أبناء البلد وكلاء أعداء البلد


عبد الوهاب بدر خان

كان استذكار بداية الحرب الأهلية هذه السنة مؤلماً وعميقاً. بدا للمجتمع بمختلف فئاته أن 13 نيسان 2020 نتيجة واستطراد لـ 13 نيسان 1975، وأن الـ 45 عاماً تمكّنت أخيراً من الإجهاز على كل مقوّمات التعايش والصمود والمقاومة المدنية التي تمسّك بها اللبنانيون للحفاظ على حدّ أدنى من “نموذج” بلدهم وطبيعة نظامهم ونمط حياتهم. تضافرت سوريا النظام وإسرائيل وإيران، والدول التي ساندتها، على سلب استقرار البلد والنفخ في نار تناقضاته وتثبيط أي محاولات داخلية ذاتية لنهوضه. لكن لم يكن للحظة الحقيقة أن تتأجّل أكثر، خصوصاً بعدما اكتمل التماهي بين المحليين و”الآخرين” (القوى الخارجية) في حروبهم على لبنان واللبنانيين. ولم يكن لهذا التماهي أن يكتفي بوضع اليد الإيراني على قمة النظام والسلطة من دون أن يمدّ يده لتخريب النظام الاقتصادي الحرّ، أو ما كان يعتقد أنه الخطّ الأحمر أو القلعة الأخيرة الحصينة لـ “الكيان” اللبناني.
لم يعد خافياً أن القيّمين على الدفاع عن هذه القلعة هم الذين أشرفوا على إفراغها من القدرات، فأصبحت هيكلاً متداعياً، وأصبحوا هم “الآخرين”، أبناء البلد وكلاء أعداء البلد، لكنهم يواصلون بيع اللبنانيين المتعبين أوهاماً بأنهم في صدد “انقاذ” البلد، بدليل أنهم لا يكفّون عن وضع “الخطة الانقاذية” وإعادة وضعها وإعادة فحصها وتمحيصها لتكون مرضية لهم جميعاً. وهي في هذه الحال لن تنقذ شيئاً، لن تنقذ أحداً، ولن تنقذ البلد ولا أهل البلد. المهم أن يبقوا هم على رأس مصالحهم ليبقوا على رأس طوائفهم. وقد أثبتوا طوال الشهور الماضية أنهم لم يتأثّروا بالإفلاس، وأنهم جالسون على رؤوس بنوكهم، وإلا لكانوا أبدوا شيئاً من الجزع، شيئاً من الهمّة، لكنهم استخدموا الانهيار لإسكات الحراك الشعبي، هدّدوا الناس بالجوع، بل يتفاخرون بأنهم يدافعون عن مدخّرات الناس وهم يستعدّون لسلبها، بداعي أن ليست هناك خيارات أخرى، فالدولة والدويلة أَولى بهذه الأموال.
كل حكومات العالم تعاني اليوم صداعَ إنهاء الحظر المنزلي بسبب الوباء الكوروني بعدما عانت آلام الإغلاق وخسائره الاقتصادية، إلا الدولة اللبنانية، فلم يكن لديها ما تفعله أو تقدّمه لا قبل ولا بعد. كانت موبوءة وستبقى، لأن محرّكي خيوط الحكومة/ الدمية مختلفون على حصصهم من التركة المصرفية ويتوارون وراء حكم وحكومة بائسين. سقطوا جميعاً في الاختبار الوطني، فالفقر يدهَم ما يناهز 60 في المئة من الشعب، والإفلاس يتفاقم، ويبقى “أولياء الأمر” بلا قرارات ولا خيارات. تأخّروا كثيراً في دقّ ناقوس الخطر لطلب أي مساعدة خارجية، وحتى لو فعلوا الآن فإنه لن يُسمع جيداً لأن الوباء عمّم الأزمات دولياً. يبرّرون تلكؤهم بالحرص على “السيادة” وقد انتهكوها قبل سواهم، ولا يمانع “حزب الله”/ الحاكم الفعلي أن تتسوّل الدولة المساعدة شرط أن تبقى دويلته على سيادتها. هل المطلوب من الخارج انقاذ الدولة والدويلة معاً؟

اترك رد