هل كرسي رئاسة الوزراء في العراق محرقة لصاحبه؟

أحمد السهيل

يبدو أن بورصة المكلفين لرئاسة الحكومة العراقية مستمرة بالتصاعد، فبعد فشل محمد توفيق علاوي ومن ثم عدنان الزرفي، توافقت الكتل السياسية على تكليف مصطفى الكاظمي لرئاسة الحكومة، في ظل أزمة سياسية مستمرة، واشكالات اقتصادية كبيرة تمر بها البلاد.

وكان الكاظمي قد طُرح للمنصب مرات عدة منذ استقالة عادل عبد المهدي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، لكن خلافات سياسية حادة حالت دون تكليفه للمنصب.

اعتراضات سابقة 

ولعل أبرز ما عرقل تكليفه في ما سبق، اعتراض القوى السياسية القريبة من إيران تحديداً تحالف “الفتح” بزعامة هادي العامري، فضلاً عن عدد من الفصائل المسلحة، فيما كانت تلك القوى تبرر رفضها بأن الكاظمي مقرّب من الولايات المتحدة، فضلاً عن اتهامات لاحقة من قبل بعض الفصائل بأنه ضالع في عملية اغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس “هيئة الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، لكنها عادت لطرحه للمنصب بعد تكليف الزرفي، فيما يبرر مراقبون تلك الخطوة بأنها تأتي في إطار الخروج بأقل الخسائر، حيث تعتقد القوى السياسية القريبة من إيران أن بالإمكان عقد تفاهمات مع الكاظمي على عكس الزرفي الذي يبدو أنه أكثر حزماً في التعاطي مع تلك القوى، بحسب مراقبين.

طريق وعر

وعلى الرغم من التوافق الشامل للقوى السياسية حول الكاظمي، لكن الطريق إلى كرسي رئاسة الحكومة يبدو وعراً جداً، حيث حظي محمد توفيق علّاوي عند تكليفه بتوافق عدد كبير من القوى السياسية وتحديداً الشيعية، إلا أن هذا التوافق سرعان ما تفكك، حيث تخلّت الكتل السياسية السنية والكردية عن دعمه، في حين اتهم علّاوي تلك القوى بأنها سعت لإفشاله لعدم اعطائه إياها حصصاً وزارية.

أما عدنان الزرفي، فقد أتى تكليفه بعد فشل “اللجنة السباعية” للقوى الشيعية من الخروج بمرشح توافقي، ما أدى إلى حصول أزمة سياسية بين رئيس الجمهورية والكتل الشيعية الرافضة هذا التكليف، وعلى رأسها تحالف “الفتح” و”ائتلاف دولة القانون” و”تيار الحكمة”، لكنه على الرغم من ذلك كان يحظى بدعم عدد كبير من الكتل يؤهله، بحسب مراقبين، من الحصول على ثقة البرلمان، إلا أن التصعيد السياسي والتهديدات من مغبة إمراره من قبل تحالف “الفتح”، فضلاً عن طرح اسم الكاظمي كمرشح تسوية متوافق عليه، أدى إلى تراجع الكتل السياسية عن هذا الدعم مبدية استعدادها إمرار الكاظمي.

خيارات خارج مطالب المحتجين

كُلّف الكاظمي بعد نقاشات موسعة دارت بين الكتل السياسية المختلفة في الأيام الماضية، حيث جرى التكليف بعد وقت قليل من انسحاب الزرفي، وحضر الجلسة أغلب زعماء القوى السياسية العراقية بضمنها ممثل عن تحالف “سائرون”، ما قد يشير إلى أن إمرار حكومته سيكون أسهل من المكلفين السابقين.

واستمرت السجالات السياسية منذ اندلاع انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والتي أجبرت عبد المهدي على تقديم استقالته، فيما اتخمت قوائم المرشحين وتصاعد الجدل بشأن الكتلة الأكبر، وتفاقمت الصراعات السياسية والتدهور الأمني ما أوصل البلاد إلى حالة من الانسداد السياسي، فضلاً عن تزامن ذلك مع تصاعد حدة الصراع الأميركي – الإيراني في البلاد.

وعلى وقع المطالب الشعبية باختيار بديل لعبد المهدي ضمن شروط الساحات، استمرت الخلافات السياسية، فيما تسيّد المشهد طرح خيارات لا تقترب من إرادة المحتجين، ما أدى إلى رفضها من قبل قوى الاحتجاج، لكن تفاقم الأزمة الصحية وتضاؤل أعداد المحتجين أدى إلى عودة القوى السياسية إلى خيارات تبتعد عن معايير الاحتجاج وتعود إلى صياغة سيناريوهات المحاصصة الحزبية الطائفية.

ويرى ناشطون أن الكاظمي لا تنطبق عليه هو الآخر المواصفات التي طرحت في الساحات، فيما اعتبروه جزءاً من المنظومة السياسية التي يرفضونها.

معرقلات المكلفين السابقين

ويعلل مراقبون المعرقلات التي واجهت المكلفين السابقين للمنصب، بأنها تأتي في إطار سعي الأطراف القريبة من إيران إدامة أمد حكومة المستقيل عادل عبد المهدي، فضلاً عن المخاوف من وصول شخصيات لها مواقف مناهضة للنفوذ الإيراني في البلاد. فيما أشاروا إلى أن قضية الحفاظ على حصص القوى السياسية في الحكومة تعد مسألة رئيسية في هذا الإطار.

وبرز سبب آخر بعد تكليف الزرفي، هو تجاوز الإجماع الشيعي وقضية الكتلة البرلمانية الأكبر، ما أعتبره تحالف “الفتح” تجاوزاً على استحقاقاته، ودفعه إلى تصعيد اللهجة ضد رئيس الجمهورية.

سجال “الكتلة الأكبر”

وعلى الرغم من الاتهامات السابقة التي صدرت من بعض القوى القريبة من إيران للكاظمي، قال زعيم حركة “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي في كلمة مصورة إن “رئيس الجمهورية ارتكب خطأ حين سلب حق المكوّن الشيعي بترشيح رئيس للوزراء، وتلك الحركة كان يُراد منها رهن قرار العراق بيد الخارج، لكن تحالف الفتح والقوى الوطنية أفشلت تلك الخطوة”.

وأضاف “لدينا ملاحظات على المرشح البديل لكننا قررنا التماشي مع الوضع الموجود في ظل التوافق أو الإجماع السياسي الحاصل، وأن لا نكون حجر عثرة مع تأكيدنا على ضرورة تطبيق ما ذكرناه سابقاً، وأهمها التزام الحكومة بقرار الشعب العراقي بخروج القوات الاجنبية والحفاظ على الحشد الشعبي والاستمرار بتنفيذ اتفاقية الصين”.

وأوضح رئيس تحالف “الفتح” هادي العامري، في تصريح من قصر السلام، أن “السياقات الدستورية عادت إلى طبيعتها”، وفيما أشار إلى أن “الكتلة الأكبر أخذت استحقاقها”، تعهد بدعم الكاظمي في مهمة تشكيل الحكومة.

مرشح رئيس الجمهورية!

في المقابل، كتب السياسي عزت الشابندر في تغريدة على “تويتر”، “في وقت نتمنى النجاح للأخ الكاظمي في مهمته، فإن بعضاً من مغفّلي الشيعة يتخيلون الانتصار بمعركتهم ضد رئيس الجمهورية، حيث اعتذر الزرفي عن التكليف متجاهلين حقيقة أن الكاظمي هو مرشح الرئيس وليس الزرفي”.

وتابع متهكماً “مساكين… أراكم الموت حتى رضيتم بالحمى”.

فيما كتب السياسي البارز أثيل النجيفي على صفحته في “تويتر”، “هل وصلت الدولة العراقية لهذا العجز والفشل بسبب اختلاف الكتل السياسية؟ أم بسبب توافقاتها ومبدأ رضيني وأرضيك”.

وتساءل بالقول “‫لا يهم علاوي، الزرفي، الكاظمي، المهم هل سنبدأ عهداً يتقاطع مع الفاسدين ويغضب الدائرون في الدوامة الإيرانية؟ أم سيغرق عبد المهدي الجديد في الفشل المتراكم؟”.

ترجيحات بمرور الكاظمي

في السياق ذاته، يرى رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية واثق الهاشمي، أن “عدم امكانية نجاح الزرفي في مهمته كانت واضحة بظل الرفض الإيراني الكبير له، فضلاً عن عدم وجود توافق حوله داخل اللجنة السباعية للكتل الشيعية”.

ويضيف لـ”اندبندنت عربية”، “خيارات الكتل الموالية لإيران باتت صعبة، في ظل التصعيد المتنامي للولايات المتحدة، وبعد ضوء أخضر إيراني قرّرت هذه الكتل القبول بالكاظمي”، مبيناً أن “واشنطن ترغب بوصول الزرفي أو الكاظمي إلى المنصب”.

ويؤكد الهاشمي أن “الكاظمي سيشكل حكومته خلال الثلاثين يوماً، وسيحظى بثقة البرلمان في ما يتعلق برئاسة الوزراء”. ويلفت إلى أن “كل الترشيحات لمنصب رئيس أول جلسة”، مردفاً “العراق مقبل على مرحلة التوازن بين أميركا وإيران فيما رئاسة الوزراء لم تأخذ في الاعتبار مطالب المحتجين، وصوت التدخلات الخارجية والمصالح السياسية أعلى من أصوات المحتجين”.

محرقة المكلّفين

في المقابل، يقول الكاتب والصحافي أحمد حميد إن ” يبدو أن كرسي رئاسة الوزراء محرقة لأي مكلف لا يخضع لفلسفة المحاصصة التوافقية لكل الكتل الطائفية والقومية، وخير دليل على ذلك هو فشل مكلفين اثنين بتشكيل حكومة مؤقتة لا تتعدى السنة الواحدة”.

ويضيف لـ”اندبندنت عربية”، “الكتل المتحكمة بالقرار السياسي العراقي، تخشى مجيء أي رئيس تنفيذي جديد للبلاد، ما لم يخرج من عباءة التوافقات الضامنة للاستحقاقات الضيقة لها”.

ويشير إلى أن “أسباباً واضحة تقف خلف انسحاب أو فشل علّاوي والزرفي، أبرزها تبنيهما فلسفة كسر المحاصصة الطائفية للمناصب الحكومية، وإصرارهما على هذه المنهجية أدى إلى قبر مشروعيهما”.

ويتابع أن “إيران اللاعب الأول في الساحة السياسية العراقية، لا يمكن المضي بحكومة من دون قبولها بالشخص القائد للكابينة التنفيذية الجديدة، والقوى الشيعية أداة عضوية بيد طهران داخل العراق، وهنا تكمن نقطة القوة لها”، مبيناً أن “فشل المكلفين السابقين يعود إلى عدم توافقهما الكلي مع إيران”.

ويعتقد حميد أن “الإجماع الشيعي والسني والكردي الذي حصل عليه الكاظمي أثناء التكليف يكشف عن حصوله رضا طهران”.

ويختم أن “المحتجين أصبحوا فاعلاً رئيسياً إلى جانب الفاعلية السياسية للكتل، لذا لن تستطع أي حكومة المضي ببرنامجها وديمومتها من دون رضا الشارع الاحتجاجي”، مبيناً أن “رئيس الوزراء الجديد مجبر على الخضوع وتلبية المطالب الشعبية وإلا سيكون مصيره كمصير عبد المهدي”.

دور الصراع الأميركي – الإيراني

من جهة ثانية، يقول أستاذ الإعلام في الجامعة العراقية فاضل البدراني إن “الطبقة السياسية الحالية لا تريد للحكومات أن تنجح لأنها ترغب باستمرار قواعدها بممارسة الفساد في الدولة، ولن تسمح لأي رئيس حكومة أن يجري اصلاحات للقضاء على الفساد”، مردفاً “تود تلك القوى إبقاء الدولة رهينة بأيديها”.

ويوضح لـ”اندبندنت عربية” أن “عدم نجاح المكلفين لمنصب رئيس الحكومة يعود بالدرجة الأساس إلى المشكلات الداخلية المتعلقة بالفساد وهيمنة الطبقة السياسية على مفاصل الدولة”.

ويشير إلى أن “الصراع الأميركي – الإيراني لعب دوراً كبيراً في إفشال المكلفين السابقين بتشكيل الحكومة”.

ويلفت أن “إيران تعتمد على العراق في الكثير من الملفات وتحديداً الاقتصادية، ولذلك ترفض قدوم شخص مقرب من أميركا إلى السلطة”.

ويعتقد البدراني أن “قبول القوى الموالية لإيران بالكاظمي بعد تصديرها اتهامات عدة له، يعد دلالة على تنازل تلك الأطراف عن خياراتها”.

ضمانات للقوى الموالية لإيران

ويرجح البدراني أن تكون هناك “اتفاقات وتقديم ضمانات من قبل الكاظمي بعدم التجاوز على حقوق الأطراف القريبة من إيران في العراق، هي التي أدت إلى قبولها تكليفه”، مبيناً أن هذا الأمر سيزيد حظوظه في المرور.

ويبيّن أن “ما دفع تلك القوى على التنازل هو أنها باتت بين خيارين إما الزرفي أو الكاظمي، وهي ترى أن الأخير أكثر هدوءاً، فضلاً عن اعتقادها أنه لن يخرج عن طاعة الكتل السياسية التي دعمت تكليفه”.

ويلفت إلى أن “الكاظمي رُفض سابقاً من قبل المحتجين، لكن القوى السياسية استغلت ظروف أزمة فيروس كورونا وتوقف نشاط الحراك الشعبي لتقديم ما تريده وليس ما يرضي مطالب العراقيين”.

إندبندنت عربية

اترك رد