة” التركية التضامنية، في 31 أيار/ مايو 2010، قرب شواطئ قطاع غزة، وأسفر عن مقتل 10 نشطاء أتراك. ثم تلتها قافلة شريان الحياة 5 وصلت في 21/10/2010  بعد تسهيلات مصرية.(9)

ثم جاءت ثورة يناير وانتهت قصة القوافل البحرية نحو غزة، حيث أصبحت في الأفق حكايات جديدة وقصصاً هي أكثر أهمية في لعبة السياسة من قضية حصار غزة.

ولكن تبقى الأسئلة المهمة، وهي كم استفادت غزة من حجم المساعدات الإنسانية التي دخلتها عبر القوافل، وكم خدمت هذه القوافل الاغاثية أو استفادت منها اللعبة السياسية، وهذا هو الجانب الأبرز في المعادلة، لكن أبرز النتائج السياسية التي جاءت كانت ظهور تركيا بدور المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما أعاد إدخال تركيا إلى العقل العربي بعدما كانت قد غادرته منذ عقود طويلة عندما غادر آخر العثمانيين القدامى الأراضي العربية، وباتت أبرز النتائج المعاصرة هي دخول العثمانيين الجدد، ومن باب عربي عريض.

المصادر والمراجع

  1. ـ معنى أولغارشي في الموسوعة السياسية: الأوليغاركية Oligarchy الأوليغارشية أو حكم الأقليِّة، وهي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية. وكلمة “أوليغاركية” مشتقة من الكلمة اليونانية: ὀλιγαρχία أوليغارخيا. وغالباً ما تكون الأنظمة والدول الأوليغاركية يسيطر عليها من قبل عائلات نافذة معدودة تورث النفوذ والقوة من جيل لأخر. وعُرِّفَتْ الأوليغارشية في القاموس السياسي الفرنسي على أنَّها: “النظام السياسي الذي تكون فيه معظم القوى في أيدي عدد قليل من الأفراد، كبعض العائلات أو جزء صغير من السكان، وعادة ما تكون الطبقة الاجتماعية أو الطائفة، تكون مصدر قوتهم الثروة، التقاليد، القوة العسكرية، القسوة.. إلخ“. كما عرَّفَتْ موسوعة لاروس – Larousse encyclopédique الفرنسية الأوليغارشية على أنَّها: “النظام السياسي في السلطة التي ينتمي إليها عدد قليل من الأفراد تشكل إما النخبة المثقفة (الأرستقراطية) أو الأقليَّة المالكة (النخبة الثرية)، وكلاهما يتم الخلط بينهما في كثير من الأحيان“. https://bit.ly/2JpnVpG
  2. ـ تاريخ دخول القوات الروسية كطرف في الحرب كان في 30 أيلول/ سبتمبر 2016 الذي صرح وزير الخارجية الروسي لافروف أن تدخل روسيا عسكريا منع انهيار وسقوط نظام الأسد.
  3. ـ  صحيفة زمان الوصل: 16 تشرين الاول/اكتوبر 2007.
  4. ـ قصة المفاوضات السورية – الإسرائيلية في تركيا عام 2008 مركز دراسات الوحدة العربية.
  5. ـ الموقع الرسمي لحزب البعث/سوريا/ 16 – 10 – 2007.
  6. ـ فرانس 24: 1 كانون الثاني/ يناير 2009.
  7. ـ الموقع الرسمي للتلفزيون الألمانيDW    ك 2/ يناير 2009.
  8. ـ  بي بي سي عربية يناير كانون الثاني/ يناير 2010.
  9. ـ الخليج أون لاين 9حزيران/ يونيو 2019.

مركز أبحاث ودراسات مينا

اترك رد