كيف صاغ النظام السوري حلّه الأمني؟

مقدمة

لمواجهة الاحتجاجات المطالبة بالتغيير، التي انطلقت ضمن موجة الربيع العربي الأولى في آذار/ مارس 2011؛ اعتمد نظام الأسد، بدعم إيراني وروسي مطلق، شعار “كل شيء أو لا شيء”، أو ما يسمّى بالإنكليزية “Zero Sum Game”، “اللعبة الصفرية” أي أن تربح كل شيء أو تخسر كل شيء، وأي شيء تربحه يكون على حساب الطرف الآخر، والعكس بالعكس. وهذا يناقض المبدأ الآخر القائم على مبدأ “Win Win Situation” “رابح رابح”، الذي تجلى في مواقف البيانات الصادرة عن مؤتمرات المعارضة، في فندق سميراميس بدمشق في 27 حزيران/ يونيو 2011؛ وفي البيان التأسيسي لهيئة التنسيق المنعقد في 25 حزيران/ يونيو 2011 من جهة؛ ومن جهة أخرى في المبادرة الوطنية الديمقراطية لإنقاذ سورية، المعروفة بمبادرة محمد سلمان وزير الإعلام الأسبق، وكذلك في توصيات مؤتمر الحوار الوطني المنعقد بتاريخ 10 و11 و12 تموز/ يوليو 2011، شيءٌ من هذا المبدأ الثاني، وكان قد نظم بقرار من بشار الأسد الذي كلّف نائب الرئيس فاروق الشرع بإدارته. وقد أدى الحل الأمني الذي اعتمده الأسد وحلفاؤه إلى تدمير سورية، ماديًا ومجتمعيًا، وأوصلها إلى الكارثة الحالية التي لم تنتهِ فصولها حتى الآن، وقد دخلت عامها العاشر.

سياستان إحداهما تغطي على الأخرى:

صاغ الأسد حلّه الأمني في سياستين متناقضتين، إحداهما تغطي على الأخرى. فبسبب الزخم الذي اكتسبه الربيع العربي وسقوط كل من زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، ومعمر القذافي في ليبيا؛ اضطر النظام إلى اتباع سياسة مزدوجة، لها وجهان متناقضان. الأولى معلنة، تدعو إلى الإصلاح عبر للحوار، والثانية غير معلنة، ولكنها تمارس في أرض الواقع وتتبنى “الحل الأمني” ومواجهة التظاهرات بالقمع العنيف.

يعكس اعتماد النظام هاتين السياستين خوفه الدفين من المجتمع السوري، وخوفه من أن هذه الاحتجاجات تختلف في قوتها عما سبقها، إذ تقع ضمن مناخ الربيع العربي الجارف الذي يمدّ الشعوب العربية برغبة وطاقة كبيرة للتغيير، والذي اقتطف رأس أكثر من نظام عربي، قبل أن يصل إلى نظام دمشق، ويظهر شعار “جاك الدور يا دكتور” الذي خطّه أطفال درعا على حائط مدرستهم، وشكلت تداعيات تلك الكتابة الشرارةَ التي أطلقت الحراك الشعبي المطالب بالتغيير، وذلك ضمن رغبة دولية في تحريك ركود هذه المنطقة التي كان من المتوقع لها أن تتحرك مع موجة حركات أوروبا الشرقية وتوجهها نحو الديمقراطية، نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

اتبع النظام هذه السياسة المزدوجة، على الرغم من أنه اعتاد ألا يبدي أي مرونة على الإطلاق تجاه أي مطلب يأتي عبر تظاهر، بل إنه لم يسمح بالتظاهر قطّ، ولكنه يعلم أن ظروف هذه الاحتجاجات تختلف كليًا، وقد اضطره ذلك إلى اعتماد استراتيجية بسياستين:

أولًا – سياسة معلنة وتدعو للإصلاح عبر الحوار:

وهذا الجزء من الاستراتيجية له وظيفتان:الأولى هي التغطية على الإستراتيجية الحقيقية الأخرى، وهي اعتماد “الحل الأمني”، خاصة أن أنظار العالم كانت شاخصة إلى سورية، ولخلق انطباع غير حقيقي كقنابل دخان تحجب القمع الوحشي، كما يعتقد. والوظيفة الثانيةالظهور بمظهر الدولة المسؤولة التي تستجيب لمطالب شعبها، وهذا يساعد في كسب ولاء الموالين للنظام بأن الدولة تستجيب لمطالب الشعب، ولكن “المؤامرة الخارجية” تحول دون ذلك. كما أن هذه السياسة تُظهر النظام أمام العالم الخارجي بأنه يستجيب لمطالب الشعب ويقوم بمبادرات، كما أنها تمدّ مكنة إعلام النظام بمادة تملأ بها ساعات البث، وتمدّ الإعلام الموالي في العالم الخارجي بمادة للدفاع عن النظام.

عكس بشار الأسد هذا الجزء من سياسة النظام، خلال لقاءاته بالقوى والوفود الشعبية من كل المحافظات، بأنه يدعو للحوار ولحل سياسي، وكان يُصدر تعليمات معلنة بعدم إطلاق النار. ويكرر هذا الادعاء من بعده مسؤولون سوريون من مستويات مختلفة، من رئيس الوزراء وقادة الوحدات العسكرية وبعض المسؤولين الحزبيين؛ لخلق مثل هذا الانطباع العام. وأصدر الأسد عددًا من القرارات التي تضبط أجهزة الأمن وتقلّص صلاحياتهم، ووجّهها، في بعض الحالات، نحو التساهل نسبيًا مع التظاهرات وممارسة القمع بتقنين، مثل الأيام التي تسبق إلقاءه خطاب، أو زيارة وزير خارجية روسيا، كما أصدر مجموعة من المراسيم والقوانين التي تعطي انطباعًا بأن النظام يستجيب لمطالب التظاهرات. وقد أصدر المرسوم التشريعي 161 تاريخ 21 نيسان/ أبريل 2011 الذي أنهى العمل بحالة الطوارئ، والمرسوم التشريعي رقم 53 تاريخ 21 نيسان/ أبريل 2011 المتضمن إلغاء محكمة أمن الدولة العليا، والمرسوم التشريعي رقم 54 تاريخ 21 نيسان/ أبريل 2011 المتضمن تنظيم حق التظاهر السلمي للمواطنين، والمرسوم رقم 100 تاريخ 3 آب/ أغسطس 2011 المتضمن قانون الأحزاب، ثم المرسوم رقم 94 تاريخ 27 شباط/ فبراير 2012 المتضمن إعلان الدستور الجديد لسورية. ونظّم مسيرات تأييد حاشدة (النظام لا يحب كلمة تظاهرة) لإظهار شعبية النظام، في مقابل التظاهرات المعارضة لسلطة النظام، وكانت مسيرات التأييد تتشكل من موظفين مجبرين على المشاركة، ومن طلاب جامعات ومدارس، حيث تغلق جامعاتهم ومدارسهم كي يشاركوا في مسيرات التأييد، إضافة إلى رجال أمن وجيش بثياب مدنية. وسعى الأسد لاستمالة الأكراد وتحييدهم عن المشاركة في الحراك، بهدف تقسيم المجتمع السوري، فاجتمع مع قادة الأحزاب الكردية، وأصدر المرسوم التشريعي رقم 49 بتاريخ 7 نيسان/ أبريل 2011، والمتضمن منح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة، على الرغم من أن نظام الأسد كان قد أمضى أربعة عقود وهو يرفض إصدار مثل هذا المرسوم.

ثانيًا – سياسة “الحل الأمني” وهي سياسة غير معلنة ولكنها تمارس في أرض الواقع:

مثلت هذه السياسة إستراتيجية النظام الحقيقية، التي سمّيت اختصارًا “الحلّ الأمني”، وعبّر عنها بعض المؤيدين بعبارة تتألف من ثلاث كلمات هي: “الأسد أو نحرق البلد”. وتعني استخدام إطلاق الرصاص على التظاهرات واعتقال المتظاهرين لشهور أو سنوات، وتعذيبهم على نحو فظيع، وتصفيتهم وقصف البلدات وأحياء المدن التي تشهد تظاهرات بمختلف صنوف الأسلحة، سياسة كل شيء فيها مباح حتى استخدام الأسلحة الكيميائية. وقد عبّر إعلام النظام عن هذه السياسة، في وقت مبكر؛ إذ خرجت رواية النظام لاقتحام المسجد العمري، ليل 23 آذار/ مارس 2011، لتمثل إعلانًا شبه رسمي عن تلك السياسة الاستراتيجية لمواجهة التظاهرات السلمية. ففي صباح يوم 24 آذار/ مارس 2011، خرج النظام بروايته عن الاقتحام. وصرّحت وسائل إعلامه بأن القوات الأمنية المقتحمة للمسجد العمري قد وجدت فيه: “مخزنًا للأسلحة تحت الأرض؛ مشفًى ميدانيًا تحت الأرض؛ كميةً كبيرة من الأموال بالدولار الأميركي؛ أدلةً على أن الشيخ أحمد الصياصنة يسعى لإعلان إمارة إسلامية في درعا”.

وقد كانت كل عناصر هذه الرواية مختلقة، وهذا ما أفاد به مئات المعتصمين في المسجد. ولكن أهمية هذه الرواية، لا تأتي من أنها مجرد تبرير لعملية الاقتحام العنيفة التي ذهب ضحيتها عشرات القتلى، ويقدرها البعض بما يزيد عن المئة، إنما تكمن أهميتها في أنها كانت بمنزلة إعلان شبه رسمي لإستراتيجية النظام الفعلية لمواجهة الانتفاضة. فرواية النظام عن اقتحام المسجد تقول إن النظام يريد أن تكون التظاهرات:

أ – “حراكًا مسلحًا غير سلمي”، كي يبدو الحراك للعالم أنه “تمرد مسلح في مواجهة سلطة شرعية يعترف بها المجتمع الدولي”، بدلًا من الصورة الحقيقية التي انتشرت، وهي أن النظام يقمع تظاهرات سلمية شعبية واسعة تطالب بالتغيير، ولهذا الأمر أهمية حاسمة في رسم مواقف الدول التي تسودها أنظمة ديمقراطية، إذ إن صورة نظام يطلق النار على متظاهرين ستدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف ضد النظام وتفرض عليه عقوبات، وهذا ما حصل فعلًا.

ب – “احتجاجًا إسلاميًا سلفيًا متطرفًا” يخيف غالبية المجتمع السوري، وليس ما يسمى بالأقليات فقط، وهي تشكل نحو 40 % من السوريين، بل يخيف الجزء الأكبر من المسلمين السنّة أنفسهم، وخاصة الفئات المدينية والفئات الوسطى والعليا. ويخيف أيضًا المجتمع الدولي، وخاصة ضمن أجواء مكافحة الإرهاب والإسلاموفوبيا التي تنتشر في العالم، ويُكْسِب النظام تعاطف بقايا قوى اليسار في العالم، وتعاطف قوى اليمين الشعبوي الصاعدة في أوروبا.

ج – “احتجاجًا مدفوعًا من الخارج وممولًا منه”. وهذه تأتي ضمن معزوفة النظام التقليدية التي تساعده في الاستخدام الإعلامي من جهة، وكي تكون بمنزلة موقف منحاز إلى معسكر روسيا والصين التي ناصبت الربيع العربي العداء من يومه الأول، وأيضًا في مواجهة المعسكر الغربي الذي أيد الربيع العربي وشجعه.

انتظر الناس بترقب أول خطاب لبشار الأسد بعد أحداث درعا، مع ردة الفعل الشعبية الغاضبة التي استثارت تعاطف وتظاهرات تضامن “يا درعا حنا معاكي للموت”، في مناطق أخرى في سورية، متوقعين أن يتسم خطابه الأول بشيء من العقلانية والتوازن، وأن يتضمن إعلانًا عن برنامج إصلاح لمحاولة امتصاص الغضب، ولو عبر تقديم وعود، وهذا ما روجه عدد من المسؤولين الحكوميين، بالقول: “انتظروا خطاب الرئيس غدًا”.

خطاب بشار الأسد، بتاريخ 30 آذار/ مارس 2011، في مجلس الشعب السوري، هو خطاب أقلّ ما يقال فيه أنه خطاب غير مسؤول، فيه إنكار لما يجري، إذ عدّ ثورات الربيع العربي “صرعة جديدة”. وكان خطابًا مليئًا بالحشو بعيدًا عن صلب المشكلة، وبعيدًا عن صلب ما جرى ويجري في سورية، وكان مليئًا بكلمات: المؤامرات.. الأعداء.. المخطط الإسرائيلي.. القضية الفلسطينية.. غزو العراق واغتيال الحريري.. اعتداءات 11 أيلول.. تآمر على المقاومة.. سورية تتعرض لمؤامرة كبيرة.. هناك حرب افتراضية على سورية.. التظاهرات تحركها أصابع متآمرة وغير ذلك.

كان الخطاب أشبه بإعلان رسمي لإستراتيجية “الحل الأمني”، وفيه تهديد ووعيد صريحان: “وأد الفتنة واجب وطني وأخلاقي وشرعي.. ولا مكان لمن يقف في الوسط”، وهذه العبارة الأخيرة تشير إلى أن النظام سيعدّ “كل من لا يقف معه، ضدّه”. وبعد كل هذا، جاء خاليًا مما انتظره الناس: الإعلان عن برنامج إصلاحي في سورية.

في الأسابيع الأولى، اخترع النظام رواية “المندسّين”، كي ينسب أعمال إطلاق الرصاص على المتظاهرين إليهم، أي إلى “مندسين معادين للنظام، بقصد تشويه صورته عبر نسب عمليات الإطلاق إلى قوات الأمن”.

سارت كلتا السياستان في البداية جنبًا إلى جنب، قبل أن تعود سياسة الظهور بمظهر المستجيب لمطالب الشارع إلى الاضمحلال، بعد تحوّل الصراع إلى صراع مسلح صرف. ولكن تبقى السياسة الحقيقية هي الجانب الأمني، ولعبت السياسة الأولى كدخان للتعمية على ما يحدث، ولكن هذا الدخان لم يستطع أن يحجب حجم العنف الوحشي الواسع الذي شمل سورية من أقصاها إلى أقصاها، وواجه بها النظام الاحتجاجات والمناطق التي شهدت احتجاجات شعبية واسعة، ثم خرجت فيما بعد عن سيطرته.

علاقة مقطوعة بين السياستين:

لدى فحص كلتا السياستين وعلاقتهما ببعضهما؛ يمكن ملاحظة أن بشار الأسد استقبل وفودًا من كل المحافظات، ليستمع لمطالبهم، ولكن دون أن يستجيب لأي مطلب، وبينما كان يصدر لقوات الشرطة تعليمات بعدم إطلاق النار وعدم إسالة الدماء، كانت قوى الأمن تستمر في إطلاق الرصاص والاعتقال التعسفي دون قيود، وعلى الرغم من أن الأسد أصدر تعليمات “شكلية” تقلص صلاحيات أجهزة الأمن، فإن صلاحيات تلك الأجهزة كانت تتوسع في أرض الواقع، بموجب قرارات فعلية غير معلنة. ومن الأمثلة على القطيعة والتضاد بين السياستين، أن الأسد:

  • أصدر قرارًا بوقف إعلان حالة الطوارئ، وألغى محكمة أمن الدولة العليا، ولكنه أصدر قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 تاريخ 2 تموز لعام 2012، والقانون رقم 22 تاريخ 26 تموز 2012، بإحداث محكمة للنظر في قضايا الإرهاب، وهي أسوأ من قانون الطوارئ ومحكمة أمن الدولة العليا.
  • أصدر مرسومًا ينظم حق التظاهر السلمي للمواطنين، ولكنه وضع له إجراءات وقيود معرقلة، وقد ربطه بلجنة في وزارة الداخلية. وقد حاول البعض الحصول على موافقة لتنظيم تظاهرة وفشل، ثم شدد عقوبات التظاهر غير المصرح به. ولم يغير هذا في الوضع شيئًا، بل ظلّ المتظاهرون يواجهون الرصاص والاعتقال والتعذيب الوحشي.
  • أصدر قانونًا للأحزاب، ولكن لم يتشكل في سورية أي حزب معارض حقيقي، أو أي حزب موال، وبقيت الأحزاب المتشكلة حديثًا عبارة عن مجموعات صغيرة لشخصيات موالية في باطنها، تجمع حولها بضع عشرات من الأشخاص.
  • أصدر دستورًا جديدًا غير أن هذا الدستور لم يختلف في جوهره عن دستور والده سنة 1973، وعلى الرغم من أن الدستور الجديد قد ألغى المادة 8 التي تجعل حزب البعث محتكرًا للسلطة (شكليًا بالطبع، فالسلطة للأسد وحده)، بقيت علاقة الحزب بالسلطة وأدواره السابقة، كما هي دون تغيير.

مواجهة التظاهرات السلمية بالرصاص:

في الأسابيع الأولى، اخترع النظام رواية “المندسّين”، كي ينسب أعمال إطلاق الرصاص على المتظاهرين إليهم، أي إلى “مندسين معادين للنظام، بقصد تشويه صورته عبر نسب عمليات الإطلاق إلى قوات الأمن”. وبالطبع كان الجميع يعلم أن إطلاق الرصاص يتم من قبل أجهزة الأمن وعناصر شبيحة، كان النظام قد جهزهم ودربهم منذ أن امتد الربيع العربي إلى مصر. وأبسط دليل على هوية مطلقي النار على التظاهرات المعارضة هو أن هؤلاء “المندسين” لم يطلقوا النار على المسيرات المؤيدة للنظام.

لاستكمال سياسة الحل الأمني، أطلق النظام على التظاهرات تسميات “عصابات مسلحة”، ثم “عصابات تكفيرية إرهابية”، و “التنظيمات السلفية المسلحة”، ونشر التخويف بأن البديل لنظام الأسد هو نظام إسلامي سلفي متشدد، وروّج حكايته بأن الدعم الخليجي والتركي هو سبب الثورة المدفوعة بالمال والفكر الديني، ونسب إلى المعارضة شعارات اختلقها مثل “العلوية ع التابوت والمسيحية لبيروت”، وقامت مجموعات موالية بارتكاب أعمال قمع ونسبتها إلى تنظيمات سلفية، وقام بمشاهد تمثيلية تشبه المتظاهرين تطلق النار على مراكز الأمن، وافتعال أخبار كاذبة عن اغتيال عناصر من أفراد الأمن والجيش والتمثيل بجثثهم، وتدمير الممتلكات العامة. ولم يسمح النظام لوسائل الإعلام العربية والدولية بالدخول إلى سورية لتغطية الأحداث، واتهم الإعلام العربي والدولي بفبركة الصور ومقاطع الفيديو، وزعم أن ثمة مجسمات تشبه المدن السورية تم بناؤها في الخارج لتصوير مشاهد مفبركة تسيء إلى قوات الأمن السورية.

دفع المتظاهرين إلى حمل السلاح:

من جهة أخرى، عملت أجهزة الأمن على دفع المحتجين إلى استخدام السلاح: عبر تسريب مقاطع فيديو تستفز مشاعر السوريين الدينية، مثل مقاطع الفيديو التي يُجبَر بها المعتقلون على الجواب على سؤال “مين ربّك ولاك!”؛ كي يكون الجواب “بشار الأسد”، إضافة إلى عمليات الاعتقال الواسعة وتسريب مقاطع فيديو عن التعذيب تستفز المشاعر، ووصل الأمر بالنظام إلى ارتكاب مجازر وحشية تستثير حمية السوريين، ليندفعوا نحو حمل السلاح في وجه أجهزة الأمن، أو ليوقع الرهبة في نفوس المحتجين، فيدفعهم إلى البقاء في البيوت وعدم المشاركة في الاحتجاجات. كما عمل النظام من جهة أخرى على توفير السلاح مجانًا أمام مجموعات معارضة، وجنّدعناصر تندسّ في المعارضة وتحرّض على حمل السلاح.

ولكن الحدث الأبرز كان إطلاق النظام سراح مجموعة من الإرهابيين من سجونه، من أعضاء القاعدة الذين قاتلوا في أفغانستان أو في العراق ضد الأميركيين، وكانوا في سجون الأسد. ومنذ آذار 2011 حتى آذار 2020؛ أصدر الأسد “مراسيم عفو عام” عن عقوبات الجنح والجنايات المرتكبة قبل تواريخ صدورها، وذلك بمعدل مرسومين كل عام، وكان أولها المرسوم رقم 34 تاريخ 7 آذار 2011، وآخرها المرسوم رقم 6 لشهر آذار لعام 2020. وقد بلغ عدد المرتكبين الجنائيين المفرج عنهم عشرات الآلاف، وهم في جلهم من مرتكبي مخالفات محددة أو جنايات سرقة أو جرائم قتل أو تهريب أو ما شابهها. وخرج هؤلاء لا يجدون عملًا، فوجد العديد منهم فرصة في الانضمام إلى أحد فصائل “الجيش الحر” الكثيرة المشرذمة الذي كانت تعمه الفوضى، بينما لا يجمعهم جامع بأي من أهداف الحراك الشعبي السوري. وقد تعمد النظام أن يشمل بالعفو أيضًا الإرهابيين وأعضاء القاعدة ممن هم في سجونه، وهو يعلم أنهم سيندفعون، ولعله اتفق معهم، نحو تشكيل فصائل جهادية مسلحة، وكان من بين المطلق سراحهم “زهران علّوش”، الذي أصبح قائد “جيش الإسلام”، و “حسّان عبّود” الذي أصبح قائد “حركة أحرار الشام”، و”عيسى الشيخ” الذي أصبح قائد “لواء صقور الإسلام”، و”أبو محمد الجولاني” الذي أصبح قائد “جبهة النصرة”. وقد قدم هؤلاء وأمثالهم الخدمة التي يرجوها النظام منهم، وهي تشكيل فصائل جهادية منافسة للجيش الحر، زادت من تشرذم المعارضة وصبغتها بصبغة التطرف، وكان النظام وإيران وروسيا مسرورين وهم يشاهدون مقاطع فيديو تصور أعمال هؤلاء المتطرفين، حيث قدمت “صورة” للمجتمع السوري والعربي والإقليمي والدولي، بأن النظام يقاتل مجموعات إرهابية وفصائل سلفية وجهادية. بالمقابل لم تشمل مراسيم العفو أيًا من المتظاهرين السلميين المعتقلين الذين كان ذنبهم الوحيد التظاهر السلمي والمطالبة بالتغيير.

الخاتمة:

في 2011، أراد نظام الأسد أن يضع الشعب السوري أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى البيوت والاعتذار من الرئيس ونظامه وانتظار “مكرماته” بالإصلاح؛ أو حمل السلاح للظهور بمظهر التمرّد المذهبي السلفي المتطرف. ولأن الثقة بين الشعب والنظام مفقودة، وقد فُقدت على مدى عقد كامل من الوعود الكاذبة بالإصلاح أطلقها بشار الأسد، كما أن أقنية التواصل بين الشعب والنظام مقطوعة، نتيجة التصحر السياسي الذي فرضه النظام، ولأن زخم الربيع العربي كان كالسيل الجارف، وأتى على نظام بن علي في تونس ونظام مبارك في مصر، ونظام القذافي في ليبيا، مع انطلاق تظاهرات اليمن بقوة ضد نظام علي صالح، وحماس بعض الدول العربية والإقليمية لدعم ثورة الشعب السوري، وكلها عوامل أمدَّت الشعب السوري بالأمل والقوة والدعم السياسي وغير السياسي؛ اندفع الشعب السوري نحو خيار المضي في ثورته، لإحداث تغيير سياسي طال انتظاره، واستمرّ في التظاهر السلمي أولًا، ثم تحوّل إلى حمل السلاح مضطرًا، بسبب فرض النظام “الحلّ الأمني”، ورفضه الاستجابة لأي مطلب بالتغيير. هذا الحل الذي دمّر سورية، ماديًا ومجتمعيًا، وجعلها أرضًا مستباحًة اليوم، تتوزع السيطرة على أرضها قوًى خارجية عدة، وتعمل على أرضها منظمات جهادية تكفيرية دينية شيعيّة وسنّية، مع احتمالات غامضة لممكنات الحل السياسي وإعادة البناء المادي والمجتمعي.

مركز حرمون للدراسات

اترك رد