الكرملين يحاول استغلال أزمة كورونا لرفع العقوبات المفروضة على روسيا وشركائها

يستغلّ الكرملين دعوات الأمم المتحدة للإعفاءات المحدودة عن العقوبات لمكافحة فيروس كورونا، للدفاع عن هدف الكرملين طويل الأمد الذي يقضي بإزالة العقوبات الدولية على روسيا وشركائها. أطلق الكرملين حملة إعلامية حول هذه المسألة، مستفيدًا من حلفائه الخاضعين للعقوبات حول العالم، إلى جانب شبكات الفاعلين الموالية لروسيا في أوروبا، لتضخيم رسالة الكرملين. كما يحاول الكرملين أن يقدّم تصورًا للحل يكون مربحًا للجانبين: إما تعزيز هدفه المتمثل في تخفيف العقوبات، أو تنميط الولايات المتحدة على أنها غير إنسانية، كونها تحافظ على العقوبات في أثناء انتشار وباء عالمي.

بدأ الكرملين الدعوة لتخفيف العقوبات بسبب كورونا، في منتصف آذار/ مارس. ودعا العضو البارز في البرلمان الروسي سيرجي كوساتشيف، في 18 آذار/ مارس، إلى الإلغاء الكامل لجميع العقوبات الاقتصادية على روسيا، باستثناء العقوبات التي فرضها مجلس الأمن. وبالطبع، لم يفرض مجلس الأمن عقوبات على روسيا، أي أن الكرملين يدافع بشكل أساسي عن رفع جميع العقوبات. ومن غير المرجح أن يحاول الكرملين الحد من سلطة مجلس الأمن، بسبب وضع روسيا كعضو دائم له حق النقض. كما دعا نوّاب روس آخرون إلى رفع العقوبات في الأيام التالية، زاعمين أن العقوبات تنتهك القانون الدولي، وأنها غير إنسانية في سياق وباء عالمي.

كما دعا الكرملين إلى تخفيف العقوبات عن حلفائه، إذ دعت وزارة الخارجية الروسية الولايات المتحدة إلى رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، في 24 آذار/ مارس. وأعرب النواب الروس عن دعمهم، في 19 آذار/ مارس، للمطالبات السورية بإزالة جميع العقوبات الغربية. ومن المرجح أن يستغل الكرملين شركاء آخرين لتعزيز دعواته لتخفيف العقوبات. حيث دعت وزارة الخارجية الصينية إلى رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران في 16 آذار/ مارس. وزادت روسيا والصين من المشاركة الدبلوماسية، طوال شهر آذار/ مارس استجابة لأزمة كورونا.

استغل الكرملين دعوات أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، لتخفيف العقوبات المحدودة. حيث بعث غوتيريش رسالة إلى قادة مجموعة العشرين، في 24 آذار/ مارس، يدعو فيها الدول إلى التخلي مؤقتًا عن العقوبات المفروضة على صناعات محددة، في أثناء أزمة كورونا. كما دعت ميشال باشليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إلى السماح بالإعفاءات الإنسانية من العقوبات على المعدات واللوازم الطبية الأساسية، في 24 آذار/ مارس.

يجب ألا ينخدع الغرب في معادلة الكرملين الكاذبة حول تخفيف العقوبات. فالكرملين يستغل اقتراح غوتيريش المعقول بالتخفيف المؤقت عن العقوبات على صناعات مختارة للضغط من أجل رفع جميع العقوبات على روسيا وحلفائها، من دون التخلي عن سلوكهم الخبيث الأصلي.

استغل الكرملين هذه المقترحات كفرصة للدعوة إلى رفع جميع العقوبات المفروضة على روسيا وشركائها. فدعا بوتين مجموعة العشرين إلى رفع العقوبات -وليس التخلي عنها- ضد الدول، عن “السلع الأساسية” والمعاملات المالية، لشراء هذه السلع الأساسية، خلال الاجتماع الأخير لمجموعة العشرين في 26 آذار/ مارس الذي عُقد عبر دارة تلفزيونية. وإضافة إلى ذلك، أصدرت روسيا وستة من حلفائها -إيران والصين وكوبا وسورية ونيكاراغوا وفنزويلا وكوريا الشمالية- رسالة في 26 آذار/ مارس، تحث غوتيريش على طلب “الرفع الكامل والفوري لهذه الإجراءات من الضغط الاقتصادي غير القانونية والقسرية والتعسفية”.  لم يرد غوتيريش علنًا ​​على الرسالة. لكن الكرملين وحلفاؤه يحاولون استغلال دعوة غوتيريش المشروعة لتخلٍ مؤقت عن العقوبات، للوصول إلى رفع جميع العقوبات على الجهات الخبيثة من دون معالجة التصرفات والأفعال التي أدّت إلى فرض هذه العقوبات. ويرى الكرملين أن جميع العقوبات، بغض النظر عن سبب فرضها أو هدفها، باتت غير شرعية، بسبب تأثيرات كورونا.

يستفيد الكرملين من شبكته من الشخصيات العامة الأوروبية الموالية أو القريبة من الكرملين، لتضخيم دعوات روسيا لرفع العقوبات. ومن المرجح أن الكرملين يقدّر بأن دعواته لرفع العقوبات ستكون أكثر نجاحًا، إذا كانت مدعومة من قبل الدول الأوروبية، وليس فقط من روسيا وغيرها من الأنظمة الخاضعة للعقوبات. وإضافة إلى ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يمثل معظم العقوبات على روسيا، وهو لاعب أساس في العقوبات ضد إيران وسورية. حاولت وسائل إعلام الكرملين في أواخر آذار/ مارس تصوير ألمانيا وإيطاليا على أنها داعمة لرفع العقوبات عن روسيا. حيث دعا ثلاثة نواب ألمان فقط، من حزب البديل من أجل ألمانيا، وهم من المقربين من الكرملين، إلى رفع العقوبات. وسافر أحد النواب، فالديمار هيردت، سابقًا إلى شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا لحضور منتدى اقتصادي. قد يكون النائب الآخر في الحزب نفسه، أولريخ أويهمه، قد سهل المساعدة الإنسانية الروسية لشمال إيطاليا. وبالمثل، في إيطاليا، دعت جمعية المحامين الجنائيين الدوليين، وليس الحكومة، إلى رفع العقوبات عن روسيا. نشر معهد دراسات الحرب (ISW) بشكل موسع عن جهود الكرملين للاستفادة من السياسيين القريبين من الكرملين، للدفاع عن حملاته في أوكرانيا وسورية وأماكن أخرى.

من المرجح أن يحاول الكرملين تقديم مساعدة محدودة لدول أوروبية معينة، لإقناعها بتخفيف العقوبات من جانب واحد على روسيا وشركائها. النائب الألماني مايكل غاهلر (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حزب ميركل) لمّح في 23 آذار/ مارس إلى أن الكرملين أرسل متخصصين عسكريين ومساعدات إنسانية إلى إيطاليا، في 21 آذار/ مارس، لدعم احتواء كورونا، على أمل أن تستخدم إيطاليا الفيتو ضد العقوبات على روسيا في المرة القادمة التي سيصوت فيها الاتحاد الأوروبي على العقوبات. ومن المرجح أن تهدف هذه الشحنات إلى تعزيز صورة روسيا في أوروبا. ومع ذلك، من المرجح أن تحقق هذه الجهود الحد الأدنى من النتائج، بسبب استثمار روسيا المحدود فيها، حيث قال مسؤولون إيطاليون إن 80 في المئة من الإمدادات الروسية كانت “غير مفيدة”.  ومع ذلك، فإن حملة المساعدات الروسية تُظهر قدرة الكرملين على الاستفادة من الشبكات البشرية والشركاء السياسيين، من مختلف الميادين، لدعم حملة إعلامية محددة.

تُظهر محاولة الكرملين لرفع العقوبات أن رواية الكرملين حول عدم صلة العقوبات الغربية أو عدم فاعليتها غير صحيحة. موقف فلاديمير بوتين هو أن العقوبات تجعل روسيا أقوى فقط، من خلال الاستعاضة عن الواردات والاستقلال الاقتصادي. إن مسعى الكرملين المتعمد لاستغلال كل فرصة، ومنها كورونا، لإضعاف نظام العقوبات يوحي بالعكس: أن العقوبات هي قيد يريد بوتين إزالته. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج بوتين إلى استعادة الموارد التي يحتاج إليها لتوفير الدعم المالي للشريك الرئيس لروسيا في الشرق الأوسط، إيران والنظام العميل لروسيا في سورية، لدعم أهداف روسيا في الشرق الأوسط.

من غير المرجح أن توافق الولايات المتحدة على رفع العقوبات عن روسيا وغيرها من الجهات الخبيثة. قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتوقع أن يطلب بوتين رفع العقوبات، لكنه لن يلتزم بالرد قبل مكالمة 30 آذار/ مارس. لم يظهر اتفاق ملموس حول العقوبات من المكالمة. العقوبات على روسيا وإيران وكوريا الشمالية وسورية وفنزويلا هي حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة ضد هؤلاء الفاعلين. دعا كثير من ممثلي الكونغرس الأميركي مايك بومبيو، وزير الخارجية، إلى منح إعفاءات واضحة من العقوبات على إيران وفنزويلا، ودول أخرى تضررت بشدة من الوباء، في 27 آذار/ مارس، على غرار الاقتراحات التي قدمتها الأمم المتحدة. لكن وزارة الخارجية لم ترد بعدُ على دعوات التخفيف المؤقت للعقوبات.

قد يستغل الكرملين بنجاح الدعم الدولي لحشر الولايات المتحدة في وضع تخسر في مجال المعلومات. فشلت روسيا في تمرير إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 نيسان/ أبريل الذي يدعو إلى التضامن ضد كورونا، ومن ضمن ذلك رفض جميع العقوبات من جانب واحد. وبدلًا من ذلك، أصدرت الجمعية العامة إعلانًا منافسًا لا يتناول العقوبات. وأصدر وفد روسيا لدى الأمم المتحدة بيانًا دعا فيه “المدافعين عن سياسة العقوبات” إلى تفسير تصويتهم، وتعهّدَ بمواصلة التنسيق مع “الدول ذات التفكير المماثل”. من المرجح أن يواصل الكرملين استخدام الجمعية العامة كمنصة، لمحاولة تشكيل استجابة عالمية على كورونا وفق أهدافها ومحاولة تصوير الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة، على أنهم غير إنسانيين. تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على الاعتراض على أي محاولة روسية أو صينية لرفع العقوبات من خلال مجلس الأمن. ومع ذلك، قد يحاول الكرملين خلق وضع تضطر فيه الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض ضد قرار يدعو إلى رفع العقوبات. لقد ادعى الكرملين بالفعل أن العقوبات غير إنسانية، حيث ذهبت ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، إلى حد القول إن العقوبات ضد فنزويلا خلال تفشي COVID-19كورونا “تتحول تقريبًا إلى أداة للإبادة الجماعية”. بالإضافة إلى ذلك، يتجاهل الكرملين وحلفاؤه جهود الولايات المتحدة لفتح سبل أمام إيران لتخفيف العقوبات لمكافحة كورونا. حيث أطلقت الولايات المتحدة وسويسرا قناة تجارية إنسانية لإيران، في 27 شباط/ فبراير. تستهدف العقوبات الأميركية على روسيا فقط قطاعات الكرملين المالية والطاقة والدفاع، وليس الصحة أو السلع الأساسية. ولدى الكرملين الفرصة إما لتخفيف العقوبات أو تسجيل انتصار في مجال المعلومات.

يجب ألا ينخدع الغرب في معادلة الكرملين الكاذبة حول تخفيف العقوبات. فالكرملين يستغل اقتراح غوتيريش المعقول بالتخفيف المؤقت عن العقوبات على صناعات مختارة للضغط من أجل رفع جميع العقوبات على روسيا وحلفائها، من دون التخلي عن سلوكهم الخبيث الأصلي. اختار الكرملين عدم الاشتراك مع اقتراح الأمم المتحدة لتخفيف العقوبات من أجل كورونا. وبدلًا من ذلك يحاول الكرملين استغلال أزمة عالمية لتعزيز رواياته الخاصة بشأن العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، يعمل الكرملين والجهات الفاعلة الأخرى على تفاقم الأزمات، من خلال حملات التضليل التي تعرقل جهود مكافحة الفيروس. يجب على الغرب أن يسعى جاهدًا لضمان استجابة عالمية ناجحة ضد كورونا، ولكن يجب ألا ينخدع لجهود الجهات الخبيثة مثل الكرملين، لاستغلال الأزمة لرفع العقوبات المطبقة على السلوك الخبيث السابق.

مركز حرمون للدراسات

اترك رد