مفكّروهم ومفكّرونا .. وكورونا

صحيحٌ أن تصريحات خبراء الصحة والطب، ورؤساء الدول والحكومات، ووزراء الصحة، وأهل الدراية بالاقتصاد، بشأن ضربات فيروس كورونا المستجدّ اليومية، وتداعياتها في غير بلدٍ على أكثر من صعيد، صحيحٌ أنها تتصدّر فضاءات الإعلام ومنصّاته وشاشاته منذ أزيد من شهرين، غير أن للفلاسفة وعلماء الاجتماع والمشتغلين بنظريات السياسة وعلومها، وبالتاريخ، حضورا، وازنا ربما، في النقاش العالمي الراهن بشأن مسألة كورونا التي تجاوزت الموضوع الصحي إلى دوائر أخرى، فكريةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ، سيما بشأن تحوّلاتٍ ستُحدثها الوقائع الماثلة، يقول بعضُهم إنها ستكون انعطافيةً، فيما يذهب غير قليلين إلى إن نظاما دوليا جديدا سينجمُ في غضونها. والحضور المتحدّث عنه هنا إنما هو في الصحافات الغربية (الأميركية والفرنسية غالبا)، وفي الدوريات ذات السمْت المعرفي، بل إن الفيلسوف السلوفيني، سلافوي جيجيك (71 عاما) نشر كتابا، قبل أيام، ضمّنه مقالاته في موضوعة كورونا. وستُصدِر دار غاليمار الفرنسية، بعد أيام، كتابا يضم مشاركات عدة كتاب ومفكرين من العالم (هل بينهم عرب؟ لا أدري) بشأن ما فعله الفيروس على غير صعيد، ومنها مقالة للناشطة (والروائية) الهندية، أرونداتي روي (59 عاما)، تُرجمت إلى الفرنسية، بعد نشرها في “فايننشال تايمز”. نقلت الصحافاتُ العربية، أخيرا، ترجماتٍ جيدة (وأخرى مرتجلة) لملخصات مقابلاتٍ ومقالات فلاسفة ومفكّرين وعلماء سياسة واجتماع غربيين بشأن قضية كورونا، ومفاعيلها الماثلة والمتوقعة. ولمّا كان معظمهم أصحاب هوىً يساري، أو تقدّمي عموما، أو نقدي غالبا، فإن من يطالع تلك الملخصات (والنصوص الكاملة أحيانا) يقع على سخطٍ لديهم على أداء الحكومات والإدارات، الفرنسية والبريطانية والأميركية خصوصا، في ما يتعلق بتطويق جائحة كورونا في بلدانهم، فضلا عن إدانتهم المنظورات الرأسمالية والنيوليبرالية الحاكمة، ويصل بعضهم إلى نعي أوروبا، أو التنبؤ بيسارٍ جديدٍ فيها. 
يؤشّر الأميركي، نعوم تشومسكي (91 عاما)، إلى “وباء النيوليبرالية” الذي كشفه وباء كورونا العالمي، عندما دلّ على وجود مشكلاتٍ أساسيةٍ في النظام الاقتصادي والاجتماعي. ويرى سلافوي جيجيك أن وباء كورونا “شكلٌ من الهجوم على النظام الرأسمالي العالمي”، ووضع العالم أمام حقيقة حاجته إلى شيوعيةٍ جديدة. ويعتبر الفرنسي ميشال أونفري (60 عاما) أن أوروبا أصبحت العالم الثالث الجديد، وأن الفيروس عرّى الخيارات الاقتصادية القائمة فيها، سيما وأن إرسال الصين مليون كمّامة إلى أوروبا، على شكل مساعدات، أظهر ضعف الأوروبيين الشديد، بحسبِه. ويجد عالم الاجتماع الفرنسي، إدغار موران (99 عاما)، إن فيروس كورونا يُنبئنا أن على البشرية أن تعيد البحث عن طريق جديد، من المحتمل أن يتم فيه التخلي عن العقيدة النيوليبرالية، لغاية التوصل إلى اتفاق سياسي اجتماعي بيئي جديد. ويعتقد أن الحجْر الصحي (ربما يقصد المنزلي) قد يعيننا على أن نشرع في القضاء على ما يسمّم نمط معيشتنا. ويستشرف المنظّر الفرنسي جاك أتالي (77 عاما) حالاتٍ سياسيةً مختلفةً بعد كورونا، عندما يذكّر بأن انتشار الأوبئة الفتاكة كان دائما تمهيدا لانتهاء شرعياتٍ قديمة، وقيام شرعيات جديدة. ويلحظ المؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه (74 عاما) حاجةً إلى “نموذج سياسي جديد”. ووحدها الهندية أرونداتي روي، من خارج أوروبا وأميركا، نقل أكثر من موقع إلكتروني عربي مقالتها (وملخصاتٍ لها)، وفيها إن لا شيء سيعود إلى طبيعته بعد كورونا، وإن الفيروس أجبر القويّ على الركوع، وجعل العالم يتوقف، كما لم يفعل شيءٌ قبله. 
مفيدٌ أن نحيط جيدا بالنقاش الفكري في العالم بشأن “ما بعد كورونا”، ومهمٌّ إلى حد الضرورة القصوى أن تشارك أدمغةٌ عربيةٌ في هذا النقاش، عندما يشتبك معه وفيه مفكرون وأساتذة في الاجتماع والفلسفة والسياسة والتاريخ عرب، على سويةٍ عالية من المعرفة بالعالم ومساراته، ومن ذوي الملكات النقدية والفلسفية المنشغلة بأسئلة العرب أنفسهم (والعالمثالثيين أيضا)، وبقضايا المجتمع الإنساني كله. مهمٌّ أن يبادر هؤلاء المثقفون إلى حضور مساهماتٍ لهم في المنابر الإعلامية والثقافية، الأميركية والأوروبية، يأتون فيها (مثلا) على الغائب والناقص، (والقاصر والانفعالي أحيانا)، في الذي يرتجلُه مفكرون غربيون ناقمون، ومتعجّلون ربما.

معن البياري – العربي الجديد

اترك رد