في تناقضات الوعي السياسي للسوريين (الأسديون والصدّاميون والخدّاميون)

هناك عدد كبير من السوريين يمجّدون طاغية ويخوّنون آخر في الوقت نفسه، حتى إنهم يعتبرون أن تمجيدهم لهذا الطاغية هو الذي يمنحهم حقّ وصف الطاغية الآخر بكل أوصاف العمالة والشر! يحدث هذا دون أي شعور بالتناقض الأخلاقي أو السياسي، ودون أي شعور بالذنب تجاه المجتمع الآخر الذي ذاق الويلات من ذلك الطاغية. هكذا يمكنك أن تلتقي بسهولة مع من يتعصّب لصدام حسين لدرجة التمجيد، وفي الوقت نفسه يقف بكل حزم ضد نظام آل الأسد، مثلما تجد العكس، حيث كان بعثيو ثمانينيات القرن المنصرم في سورية يعدّون صدام حسين عدوَّ القومية العربية الأول، وحافظ الأسد بطلها الأول.

بعد وفاة عبد الحليم خدام، قبل أيام؛ عاد الخداميون (المدافعون عن الرجل) ليذكّروا بمواقفه الكبيرة، ويترحموا على أيامه، على الرغم من وقوفهم ضد نظام الأسد بصلابة، متناسين الـ 36 سنة التي خدم فيها خدام نظام الأسد بكل تفان. مثلما بدأ الممجدون لنظام الأسد بـ “نتف” ريش الرجل، على الرغم من الصداقة الطويلة بين حافظ وخدام.

يريد المقال أن يتوقف عند ظاهرة شعبية منتشرة بين السوريين، هي الوقوف مع طاغية ضد آخر في وقت واحد، والوقوف مع أزلام طاغية ضد طاغيتهم أو مع طاغية ضد أزلامه، ويحلل كيفية عملها في الوعي السياسي للسوريين، ولماذا لا يشعر هؤلاء بأي تناقض يُذكر؟ لا على المستوى الأخلاقي، ولا على المستوى السياسي، ولا على المستوى الحس الاجتماعي السليم!

منذ ثمانينيات القرن المنصرم، تعوّد السوريون، على خلفية العداء الذي ظهر بين حافظ الأسد وصدام حسين، على تأييد حافظ الأسد ضد صدام حسين، ممتثلين لما دأبت وسائل الإعلام والمؤسسات الحزبية على بثه، حيث كانت تصف صدام بكل أنواع الخيانة والعمالة (وعلى الطرف الآخر، كان يحدث الأمر نفسه ضد حافظ الأسد). غير أن السوريين الناقمين على سياسات حافظ الأسد، التي حوّلت سورية إلى مزرعة شخصية له ولعائلته، تولّد لديهم شعور داخلي مؤيد لصدام، لا يبوحون به إلا في جلساتهم الخاصة جدًا، كنوع من النكاية بحافظ الأسد. ساعد في ذلك سياساتُ حافظ التي حطمت وهمشت كل الفئات الفاعلة في المجتمع السوري. هكذا أصبح تأييد صدام ينتشر بشكل واسع بين أوساط الساخطين والمتململين من نظام الأسد، وهذا ما أدركه نظام الأسد، حتى أصبحت العقوبات التي تُفرض على السوريين الذين يمكن أن يكون لهم علاقة مع النظام العراقي (اليمين المشبوه) لا تقلّ قسوة عن العقوبات التي فُرضت على الإخوان المسلمين، العدو اللدود لحافظ الأسد آنذاك، ولا سيما أن صدام حاول مساعدتهم في حماة، حيث ارتكب النظام السوري مجزرته المعروفة.

وصل العداء بين الرجلين إلى درجة تبادل تُهمٍ تنال من الأصل العائلي والشرف، مثلما أخذوا يدعمون بعض التشكيلات العسكرية ضد بعضهم، فضلًا على أن ذلك الصراع/ التنافس امتد إلى لبنان. وفي عام 1986 صّعد النظام السوري من حملاته في الجزيرة السورية، للحد من شعبية صدّام، فاعتقل العشرات بتهمة الانتماء إلى اليمين العراقي، ليخرجوا بعد ذلك بسنين دون تهم وأحكام واضحة، الأمر الذي يعني في التقاليد السورية آنذاك أن التهم كانت مفبركة، ويراد منها النيل من منطقة جغرافية يتمتع فيها صدام بشعبية واسعة. العقوبة الثانية التي تلقتها منطقة شمال سورية ودير الزور هي عدم افتتاح جامعات ومؤسسات اقتصادية كبرى، في عهد حافظ الأسد طوال ثلاثين سنة.

 بعد إعدام صدام حسين عام 2003؛ أقام عدد من السوريين مجالس عزاء تقديرًا للرجل، وهو أمرٌ لم تتمكن السلطات السورية من فعل شيء تجاهه، على اعتبار أن صدام أصبح رمزًا من رموز العداء لأمريكا، العداء الذي يُعدّ واحدًا من أهم الحوامل الأيديولوجية التي يزاود بها نظام الأسد على السوريين. يمكن تمرير إقامة مجالس عزاء لصدام حسين، لأن السيناريو الأسوأ الذي خاف منه بشار الأسد -آنذاك- أن يناله ما نال صدام.

يمكن القول إن تأييد أي طاغية، من قبل فئة من السوريين، يُعدّ أمرًا محزنًا؛ فما بالنا بتأييد طاغية ضد طاغية. الأمر المحزن يعود إلى أن التفكير السياسي للسوريين لا يتناسب مع التضحيات الهائلة التي قدّمها ويقدّمها السوريون للوصول إلى آمالهم التي صدحوا بها في شوارع سورية.

حاول النظام السوري الاستثمار بإعدام صدام حسين، فدعم المجاهدين وسهّل دخولهم إلى العراق، وجعل من قتلة صدام أعداءً مشتركين له وللموالين لصدام، الأمر الذي يعني في النهاية وضع السوريين الموالين لصدام تحت جناحه. حتى إن المطربة العراقية الشعبية هدى البصراوي، التي غنت في عدد من المدن السورية، تقول في أحد مواويلها الشجيّة التي ترثي فيها صدام حسين: “القدس هلّت دمع، والشام شقت ثوب.. بغداد راحت غدر، بشار يا محبوب، صدام يقول وصيت بشار الأسد يحمي غوالينا، وصيت جيراني يحمون أرض الوطن.. أسمعوني يا أهل سوريا الأسد.. عشنا بمذلة بعدك يا صدام”. رسائل الموال واضحة؛ أول رسالة تقول إن على الصدّاميين السير وراء بشار الأسد، لأن هذه رغبة صدام الذي يبدو أنه سلّم الراية لبشار، أما الرسالة الثانية فتقول إن أي شعب إذا ذهب زعيمه/ طاغيته؛ فإنه سيعيش بمذلة.     

أما بعد عام 2011، فقد شكّل عددٌ من السوريين كتائب تقاتل النظام السوري، سمّوها باسم صدام حسين، مثلما تحوّل الرجل إلى رمز من رموز المرجلة والكرامة، وملأت صوره صفحاتهم على (فيسبوك)، حتى إن كثيرًا منهم جعل من صورة صدام نوعًا من التعبير عن هويته. يحدث هذا في زمن الثورة على نظامٍ لا يختلف عن نظام صدام، إلا في بعض التفاصيل الهامشية. الجدل بين مؤيدي صدام ومؤيدي الأسد يعتمد على المنطق الانتقائي، أي اختيار بعض أفعال الزعيم، التي ينظر إليها على أنها بطولية أو أخلاقية أو وطنية، وترك عشرات الأمثلة المعاكسة بكل بساطة. الطريقة الثانية المعتمدة لدى هؤلاء المؤيدين أن (هذا يجبّ ذلك)، فالنقاش معهم ينتهي بالقول: بالرغم من كل شيء يكفي زعيمنا أنه قال كذا أو فعل كذا. وهذه الطريقة إحدى تنويعات مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة). مثلما تجد عشرات الحجج المكيافيلية التي تعشش في ثنايا تفكيرهم السياسي، وتمنح الطغاة صلاحيات ومزايا، ما أنزل الله بها من سلطان. 

تتكرر ظاهرة انقسام السوريين بين طاغيتين، عام 2006، عندما انشقّ عبد الحليم خدّام عن النظام السوري، متوهمًا أن بشار الأسد انتهى أمره بعد مقتل رفيق الحريري 2005. في ذلك الوقت، تحالف خدام مع الإخوان المسلمين، لاعتقاده أنه أصبح الأقرب إلى استلام السلطة في سورية، وعاد الاختلاف على الرجل بعد موته، قبل عدة أيام. ولخدّام مكانة بين البعثيين وذوي التوجه القومي والممانعاتي؛ لأنهم يعدّونه مهندسَ ما يعتقدون أنه “نجاح للسياسة الخارجية السورية”، خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم. حتى إن هناك من يرى أنه كان أحق بمنصب الرئاسة من بشار عام 2000. وبلغة الطائفية السورية، يعدّه سوريون كثر أهم شخصية سنيّة مُقنعة في نظام آل الأسد، إن لم يكن الشخصية المقنعة الوحيدة. 

كان عبد الحليم خدام شريكًا في نظام الحكم، لكنه شريك من موقع التابع، لا من موقع الند. نظام آل الآسد لا يؤمن بالندية، ولكن خدام كان أقوى الشركاء التابعين على أي حال. كانت له اليد الطولى في ملفات لبنان والسياسة الخارجية، حتى في تعيين المحافظين وكبار المناصب الحزبية. أما قضية/ فضيحة دفن نفايات نووية من قبل أولاد خدام، في بادية تدمر (بالرغم من كل ما قيل حولها) فيُرجح أن وراءها حافظ الأسد، بقصد الحد من شعبية الرجل وتشويه صورته المثالية بين أوساط السوريين. فضيحة دفن المواد النووية، مثلها مثل كل الفضائح التي يطلقها النظام السوري وأجهزة إعلامه ومخابراته، ليس هناك وقائع أو أوراق أو أي أدلة تثبت أو تنفي أي شيء. حتى النظام عندما أنزل عقوبات بخدام بعد انشقاقه لم يأتِ على ذكر تلك النفايات. ولكنها فضيحة أرادت، على العموم، تذكير المتحمسين لخدام بأنه في النهاية جزء من نظام فاسد، يمكن أن يبيع كل شيء، بكل بساطة.  

في الحقيقة، لا يمكن غض الطرف عن الخلفيات الطائفية لتلك الانقسامات، في تأييد هذا الطاغية أو ذاك. فصدام حسين سنّي، وآل الأسد من الطائفة العلوية. كل من النظامين في سورية والعراق جعل من عائلته وأبناء مدينته الحكام المطلقين للبلد، وهذا يستتبع تمكين طائفة الحاكم من الطوائف الأخرى، الأمر الذي يولد ردة فعل طائفية من قبل الطرف الآخر. أي أن مشكلة سنّة سورية المؤيدين لصدّام تتعلق برفض التسلط الطائفي من قبل آل الأسد، ولا تتعلق بنظام حكم فاسد وظالم، لأنها لو كانت كذلك لما أيّدوا صدام حسين. المتظاهرون السوريون الذين تعنيهم قضية الحريات والعدالة لا يختلف موقفهم من الرجلين؛ لأن موقف الرجلين من قضايا الحريات والعدالة والحقوق واحد أيضًا.

المسألة تنطبق على من يقف مع عبد الحليم خدام ضد آل الأسد، أو العكس أيضًا. لم يؤمن أي من الرجلين بالسوريين وحقوقهم. السوريون عندهما مجرد موضوع للسلطة، وليسوا شركاء فيها. بالنسبة إلى عبد الحليم خدام، كان خياره عام 2006، التحالف مع الإخوان المسلمين، منسجمًا مع شخصيته التي تنظر إلى السياسة بوصفها مجرد طريقة للوصول إلى السلطة. فالإخوان المسلمون شريك سهل، لأن موقفهم من الديمقراطية والحقوق العامة متحفظ، الأمر الذي يعني أنه يمكن أن يقبلوا بخدام حاكمًا دكتاتورًا على أن يشاركوه الحكم. ولذلك فإن جبهة الخلاص الوطنية (الاسم الذي أطلق على التحالف الذي انعقد بين الطرفين) كانت حاجة للطرفين. كل منهما يريد أن يرث نظام آل الأسد، ولكن بالطريقة التي يحكم بها آل الأسد نفسِها. ولعل هذا ما يفسر عدم تفاعل خدّام مع الثورة السورية؛ حيث إنه لم يحاول لعب أي دور يذكر، لأنه كان على قناعة بأن الثورة لا تريد طغاة جددًا، وأن زمانه انتهى. بمعنى آخر: إن ثورة لا تحمله إلى كرسي الرئاسة لا تعنيه في شيء. ولعل هذا ما يفسر نقمة عدد كبير من السوريين على الرجل بعد وفاته. 

ولعلّ هذا ما يفسّر أيضًا عدم حديث الرجل بشفافية عن مرحلة وجوده في السلطة، وعن أسرار تلك المرحلة. براديم خدام الذي يهيمن عليه هو براديم سلطوي، أي أن التفكير في السياسة وسورية هو فقط من أجل الوصول إلى السلطة، وكلّ ما عدا ذلك لا يعني شيئًا بالنسبة إليه. كما أن احترام السوريين وإنصافهم، عبر فضح نظام حافظ الأسد وذكر جرائمه والمؤامرات التي كانت يحدث وراء الكواليس (وبالتأكيد كان خدام شاهدًا على بعضها على الأقل) لا يعني شيئًا بالنسبة إلى الرجل، حيث إن السوريين، بوصفهم شعبًا انتُهكت حقوقه وكرامته خلال عشرات السنين، هم خارج نطاق وعي خدام السياسي.

وتُعدّ ظاهرة تأييد طاغية، وتخوين كبير أزلامه، ظاهرةً غريبةً بعض الشيء. إذ لا خلاف -فكريًا أو سياسيًا- حقيقيًا، بين آل الأسد وخدام. على العكس، كان هناك انسجام تام حتى عام 2006. الخلاف بينهما يتعلق بحسابات السلطة، ودأب أي طاغية على التخلص من معاونيه من حين لآخر، لحماية نفسه، ولا سيما أن خدام تعاون مع النظام نحو 36 سنة بكل حيوية ونشاط. الخلاف بين بشار وخدام هو خلاف داخل البنية الدكتاتورية للحكم. وهذه الخلافات عادة تتعلق بتقاسم الأدوار والصلاحيات والحسابات الشخصية و(الشللية) لا أكثر ولا أقل. أما تحويل الخلاف بين الرجلين إلى قضية سياسية وعلامة بارزة في الوضع السوري، فهي مسؤولية السوريين بالمقام الأول.

كمّية النقد والتخوين الكبيرة التي تعرّض لها خدّام من قبل الأسديين، لا تتعلق بخدام أولًا، بل بنقص الشرعية الذي يعانيه بشار. حيث إن رصيد بشار، تحت ضغط الوضع الاقتصادي والمعاشي، يتراجع بشكل حاد منذ سنوات، في ظل فضائح بالفساد نالت حتى أقرب المقربين منه. والنقد الموجه ضد خدام يشكّل، على أي حال، فرصة للحديث عن شيء، بعيدًا عن الوضع الضاغط في المناطق التي يسيطر عليها النظام، واختلاق بعض البطولات الوهمية لرئيسٍ، يتهامس السوريون أنه لم يكن يومًا أهلًا للمنصب الذي قادته الصدف إليه.

أما تأييد صدام على الضد من حافظ، فهو ليس أكثر من تعبير عن محرمات كانت مكبوتة. ذلك أن أي تصريح إيجابي بحق صدام، من قبل أي سوري في الشارع، في الثمانينيات كان يمكن أن يكلف الشخص سنوات طويلة في السجن، ولا يقوم به إلا مجنون، بالمعنى السياسي. غير أن التعبير عن احتقار آل الأسد بتأييد عدوهم اللدود، لسنين خلت، هو مجرد تشوه في المشاعر ناتج عن منع السياسة عمومًا عن السوريين طوال أربعين عامًا، وعن عدم قدرة بعض السوريين على التحرر من السياسة، كما مارستها الأسدية. إنّ تعاطف عدد من السوريين مع صدام لا يُحررهم من ظلم آل الأسد، بل يزيد من وقوعهم في عقد سياسية ناتجة عن حكم آل الأسد.

في الختام، يمكن القول إن تأييد أي طاغية، من قبل فئة من السوريين، يُعدّ أمرًا محزنًا؛ فما بالنا بتأييد طاغية ضد طاغية. الأمر المحزن يعود إلى أن التفكير السياسي للسوريين لا يتناسب مع التضحيات الهائلة التي قدّمها ويقدّمها السوريون للوصول إلى آمالهم التي صدحوا بها في شوارع سورية. وإن تأييد أي طاغية هو -بلا شك- خيانة لدماء شهداء الثورة، وخيبة أمل كبيرة لمسيرة السوريين المطالبين بسورية جديدة ليس للطغاة مكان فيها.

مركز حرمون للدراسات

اترك رد