الثورة السورية و حقيقة النظم العربية و معارضاتها تنظيماً و تأثراً على المستويين الإقليمي و الدولي …

اتحاد الديمقراطيين السوريين – مرهف الزعبي


لقد عَّرت الثورة السورية بمفردها, و صلابة مواقف ثوارها؛ الكثير من أسرار النظام العالمي المافيوي , و أظهرت حقيقة العلاقات الدولية؛ الذي خططته, و رسمت له كبرايات الدول الاستعمارية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن المنصرم, و حتى وقته. و لا نغالي إذ نقول منذ اتفاقية سايكس و بيكو. و كيفية السيطرة على الدولة العربية و تمزيقها, و تتبيعها عبر شخصيات لا وطنية تربطها علاقات مميزة, و حميمة مع ملوك, و رؤساء أوروبا. و لا يزال أغلبها يحكم, و يبطش بشعبه كلما حاول هذا الأخير استعادة ما سُلب منه من حرية, و كرامة, و اختيار ممثله…
فكشفت أحداثها, ومآسيها, وآلامها للعالم؛ زيف القانون الدولي الذي تظاهر بالحفاظ على الأمن و السلم الدوليين, و احترام حقوق الإنسان, و ما نتج عن هذا الأخير من معاهدات, و اتفاقيات, و بروتوكولات وقعت عليه أغلبية دول العالم. دون أن تجد البشرية تدخلاً واحداً يعمل على انقاذ أرواح ملايين البشر ممن شهدت دولهم حالات عدم استقرار داخلي, أو حروب. كما غابت في أحداث الثورة؛ أو غُيبت المساعي الحميدة لأمين عام المنظمة الأممية لحل الأزمات بالطرق السلمية قبل تفاقم الوضع, أو انفجاره. و بدت ازدواجية التطبيق هي سمة العلاقات الدولية, و قانونها, و شرعتها. فكانت النتيجة ولادة الكثير من النزاعات, و الصراعات, و الحروب في العالم. أفضت إلى ولادة ميكرو- دول. و زعزعة الأمن, و الاستقرار الدوليين في أكثر من منطقة في هذا الكوكب, و سخونة مناطق أخرى ملتهبة قد تنفجر بأي وقت. و لم تستطع المنظمة الأممية بكل مؤسساتها أن توقف حرباً مخططٌ لها, أو تحافظ على الأمن و السلم الدوليين في العالم.
و من خلال تعريج بسيط على النظم العربية؛ نجد أنَّ كثيراً منها, أو جميعها كانت تقف خصماً لإرادة شعبها. فتمارس في حقه الاعتقال, و النفي, أو القتل. و بدت سياسة الترهيب, و كم الأفواه, و التضييق على الحريات, واقعاً مفروضاً, و تبعاً للسياسة الدولية التي تمارس وصايتها, و هيمنتها على الحكام العرب. فكان استخدام القوة هو الميزة الوحيدة, و المسيطرة في حلِّ, و فضِّ الكثير من الاعتصامات, و المظاهرات التي تدعو للتحرر, و الكرامة. كما حوربت الحقوق المشروعة للشعب العربي لاختيار ممثليه, و منع وصولهم إلى رأس الهرم لتداول السلطة. فجاءت الثورة السورية و أظهرت هشاشة البنى النظمية العربية التبعية, و استطاعت إظهار الهوة الواسعة بين هذه النظم و شعوبها لحماية المصالح الاستعمارية التي لا تزال وصية على الدول العربية عن طريق الرؤساء ( الملوك ) الذين يتربعون على عروش الحكم الموروث لهم و لأبنائهم طيلة العمر.
و بعودة بسيطة إلى العلاقات التبادلية ما بين الحكومات العربية, و الشعب العربي , فإننا نجد هشاشة الصلة ما بين الاثنين . فالأولى أتت إلى السلطة بطرق غير شرعية , و ولدت عن طريق الانقلابات, و الدعم, الخارجيين فكانت بعيدة كل البعد عن القاعدة الجماهيرية التي فقدت حريتها باختيار من يمثلها, و استعبدت الجماهير عن طريق الحكم بالحديد, والنار, و استبعدتها في حق تقرير تمثيلها في الحكم, و القيادة.
إنَّ الوصاية و التحكم الخارجيين هما أكثر ما تسببا في ضعف النظم العربية, و صناعة قراراتها. فكثيراً ما ذهبت هذه الأخيرة, و معارضاتها منذ انطلاقة ثورات الربيع العربي للاستقواء بالخارج كي تحمي نفسها من السقوط, أو تصدًّ عنها رياح التغيير, أو تبرر تطبيق قانون الطوارئ لوقت طويل. فكشفت هذه الثورات, و على رأسهم الثورة السورية حقيقة النظم العربية, و معارضاتها التي لم تكن أفضل حالاً, و ارتباطاتهما المباشرة بأجهزة الاستخبارات العالمية, و وقوف هذه النظم إلى جانب بعضهم البعض ضد إرادة الشعب العربي.
و لو نظرنا إلى الخريطة الجيو- بولوتيكية للعالم لوجدنا أنًّ الحكام العرب؛ هم الأضعف دولياً على مستوى التنظيم , و التأثير. و يبقوا, و دولهم, و شعبهم, في موقع المتلقي السلبي لما يحصل في العالم. فقد تأثروا أكثر مما أثروا. و نسوا, أو تناسوا بأن التفاعل السلبي, كان دائماً السمة الغالبة على أنماط علاقاتهم. و الستاتيكية؛ صفة ملازمة لهم لتثبيت حكمهم, و قمع شعبهم.
فالإقليمية؛ توسعت على نطاق العالم بأجمعه, و دخلت معظم دول العالم ضمن كتل, و أحلاف. فمن كتل, و تجمع ( أسيان ) في جنوب أسيا, إلى تجمع دول المحيط الهندي, إلى كومونولث الدول المستقلة, إلى الإتحاد الأوربي, و منظمة الأمن, و التعاون الأوروبي, إلى الكتل الإقليمية, في غرب و جنوب أفريقيا, إلى مجموعة دول الأنديز, و البحر الكاريبي, و مجموعة نافتا, في القارة الأميركية. و لم يستطع العرب مجتمعين بأن يتوحدوا و لو على مستوى معين رغم وجود ما يربطهم, و يجمعهم. فكانوا جميعاً عاجزين على أن يؤثروا على قرار ما في العالم فأصبحوا على هامش العلاقات الدولية.
و مما سبق ذكره, و من خلال ما يعيشه الشعب العربي بشكل عام, و السوري بشكل خاص نجد أنَّ؛ الإرادة الدولية للدول ذات الوزن الثقيل هي التي تنتهك القانون الدولي بغير سند شرعي, و هي التي تفرض ما تشاء من الحكام, و المعارضات بذرائع مختلفة لم تعد تنطلي على الشعب العربي. و لم يكن آخرها من جاء على ظهور دبابات القوى الاحتلالية في العراق, أوعن طريق الانقلابات العسكرية كما في مصر, ليحكم الشعب بالحديد و النار, منتهكاً كل المعايير الأخلاقية, و الإنسانية. فأقصى تطلعات الشعب العربي في اختيار ممثليه الشرعيين, و ضرب قيم الديمقراطية بعرض الحائط دون أن يقيم المجتمع الدولي أي اعتبار لعشرات آلاف الضحايا. و ملايين المشردين نزوحاً, و تهجيراً.
و لا يغيب عن بال أحد؛ بإن التدخل في الشؤون الداخلية للدول تتنافى مع مبادئ القانون الدولي العام, و شرعة حقوق الإنسان, و العهدين الدوليين لحقوق الإنسان. كما أنَّ اختيار ممثلين عن الشعب حكماً, أو تمثيلاً؛ يجب أن يكون باستقلالية بعيداً عن الوصايات الخارجية, و إملائاتها. و أن الشعب السوري الثائر و المتميز بوعيه, قادر على إدارة ملفات ثورته باستقلاله, و قوة عزيمته.

اترك رد