هل السوريون جاهزون للديمقراطية؟

عبد العزيز عجيني
  • مقدمة:
  • التراكم التاريخي للاستبداد.
  • التمترس الطائفي وثقافة التغلب.
  • دهاقنة الاستبداد يتحالفون مع الخارج لقهر الحراك الديمقراطي.
  • الثورة السورية وترنح نظرية التغلب.
  • أهمية الوعي بالهوية الوطنية والالتزام بها.
  • الطريق نحو عهد جديد.

مقدمة:
بعد مضي ثمان سنوات من الحرب الطاحنة في سورية، يتساءل الكثيرون عن إمكانية توصل السوريين الى توافق يساهم في بناء دولتهم الديمقراطية الحرة التي تحترم جميع ابناءها بغض النظر عن انتماءاتهم، يجادل البعض بأن السوريين ليسوا جاهزون للخيار الديمقراطي بعد، وأن سنوات الاستبداد وما تلاها من ثورة تم لي عنقها لتصبح حربا طائفية خدمة لنظام الأسد، والمصالح الإقليمية والدولية.
بعض المتمعنين في الشأن السوري يرى أن الأزمة في سورية هي أزمة ثقة بين مكونات المجتمع السوري.
في هذه الدراسة سنحاول الإجابة عن السؤال الذي يراود الكثيرين من السوريين وغير السوريين من المهتمين بالشأن السوري: هل أصبح السوريون جاهزون للخيار الديمقراطي بعد كل ما جرى؟

  • التراكم التاريخي للاستبداد
    بعد قرون من الزمن عاش فيها العرب تحت سلطة دينية مطلقة يتقمص فيها الحكام دور الوكلاء الحصريين لتطبيق مفهوم الحاكمية ويعتبرون أنهم الأحق بالحكم وتوريثه حيث اقتصر تداول السلطة خلال هذه القرون على التغلب والغاء الآخر، اغتيالا أو تسميما أو عبر صراعات دامية أزهقت أرواحا لا تعد ولا تحصى لينتهي الأمر مع عصر الانتداب الذي تلا انهيار الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين. ومع مجيء الاستعمار الفرنسي عمد المستعمرون إلى تعزيز الطائفية في سورية بكل اشكالها الدينية والعرقية والمذهبية والعشائرية ما نتج عنه تخويف الطوائف من بعضها تحت عناوين مختلفة منها ما هو ديني ومنها ما هو تاريخي موروث يشيطن كل طرف لدى الطرف الآخر من “مبدأ فرق تسد”. لقد عمد الفرنسيون الى التفريق في سياستهم بين المناطق السورية ذات الألوان الطائفية لتشتيت الجهد الوطني المناهض للاستعمار والطامح للتحرر وبناء دولة سورية مكتملة الأركان. ومن هنا راح زعماء الطوائف يعقدون صفقات منفردة مع المستعمر، بسبب توجسهم من الطيف أو الأطياف الأخرى. فقد كان كل زعيم طائفي يصور الأمر لأتباعه على أنه مسألة مصير، وهذه السياسة كانت تخدم فقط المستعمرين وزعماء الطوائف الذين كانت امتيازاتهم ومكاسبهم مرهونة باستمرار التمترس الطائفي.
    وهكذا تشرب السوريون الطائفية بأقبح صورها، وأصبح الهم الطائفي يفوق الهم الوطني، على اعتبار أن الخطر الحقيقي ليس متأتيا من قوى الاستعمار الخارجي وإنما من الأنداد الطائفيين المتربصين ببعضهم.
  • التمترس الطائفي وثقافة التغلب
    وسط هذه المناخات الطائفية ترعرعت طبقة من المثقفين والسياسيين والضباط الطائفيين ومن جميع الأطياف. فالأقليات ترسخت لديها ثقافة الحذر من طائفة الأغلبية، والأغلبية عادت الى موروثها الديني والثقافي لرص صفوفها في مواجهة الأقليات، وبدل من ان يبحث هؤلاء المثقفون عن الصفحات المشرقة في تاريخ الأمة، راح كل طرف ينبش في اشد صفحات التاريخ قتامة لاستحضار كل ما يخدم نظريته الطائفية سعيا لامتطاء طائفته في سبيل تحقيق مكاسب سياسية، أو اقتصادية غالبا ما تكون شخصية او مرتبطة بقوى خارجية.
    وهكذا ترسخت القيم الطائفية في أذهان أطياف واسعة من السوريين على حساب الانتماء الوطني، ليصبح المجتمع السوري جاهزا للاستبداد وثقافة التغلب والهيمنة والمنهج القهري الذي يقوم على نظرية أن السبيل لحماية طائفة ما إنما يكون بسحق باقي الأطياف.
    وللتعمية على هذه الحقائق زين البعثيون الأوائل نظرياتهم بعناوين غير طائفية فجذب الى صفوفه كل الحانقين على الطائفية ظنا منهم ان حزب البعث هو الوعاء الذي يتسع للجميع، والحقيقة أن البعثيين كانوا يمارسون التقية السياسية. فكان بداخل كل منهم طاغوت مخبوء يحركهم بدافع المصالح، وكان حزب البعث أحد بوابات الوصول الى السلطة وهنا دخلت سورية بعد ذلك في عهد الانقلابات العسكرية. في كل مرحلة كان الواصلون الى السلطة يسحقون خصومهم مما عمق جذور الطائفية السياسية والأثنية والمذهبية.
    ففي الثامن من آذار عام ألف وتسعمئة وثلاثة وستين سيطر حزب البعث على مفاصل السلطة، ودخلت سورية في عهد جديد من الديكتاتورية تتوجت بوصول حافظ اسد إلى السلطة، وترسيخ حكمه عبر ما أسماه الحركة التصحيحية وهو اسم أطلقه حافظ أسد على عملية تصفية خصومه السياسيين، وتعويم حلفائه في مشروع السيطرة على سورية، وهنا انقسم البعث على نفسه بين يمين ويسار وأضحى منطق السلطة القهرية هو السائد.
    وفي الثمانينات تحرك اتباع حركة الاخوان المسلمين لإسقاط نظام الأسد، ليس من منظور عدائها للاستبداد أو من منطلق وطني وإنما أرادوا الإطاحة بحكم حافظ الأسد من منظور احقيتهم في حكم سورية بناء على أساس طائفي وديني. وهنا تحرك الأسد الأب وبضوء اخضر دولي لسحقهم بكل وحشية واجرام.
    لقد تعامل الطرفان، نظام الأسد ومعارضوه مع سورية على أنها غنيمة يجب الاستيلاء عليها او تقاسمها مع الخصم في أسوأ الأحوال، وبالنظر الى ما جرى في سورية خلال تلك العقود المظلمة فإن الثقافة الطائفية عششت في نفوس معظم السوريين وتشكل تياران: الأول أقلاوي متوجس من الأكثرية وتيار أخر أكثراوي يشعر بالمظلومية ويتحين الفرصة لقلب الموازين وأصبح الشد الطائفي في أوجه.
  • دهاقنة الاستبداد يتحالفون مع الخارج لقهر الحراك الديمقراطي
    نسج نظام الأسد الأب، وابنه بشار من بعده شبكة علاقات دولية مافياوية ساعدته في الاستمرار بحكم سورية بالحديد والنار وتحويل سورية الى مزرعة خاصة يعود ريعها لنظام الأسد وبرجوازيته العسكرية والاقتصادية. وهنا أحس طيف واسع من السوريين بأنهم غرباء في بلدهم وغابت مظاهر الشعور الوطني ليحل محلها الانتهازية والوصولية. ففي خلال السنوات التي سبقت الثورة تغلغلت إيران في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية في سورية, وراحت تعمل على تشييع أكبر عدد ممكن من السوريين خدمة لمشروعها الإمبراطوري في المنطقة, معتمدة على تحالفاتها مع رجال دين وسياسيين وجنرالات لتنسج شبكة مافياوية تضم السلطة والمال والدين, كل هذا زاد الشرخ الطائفي في سورية وعمق الانقسام المجتمعي وزاد الفقراء فقرا وزاد الأغنياء غنى, و أصبحت سياسة التهميش والأقصاء أكثر فجاجة ووضوحا, و لم يكن خافيا أن المنظومة الدولية كانت راضية عن نظام الأسد الدكتاتوري بالنظر الى تلبيته لمصالح تلك المنظومة الدولية. وهكذا استمرت المأساة السورية بكل أبعادها حيث كانت النار تزداد استعارا تحت الرماد حتى جاءت ثورة الحرية والكرامة في الخامس عشر من آذار 2011 لتكشف حجم التحالف الكبير بين نظام الأسد ودول فاعلة في المنطقة وخارجها عملت على منع سقوط نظامه رغم حجم القتل والدمار.
  • الثورة السورية وترنح نظرية التغلب
    خلال أربعين عاما من حكم الأسد، نشأ جيل جديد لم ينخرط بشكل فعلي في الانقسام الطائفي والتخندق المذهبي، نتيجة أن السوريين جميعا كانوا مسحوقين بآلة الاستبداد.
    وجاءت ثورة الاتصالات لتنبش عميقا في وجدان السوريين الذين راحوا يقارنون أنفسهم بالشعوب الحرة في بلدان العالم الأخرى، وأخذت تتخمر في أذهانهم فكرة مفادها أن سورية تستحق أن تكون وطنا أفضل بكثير مما هي عليه. فادعاءات نظام بشار الأسد بأنه راعي التطوير والتحديث حركت في النفوس توقا شديدا للتغيير، ولكن القبضة الأمنية لنظام الأسد أبقت الأفواه مكمومة الى أن جاء الربيع العربي وتعالت صيحات الحرية في عواصم عربية عديدة لتوقظ شعورا وطنيا كاد أن يموت لطول فترة الاستبداد.
    هتف السوريون لسورية والحرية والكرامة ورددوا عبارة: “واحد واحد واحد…. الشعب السوري واحد”، وانتشرت المظاهرات المطالبة بالحرية في جميع المدن والبلدات السورية وشارك فيها من جميع أطياف الشعب السوري وإن كان بنسب متفاوتة حسب مقدار الحيف الذي كانت تتعرض له كل فئة من السوريين، ولعلم السوريين بتركيبة النظام الطائفية، مذهبة وسياسة واقتصادا، فقد تحلوا بروح وطنية عالية ردا على النظام الذي جير كل شيء لصالح بقائه في السلطة. فقد دغدغت أحلام الحرية معظم السوريين ووحدهم الظلم الواقع عليهم لينسوا مذاهبهم وطوائفهم يقينا منهم بأن الحرية والكرامة أسمى من أي انتماء آخر.
    كانت هتافات السوريين في المظاهرات ترمز للكثير مما اختزنه السوريون من بقايا وطنية، وتعايش وانسجام عبر السنين. كان السوريون يريدون التخلص من طغمة حاكمة، لا لأنها من الطائفة العلوية، بل لأنها غير شرعية.
    لقد أراد عدد كبير من السوريين إبقاء سورية جميلة بأهلها ليقينهم بأن اقتلاع العصابة الحاكمة سيزيد سوريا جمالا وألقا. وهنا أحس النظام بالخطر وبأن سورية ستلفظ الطغيان، فما كان منه إلا أن بدأ بتدمير النسيج الوطني الجامع للسوريين. وسريعا بدأت تظهر مشاهد فظيعة على مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة يطلب فيها جنود الأسد من معتقليهم أن يقولوا: “لا إله إلا بشار.” وكان صوت الجندي الأسدي يفيض طائفية بلكنته العلوية ليقول للسوريين: إن من يرفض حكم الأسد سيفقد كل شيء، حتى دينه. هذا الخطاب الوقح والمنافي لجميع الأعراف والقيم الإنسانية وصل الى كل مسلمي العالم فبدأ المهاجرون بالتدفق الى سوريا. بعضهم بدافع ديني يريدون الدفاع عن الدين، ونصرة طائفة على أخرى من منطلق ديني، والبعض الأخر من منطلق مذهبي وهنا وقع المحظور.
    وماهي إلا شهور من عمر الثورة حتى بدأت تظهر عناصر إيرانية ولبنانية وعراقية وأفغانية بين صفوف قوات النظام، تقاتل الى جانبه ضد شعب أعزل، لتظهر الكارثة الوطنية عندما أحس عدد كبير من السوريين أنهم ليسوا جزءا من هذا الوطن. وكردة فعل راح الكثيرون يتغنون بإسلاميتهم ومذهبهم على حساب الانتماء الوطني. وليكتمل المشهد الكارثي قامت جهات دولية بتسهيل مرور المقاتلين الأجانب الى سوريا كمنقذين للشعب السوري المكلوم. وبدأ الانتماء لحلفاء من خارج الحدود ينمو ويزداد على حساب الانتماء الوطني. لقد نجح نظام الأسد في جعل الإنسان السوري في مناطق النظام يشعر بأن الإيراني والروسي الدخيل أقرب إليه من زميل الدراسة السوري الذي ينتمي للطرف الآخر من الصراع, و على الضفة الأخرى راح مناصرو الثورة يتغنون برابطة الإسلام مع المقاتلين الأجانب على حساب انتمائهم لسورية الوطن, واكتملت أركان المشروع التدميري للنسيج الوطني السوري, وظهر ذلك جليا عندما انتشرت صور بوتين في مدن الساحل السوري و صور حسن نصر الله في أسواق دمشق وصور أرد وغان على ملابس الشباب في الشمال السوري، وصور عبد الله المحيسني السعودي الجنسية في بعض مناطق إدلب و الشمال السوري عموما. أما صور زعيم حزب الله اللبناني صارت أكثر وضوحا في أسواق العاصمة دمشق من صور بشار الأسد نفسه. لقد قامت استراتيجية عائلة الأسد الأب والابن على توريط السوريين بدماء بعضهم كي تصبح عائلة الأسد الملاذ الآمن للطائفة العلوية وتوهم غيرها من الأقليات بالخطر المزعوم حتى أصبح أفراد تلك الطائفة يجادلون بالقول بأن التغيير في سوريا يعني فنائهم. بعض السوريين ذهبوا بعيدا في لا وطنيتهم.
    ففي المناطق المحررة قام عدد من السوريين بتزويج بناتهم لمقاتلين أجانب دون معرفة أسمائهم أو جنسيتهم الحقيقية. وإذا علمنا أن هناك الآن أكثر من 1800 طفل مجهول الأب سنعرف أي انحطاط وطني وصل اليه بعض السوريين.
    من يجالس السوريين يعرف إلى أي حد وصل التمزق في البنية الاجتماعية، والوطنية وكيف ضاعت الهوية الوطنية الجامعة التي بدأت بالتشكل في سوريا خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
    إن أكثر السوريين في المناطق الخارجة عن سلطة نظام الأسد أصبحوا يعتبرون أنفسهم بأنهم مسلمون فقط ولم يعودوا يعترفون بعروبتهم أو انتمائهم لسورية.
    وعلى الطرف الأخر أحس أتباع النظام بأن الإيراني والروسي هو الشريك في الوطن وليس السوريون الأخرون. حتى أن بعضهم ذهب الى حد القول إنه وبعد الفظائع التي ارتكبها السوريون بحق بعضهم لم يعد هناك شيء اسمه سوريا، وأصبح ابن أوزبكستان او إيران أو روسيا الذي يقاتل معه أقرب إلى قلبه من أشخاص عاش معهم طفولته وزملاء له في العمل قضوا سنين عديدة معا.
    قلة قليلة من السوريين لايزالون يعتبرون سوريا وطنا يجمع الجميع مع تأكيدهم على محاسبة القتلة المجرمين بغض النظر عن طائفتهم سيما وأن المقاتلين في صفوف النظام وميليشياته هم خليط من جميع الطوائف، والإثنيات تقودهم طغمة طائفية مرتبطة بالخارج. وهنا كانت المسؤولية كبيرة على عاتق الشرفاء الوطنيين للعمل على إعادة اللحمة الوطنية بعيدا عن الانتماءات المذهبية والعرقية والدينية.
    هذه القلة من السوريين تم تهميشها طوال سنوات الصراع لفسح المجال لا تمام المشاريع الدولية والإقليمية التي تستهدف إعادة رسم الخارطة السياسية للشرق الأوسط وإعادة تشكيل الوعي لدى شعوب المنطقة.
    فخلال عهد الاستبداد تعلم السوريون حب رجل الدين بدلا من حب الله وحب القائد بدلا من حب الوطن.
    هناك الكثيرون من السوريين يؤمنون بانتمائهم لسورية أرضا شعبا ووطنا ولكن القوى المتحكمة بالصراع ازاحت هكذا اشخاص من واجهة الحدث وصناعة القرار وحرمتها من أي منبر لتقول كلمتها، وهذا مرده أن المخططين لما يجري في سورية اقتضت مخططاتهم أن يتم تعويم أشخاص يصلحوا أن يكونوا أمراء وعرابين للحرب وقد أسهم المال السياسي والتضييق على القوى الوطنية في شل قدرة هذه القوى وتحييدها.
    لقد عمل نظام الأسد على تحويل السوريين من مواطنين الى مرتزقة يتسابقون في كسب ود النظام لتحقيق مكاسب او الحفاظ على مصالحهم أو لتجنب الأذى وهنا نشأ جيل من المنتفعين ليصبحوا عمالا في مزرعة الأسد بدلا من كونهم مواطنين مخلصين لشعبهم ووطنهم, وبقي الشعور الوطني والشعور بالانتماء للشعب السوري حبيسا في قلوب وعقول شرائح واسعة من السوريين لتأتي الثورة السورية في عام 2011 وتنعش هذا الشعور وبدأت الهوية الوطنية وروح الانتماء بالعودة الى الحياة من جديد وظهر ذلك من خلال صيحات السوريين في المظاهرات عندما هتفوا: الله سورية حرية وبس والشعب السوري واحد قبل أن تنقض عليهم آلة القتل الإجرامية لنظام الأسد وتشتتهم في السجون والمعتقلات والمقابر والمهاجر.
    فهيمن المرتزقة وتجار الحروب وعرابو الطائفية من جميع الأطياف وسيطروا على عقول وقلوب شريحة جوفاء من السوريين، ووظفتهم كأدوات في الحرب.
    وأنا هنا أتكلم عن طرفي الصراع. وكان لإجرام النظام الدور الأكبر في تزكية هذه الروح اللاوطنية, لأن الروح الوطنية ستكون مهلكة لنظام الأسد فيما لو بعثت من جديد لدى السوريين. قد لا تكون ملامح الشعب السوري كافية للإعطاء صورة مشرقة بالمعنى الحديث للشعب السوري نظرا لطول فترة الاستبداد والتشويه وتأخر الشعب السوري عن مفاهيم المواطنة والديمقراطية لعقود طويلة، ولكن وبعد أن قضت الحرب مضاجعهم بدأ السوريون يتنبهون لخطر الكارثة وهولها وبدأ يتبلور شعور وطني جديد يعتبر سورية وطنا وليست مزرعة، وذلك لأن حس المواطنة هو فطرة في الإنسان وتشوهاته تكون عادة مكتسبة ويمكن إزالة آثارها ولكن الأمر ليس سهلا.
  • أهمية الوعي بالهوية الوطنية والالتزام بها
    إنّ للوعي بالهوية الوطنية والالتزام بها آثار عظيمة، تنعكس على الفرد والمجتمع والوطن بشكل عام، ولا سيّما متى قام الكل الوطني بواجباته خير قيام، فثمرات ذلك أكثر من أن تحصى، تتمثل قوة في النسيج الاجتماعي، تعجز عن اختراقه مكائد الطامعين وأهواء الفاسدين، ونهضة في العلم والمعرفة، في شتى المجالات، وحدٍّ من النزاعات، وقوة في الاقتصاد، واستغلال جيد للعقول المبدعة، وتطوير دائم وبناء للوطن، واللحاق بركب الحضارة، بل ريادة تجعل سورية في مصاف الأمم المتحضرة، وهيبة للوطن والمواطن، إذا اعتز الكل بهويته الوطنية، فأحسن فهمها، وأجاد لغة التعبير عنها. والتمسك بالهوية الوطنية لا يسيء الى الانتماءات الأخرى كالدينية والمذهبية والعرقية كما يشاع دائما من قبل دعاة الطائفية والتمذهب والتمترس خلف هويات فرعية.
    يفترض أن يكون الأنسان مواطنا في علاقته مع الدولة والمجتمع وفيما يخص باقي مجالات حياته له الحرية في أن يحافظ على أي انتماء آخر شريطة عدم المساس بمبدأ المواطنة.
  • الطريق نحو عهد جديد
    لقد كان درسا قاسيا تلقاه السوريون في محاولاتهم للاستمرار في سياسة التغلب من قبل الطغمة الحاكمة من جهة، ومحاولات فريق آخر من السوريين أن يقيموا استبدادا بديلا عن استبداد السلطة القائمة من جهة أخرى، والحقيقة أن كلا الفريقين فشلا ذريعا مما تسبب في استمرار شلال الدم لسنوات طويلة.
    وبعد كل ما جرى فقد السوريون على اختلاف مشاربهم السياسية والدينية والطائفية ثقتهم بعرابي المشاريع اللاوطنية وأصبح قادة الحرب في سورية على طرفي الصراع عبئا ثقيلا على اتباعهم من السوريين، ولم يعد السوريون قادرون على الخروج على من يقودهم الى الاستمرار في المحرقة.
    لقد آن الأوان لكي يشق السوريون طريقهم نحو عقد اجتماعي جديد، وشكل جديد من اشكال الحكم الديمقراطي الحديث ويعودوا إلى رشدهم بعد عقود من التربص والصراع المفتوح. وعلى السوريين أن يعلموا أن المجتمع المتعدد الأعراق لن يستطيع الوصول إلى الأمن والاستقرار، ولن ينعم السوريون بالسلام دون الخروج من البوتقة الطائفية والتوقف تماما عن التخندق خلف قوى إقليمية ودولية لا يهمها إلا مصالحها، فلن يستطيع أي طيف سوري أن يحكم الأطياف الأخرى بمنطق التغلب والانتصار وهذه سنة كونية لا يمكن القفز فوقها بأي حال من الأحوال.
    لقد أصبح لزاما على جميع الوطنين السوريين التحرك بسرعة نحو مشروع وطني جامع يجمع السوريين جميعا، والتحلل من كل الميراث الطائفي وترسبات العهد الاستبدادي والقراءات المغلوطة لأحكام شرعية ربما كانت قابلة للحياة في عصرها وأصبحت وبالا على السوريين في عصرنا الراهن. هذا المشروع الوطني الجامع يجب أن ينبثق عنه وثيقة عهد وطني يتفق عليها السوريون عبر ممثليهم الوطنين الغير مرتهنين لأجندات خارجية، وتكون هذه الوثيقة بمثابة المدخل لإجراءات دستورية، وتحديد شكل سورية الجديدة. قد يقول قائل: إن هذا غير ممكن في ظل حالة الاستقطاب الطائفي والسياسي والارتهان لقوى خارج الحدود! نعم قد يكون صعبا ولكن إذا تحلل السوريون من أجنداتهم اللاوطنية وجلسوا معا لرسم خارطة الطريق، فستكون القوى الإقليمية والدولية مجبرة على التعامل معهم والوصول الى مخرج مقبول لجميع الأطراف ويساهم في وقف شلال الدم. أما إذا استمر السوريون في غيهم ومكابرتهم، فستستمر المأساة لسنوات وسنوات ولن تستقيم أحوالهم حتى لو تم فرض حل سياسي من خارج الحدود. إذ لا يكفي أن تتوقف الحرب بضغط دولي ويحافظ السوريون على كل ما لديهم من شذوذ وطني سيكون نارا تحت الرماد سرعان ما ستشتعل من جديد عند أو فرصة سانحة.

اترك رد