هلْ باتَتْ إدلب مفتاحًا لإعادة ترتيب الأوراق في الملف السوريّ ؟

د. محمد عادل شوك



في ظلّ دعوة أممية إلى وقف إطلاق نار شامل في إدلب، من خلال اجتماع عبر دائرة تلفزيونية يوم الخميس: 2/ 4 الجاري، شارك فيها المبعوث الأممي الخاص إلى سورية غير بيدرسون، و فرقة العمل الإنسانية التابعة لمجموعة دعم سورية الدولية، لمواجهة فيروس كرونا، الذي من المتوقّع أن تطال آثاره في حال تفشيه مليون شخص في إدلب؛ أخذت معرِّفات محسوبة على تحالف النظام تروّج لمعركة كبرى، يتمّ التجهيز لها، تكسر حالة الجمود التي تعيشها المنطقة منذ توقيع اتفاق موسكو في: 5/ 3 ـ الفائت.
بالطبع ليس ذلك بعيدًا عن الرغبة الإيرانية في شنّ هذه المعركة، بعدما وجدت نفسها خارج تلك التفاهمات التي توصّل إليها الرئيسان التركي و الروسي، حيث جرت العادة أن تكون إيران حاضرة في أية تفاهمات تخص منطقة خفض التصعيد الرابعة في سورية، ضمن تفاهمات أستانا و سوتشي.
فلقد لوحظ في الآونة الأخيرة ميل أممي لتهميش الدور الإيرانيّ، و على الأخص من الجانب التركيّ، الذي بات أقرب إلى الرؤية الأمريكية في إخراج إيران من الملف السوريّ، تماشيًا مع الرؤية الخليجية، و بعدما تأكّد للأتراك أنّ إيران لم تعد عاملًا ميسِّرًا في هذا الملف، منذ أن غاب الرئيس روحاني عن عدد من اللقاءات التي عقدها الرئيسان بوتين، و أردوغان حول الوضع في إدلب.
لقد نجحت أنقرة وموسكو في الخامس من آذار الفائت، في تبديد أجواء التصعيد على جبهات إدلب بعد انطلاق عملية درع الربيع، واحتمالات ذهاب الأمور نحو الانفجارات الأوسع، والاحتكاك التركي الروسي المباشر هناك.
إزاء ذلك برزت عدة تساؤلات من د. سمير صالحة، أستاذ العلوم السياسية التركيّ:
ـ هل ستلتزم طهران بهذه التفاهمات، أم أنها ستحاول تفجير الوضع الميداني في المنطقة ” أ ” للأمن القومي التركيّ؟ “.
ـ ما هي مرامي طهران من إصرارها على إرسال المزيد من مليشياتها إلى المنطقة، أمن أجل محاربة هيئة تحرير الشام و الجماعات الجهادية الأخرى التي تتحصَّن في إدلب، أو القوات التركية، أو لحماية مصالحها التي أخذت تشعر أنها باتت في خطر؟
و هو يرى أنّ القادة الإيرانيين باتوا يتحسسون الكارثة على سياساتهم في سورية، في ظلّ تسريبات عن مفاوضات متقدِّمة: أميركية ـ روسية ـ تركي، بعيدًا عن الأضواء لمقايضة مصالح كل طرف في سورية على حساب مصالح طهران.
فالتقارير الإعلامية والأمنية تتحدث عن قلق إيراني متزايد، ليس فقط من خطورة التفاهمات التركية الروسية على حسابها في سورية، بل هي متخوفة من ضوء أخضر أميركي خليجي داعم لهذه التفاهمات، بغية إضعاف طهران وإخراجها من المشهد السوري.
إنّ طهران تدرك أنّه في حال نجاح هذه التفاهمات ستكون هي أول من يدفع ثمنها، فسيتضاءل تأثيرها ونفوذها في الشمال السوريّ، و سيسقط حلمها في الوصول إلى المياه الدافئة عبر منفذ استراتيجي على المتوسط، تعارضه الأطراف الإقليمية جميعها.
إنّ ما تعلنه طهران من إصرارها على إرسال المئات من مليشياتها إلى إدلب، من أجل دعم النظام وتمكينه من بسط نفوذه، لا يعدو أن يكون في حقيقته لمواجهة هذه الطبخة الثلاثية، التي ستكون هي أول ضحاياها.
إنّ طهران التي كانت تراهن على التنسيق مع موسكو لتحقيق أهدفها على حساب أنقرة، لم تدرك أنّ الأمور قد خرجت عن إطار التمنيّات، فخياراتها قد تضاءلت إلى مستوى تحريك ميليشياتها نحو الحدود التركية فقط، و حتى هذا الخيار لم تعد أنقرة تقبل به بعد كل ما قدمته لطهران من خدمات إقليمية في أصعب الظروف التي كانت تمر بها.
إنّ تركيا بإرسالها قوات لها بلغ تعدادها خلال الفترة الممتدة من:1/ 2 ـــ 31/ 3 الفائتين، نحوًا من ( 29 ألف مقاتل ) بحسب تقرير أعدّه معهد دراسات الحرب، المقرّب من وزارة الدفاع الأمريكية، تضمّ قوات خاصة من ذوي الخبرة القتالية الفائقة، إلى جانب وحدات أخرى مدرَّعة، و مشاة معروفين بامتلاكهم خبرات قتالية كبيرة، فضلًا على معرفتهم بطبيعة الصراع في سورية، نتيجة مشاركتهم في عمليات قامت بها بلدهم في عفرين و شمال حلب و شرق الفرات؛ قد قلبتْ طاولة الحسابات الإيرانية عقبًا على رأس، فضلًا على الأطراف الأخرى.
فهي قد دفعت لسنوات ثمن تنسيقها مع إيران، و خسرت كثيرًا من أوراقها الاستراتيجية مع موسكو وواشنطن، و هي لم تعُد تعير اهتمامًا يذكر لأية أثمان تقبضها من تحالفها معها، فهي اليوم باتت لاعبًا رئيسيًا في الملف السوريّ إلى جانب الأمريكان و الروس فحسب.
و باتَتْ اليوم على قناعة كاملة بأن تغيير سياستها في سورية، لا بد أن تبدأ من تعديل الموقف حول نظرتها إلى إيران في هذا الملف.

اترك رد