هل يمكن أن نشهد دورا عربيا فاعلا في أزمات المنطقة؟

التطورات السريعة التي أصبحت تشهدها المنطقة لم تعد تقتصر على أزماتها المتفجرة في دول المشرق العربي والجزيرة العربية، وإنما امتد نطاقها من دول الجوار الإقليمي غير العربية إلى منطقة شرق البحر المتوسط، وهو الأمر الذي ساهم – من ناحيه- في توسيع نطاق الاضطرابات والتوترات في المنطقة، وزاد – من ناحية أخري- من اتجاهات التحوط والحذر لتجنب تخطي الحدود مع القوي الكبرى، وتفادي المساس بنقاط التماس بين المصالح المؤثرة في مناطق النزاع. لذلك فقد كان من الطبيعي أن تهدأ العواصف بعد حين، وخاصة تلك التي تتعلق باحتمال تفجر مواجهة عسكرية بين قوة عظمي وأخري إقليمية، أو بتصاعد نبرة التهديدات بالتدخل عسكريا من دولة إقليمية لنصرة فريق على آخر في دولة عربية منقسمة على نفسها. أو بارتفاع حدة التجاذبات السياسية في منطقة شرق المتوسط حول حقوق الملاحة والتنقيب عن الطاقة، بين دول أوروبية متوسطية ودولة إقليمية تدعي أن لها حقوقا ملاحية في المنطقة بحكم سيطرتها على الجزء الشمالي من جزيرة تقع في البحر المتوسط.

وإذا كان من الواضح أن فترة الهدوء النسبي التي تشهدها وتيرة الأزمات لا تعني إنتهاء النزاعات المزمنة بين الأطراف المعنية بالإقليم، ولا تتعلق بانتفاء تضارب المصالح الخارجية على ساحته. وإنما تشير إلى نجاح الجهود الأمريكية/الروسية في إيصال تطورات الأحداث في مناطق التوتر إلى نقاط توازن بين الأطراف المتنازعة بما يمكنها من التراجع عن مواقفها بشكل يحفظ لها ماء وجهها أمام رأيها العام. حيث سمحت الولايات المتحدة بعد قيامها باغتيال قاسم سليماني بقبول رد فعل إيراني متوازن على هذا الحدث. كما حرصت روسيا من جانبها على احتواء تركيا بإشراكها في مبادرتها لتسوية المشكلة الليبية، الأمر الذي أخلى المنطقة من عوامل التوتر، وخفف من مناخ الشد والجذب على ساحتها إلى حين.

ومن هنا يمكن تقدير الأحداث في المنطقة، بعد أن جري تهدئة أزماتها، وامتصاص عوامل التفجر في تطوراتها- في المعطيات التالية: –

أولاً: تراجع الموقف الإيراني أمام عملية عسكرية أمريكية استعادت مفهوم الردع، وأظهرت المدي الذي يمكن أن تصل إليه القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة إيران، وذلك في مقابل السماح برد فعل إيراني محدود لم ينتج عنه خسائر بشرية في الجانب الأمريكي، ما أجبر إيران على تغيير بؤرة اهتمامها من الانتقام لمقتل سليماني إلى التركيز على دفع العراق للمطالبة بإخراج القوات الأمريكية من أراضيه. وهو ما طرح مشكله في العلاقات الأمريكية العراقية، وخلق نقطة توتر جديدة داخل العراق بين المؤيدين لخروج القوات – ومعظمهم من حلفاء إيران – وبين الداعمين لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي لضمان استقرار الأوضاع، وحماية الأقليات، واستمرار نشاط المؤسسات الأمريكية العاملة بالبلاد، خاصة مع رفض القيادة الأمريكية سحب قواتها من العراق، بل ومطالبتها بنشر صواريخ باتريوت على أراضيها، حتى لا تترك الساحة خالية لنفوذ إيران، وحتى لا يبدو خروج قواتها وكأنه انصياع للضغوط الإيرانية.

ثانيا: أن الموقف التركي في سوريا يبدو أنه يمر بمرحلة حرجة عسكريا، وحساسة سياسيا. وذلك في ضوء تقدم قوات الحكومة السورية بإيقاع سريع، وبدعم جوي روسي في شمال غربي البلاد، وفى المناطق المحيطة بإدلب، وهو الأمر الذي يضع أردوغان في موقف صعب في ضوء حرصه على عدم خسارة أدلب التي تمثل أخر معاقل المعارضة السورية، ما قد يؤدي إلى دخول قواته في مواجهة عسكرية شاملة مع القوات السورية المدعومة من روسيا، ورغبته – في نفس الوقت- في الحفاظ على علاقته الإستراتيجية بروسيا في أكثر من مجال، خاصة مع تشتت قواته في عدة دول عربية وإفريقية، وإصراره على توريط المزيد منها في إدلب، من خلال إقامة نقاط مراقبة جديدة على ساحتها. ومن هنا كان التدخل الأمريكي لدعم أردوغان سياسيا في موقفه المتأزم. بهدف جذبه إلى جانب التحالف الغربي، استنادا إلى عضويته في حلف الأطلنطي. وذلك في مقابل تأييد روسيا لاتجاه مضي القوات السورية إلى الأمام في معركة ادلب، ورفض إعادة قوات الحكومة السورية إلى ما وراء خطوط اتفاق سوتشي، الأمر الذي يثير التساؤل حول إحتمالات تدهور الأوضاع في المنطقة، ومصير المباحثات الروسية التركية، وحساسية الموقف الروسي من التصعيد التركي ضد القوات السورية، وحرج الموقف الغربي الداعم لتركيا في موقفها ضد القوات السورية علي الأراضي السورية، وخطورة تداعيات المشكلة -في مجملها – علي الأمن الإقليمي في المنطقة.

ثالثا: أن محاولات تسوية المشكلة الليبية في مؤتمر برلين الذي انعقد دون مشاركة ليبية ذات ثقل، واعتبرها البعض بمثابة تسوية لمصالح أوروبية في البلاد، قد جري الخروج على مقرراته بمجرد الانتهاء من أعماله. وذلك ببدء اشتباكات عسكرية متنامية بين طرفي النزاع، وبقيام تركيا بتصعيد وتسريع إرسال مساعداتها العسكرية لحكومة الوفاق. وهي تطورات وشت بعدم نضوج الظروف السياسة والعسكرية في ليبيا، طالما أن الطرفين المحليين والمصالح الخارجية التي تساند كل منهما. تشهد حالة من “التوازن” تحول دون حسم الأمر لصالح طرف دون آخر. وطالما أن هناك اختلاف في المواقف بين طرف يمثله الجيش الوطني الليبي يري أن المشكلة أمنية وليست سياسية. وتتمحور حول أولوية إنهاء وجود الميليشيات المسلحة على الأراضي الليبية، وخروج كافة القوات الأجنبية من البلاد قبل بدء مباحثات التسوية السلمية للمشكلة، التي يجب أن تتم في إطار ليبي داخلي. وطرف آخر يري أن المشكلة سياسية. وتستوجب تسويتها بمباحثات بين الأطراف الليبية المختلفة، على أساس الاعتراف بأن حكومة الوفاق هي الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، والتي يجب أن ينخرط الجيش الليبي تحت قيادتها. إلا أن الشاهد أن ضعف موقفها السياسي والعسكري وشعورها بالارتهان لأجندات الميليشيات المسلحة التي تدعمها. قد دفعها للاستعانة بقوة خارجية لكسر التوازن في الموقف العسكري لصالحها، بما أضعف من شرعية وضعها، وأثار الشكوك حول اهليتها الوطنية.

رابعا: أن منطقة شرق المتوسط قد أصبحت مركزا للاهتمام الدولي منذ أن وضع الروس أقدامهم على سواحله عبر أكثر من قاعدة روسية في سوريا. وما تلي ذلك من حراك تركي استفزازي ضد قبرص واليونان ومصر، امتد إلى تحرك قطع بحرية تركية لحماية عمليات التنقيب بالقرب من قبرص. وذلك تحت ادعاء بأن للقبارصة الاتراك حقوقا سيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة قبرص. وأن تركيا مسئولة عن الحفاظ عليها، وهو موقف يخفي أطماع تركيا في السيطرة علي موارد الغاز للجزيرة وتعزيز موقفها كمركز إقليمي للطاقة. الامر الذي يفسر توقيعها لمذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية يمنحها حق التنقيب عن الغاز والنفط في شواطئ البلاد، وذلك رغم أن النشاط التركي المكثف من شأنه أن يزيد من رفع درجة حرارة الأحداث فيها، وإضافة بؤرة توتر جديدة في شرق المتوسط، في الوقت الذي تعانى فيه المنطقة من حرب أهلية في سوريا، واضطرابات في ليبيا، وغليان شعبي في لبنان، وانتفاضة شعبية في العراق، وفراغ سياسي في إسرائيل، وأكبر موجه نزوح للمهاجرين في جنوب البحر المتوسط.

خامسا: أن الموقف الأوروبي في المنطقة يعاني من ضعف بنيوي نتيجة انقسام مواقف دول الإتحاد سواء حول التورط في مشاكل المنطقة من حيث المبدأ، واختلاف وجهات نظر الأعضاء بين مؤيدين لاستقلالية الإتحاد الأوروبي عن الموقف الأمريكي أو معارضين لها، وكذلك من فراغ القيادة في الإتحاد وخاصة بعد خروج بريطانيا منه. هذا فضلا عن الشعور الأوروبي العام باستهانة الرئاسة الأمريكية بالمشروع الأوروبي وتجنبها التنسيق معه في القرارات الإستراتيجية، وهو ما أنعكس- في مجموعه- على تماسك الدور الأوروبي، وأضعف من فعالية تأثيره في أحداث المنطقة، الأمر الذي وضحت مظاهره في فشل تدخلات الطرفين الفرنسي والإيطالي -فضلا عن تنافسهما- في تسوية المشكلة الليبية. وظهرت دلالاته في ردود الأفعال الأوروبية المتهافتة على الممارسات التركية في ليبيا، أو على تحركاتها البحرية المستفزة في شرق المتوسط في مواجهة دولتين عضويتين في الإتحاد الأوروبي، وذلك رغم بيانات الإدانة الأوروبية الشديدة للممارسات التركية، والتي أخذت فيها فرنسا موقعا متقدما. وإذا كان الإتحاد الأوروبي قد قرر أخيرا تكليف قواته الجوية والبحرية في المنطقة لمراقبة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا فتبقي أهمية هذا القرار مرهونة بفاعلية تنفيذه.

v v v

ولعل أهم ما يستلفت النظر في كل هذه التطورات، هو غياب الموقف الأمريكي الفاعل من أحداث المنطقة، الذي يصفه البعض – عن حق – بأنه يقع في دائرة “السلبية المبرمجة”، وهو الأمر الذي ينطبق على معظم السياسات الأمريكية تجاه الملفات العربية، والنزاعات المفتوحة في الإقليم، والذي يعتبر استمرارا لاتجاهات أمريكية سابقة في تغير ثوابتها الأساسية من الحرب على الإرهاب في المنطقة، إلى مجال تنافس القوي العظمي مع الصين وروسيا. ولعل أكثر المواقف الأمريكية وضوحا في هذا الشأن، هي تلك المتعلقة بالحرب في سوريا، التي انسحب منها ترامب وفق أربع صياغات، واتسمت السياسة الأمريكية فيها بالامتناع عن تقديم أية حلول لتسوية المشكلات في نفس الوقت الذي تعرقل فيه أي حل دونها. فضلا عن تخلي واشنطن عن حلفائها من أكراد سوريا، وصمتها عن الممارسات الوحشية ضد المدنيين التي تقع في مناطق شمال غرب سوريا. ومع ذلك فقد أعلنت دعمها للموقف التركي في تجاذباته العسكرية مع القوات السورية -المدعومة من روسيا- في إدلب والمناطق المجاورة لها.

أما بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه المشكلة الليبية، فإن الملاحظ أن الإدارة الأمريكية قد تجاهلتها تماما. وغضت النظر عن الممارسات التركية وتدخلاتها العسكرية في البلاد. هذا فضلا عن تغاضيها عن التحرك التركي في شرق المتوسط، الذي يمثل إفتئاتا على حقوق الدول الأوروبية المتوسطية في مناطقها الاقتصادية. وهو الأمر الذي يعود في الأساس إلى تقدير واشنطن ان المشكلة الليبية والأزمة المتصاعدة في شرق المتوسط تمثلان “مشكلة أوروبية” تستوجب تسويتها في الإطار الأوروبي. وهو الأمر الذي يؤكد الإصرار الأمريكي على تجنب الانخراط في مشاكل المنطقة ويعكس في نفس الوقت تقديرا أمريكيا بأهمية دور تركيا في التحالف الغربي، ويشير إلى رغبة رئاسية في تجنب دفعها في اتجاه مزيد من التعاون والالتحاق بالجانب الروسي، وذلك في نفس الوقت الذي تشهد فيه السياسة الأمريكية اندفاعا عكسيا في مواجهة إيران، ورغبة في تصعيد الضغوط عليها بهدف فتح مباحثات معها – من مركز قوة – حول ملفها النووي ونشاطاتها في المنطقة، وذلك لحساب الأولوية المطلقة للسياسة الأمريكية على ساحتها في الحفاظ على أمن إسرائيل.

v v v

وإذا كان الاتجاه العام لسياسة ترامب في المنطقة هو الانسحاب منها وعدم التورط في مشاكلها، فإن الشاهد -من ناحية أخري- أن الرئيس بوتين يدير سياسته في المنطقة بشكل يتسم بالديناميكية والحنكة والدهاء، حيث يتحرك على ساحتها بمرونة وسط كافة الأطراف، تعاونا وتطويعا وضغطا، ويلعب على تناقضاتها، ويبني على نجاحاته على ساحتها لتكريس الدور الروسي فيها باعتباره اللاعب الرئيس في توجيه أحداثها، والثقل المؤثر في توازناتها.

وتظهر تداعيات هذه السياسة في إدارة بوتين على الأرض السورية للعبة شديدة التعقيد، تجعل منها ممرا إلزاميا في أية محاولة لصناعة السلام في سوريا، الأمر الذي دفع كل من إسرائيل وإيران وتركيا إلي الاستجابة للخط السياسي الروسي على ساحتها باعتبار انه ينظم حدود الحرب، ويحكم إطار المواجهات، ويحدد مناطق النفوذ في البلاد. وتظهر نماذج من خطط بوتين في هذا الشأن في السماح لأردوغان بالدخول إلى سوريا لتأديب الأكراد، بعد حصوله على اعتراف من أنقره ببقاء الأسد، وبموافقتها على صفقة الصواريخ الروسية رغم عضويتها في حلف الأطلنطي. كما تظهر في خطته بالسماح لإسرائيل بضرب التجمعات العسكرية الإيرانية في سوريا، في مقابل غض نظرها عما يمكن ان تمرره إيران من أسلحة إلى حزب الله في لبنان. وبالرغم من تعارض الخطط الروسية – أحيانا- مع التحركات الإيرانية أو التركية في المنطقة إلا أن الرئيس الروسي ينجح غالبا في احتواء النزاعات، وتطويع المواقف، والسعي لعدم تأثيرها في مسار العلاقات، والحفاظ على الأطر السياسية التي تتعاون من خلالها هذا الدول في تسوية الأزمة السورية.

هذا فضلا عن نجاح بوتين في الحصول على قبول أمريكي للتنسيق المشترك مع روسيا في عدة أنشطة دولية وإقليمية. إضافة إلى نجاحه في التنسيق مع دول الخليج في مجالات تتعلق بالنفط، وخلق مصالح لها في تعميق وتنويع مجالات التعاون مع روسيا.

وفى ضوء هذه التوجهات، يمكن فهم الموقف الروسي والخطوات التي أتخذها الرئيس بوتين في المشكلة الليبية، إذ بالرغم من دعمه للمشير حفتر والجيش الوطني بالأفراد والمعدات العسكرية مستخدما في ذلك أحدي الشركات الروسية الخاصة، وتأثير هذا الدعم في تمكين الجيش الوطني من تحقيق السيطرة على معظم الأراضي الليبية وصولا إلى العاصمة طرابلس إلا أنه حرص – في نفس الوقت – على علاقته المركبة بالرئيس أردوغان، من خلال تخفيضه من هذا الدعم – حينما حان الوقت- ودفْع الرئيس التركي لمشاركته في مبادرة السلام الليبية. الأمر الذي أسفر عن الإتفاق على قبول الهدنة، وهو الأمر الذي يوضح اتجاه القوى الكبرى إلى تثبيت الوضع الراهن في ليبيا، والدخول في مباحثات طويلة الأمد للتسوية، لأن تغير هذا الوضع من شانه أن يخل بحسابات دولية معقدة، ومصالح خارجية مؤثرة، واحتمالات داخلية يصعب التكهن بنتائجها. وهو ما يثير توجس الدول العربية حول تحول المشكلة الليبية إلى أزمة مزمنة مثل الأزمات التي تعج بها المنطقة.

v v v

ومن هنا تظهر أهمية تقدير وضع “الحالة العربية” من واقع خطورة الأحداث التي تتعرض لها المنطقة، وتداعيات الانقسامات في الرؤي والتوجهات والأولويات التي تعاني منها دولها، وتورط الدول الإقليمية غير العربية في أزماتها، لحسابات إيدليوجية وإمبراطورية في داخل الأراضي العربية، بحيث أصبح بعضها يعلن اعتزازه بالسيطرة على أربعة دول عربية، ويقوم البعض الأخر باحتلال أراض في دولتين عربيتين بالقوة المسلحة، ويعلن عن إرساله لمليشيات وقوات مرتزقة ومعدات عسكرية في دولة ثالثة، مع ما يصاحب هذه الممارسات -في مجموعها- من محاولات للغزو الثقافي والتغيير الديمغرافي في الأراضي التي يتم السيطرة عليها. وذلك في وقت تتخذ فيه القوي الكبرى مواقف مترددة وملتبسة بناء على حسابات وتوازنات “”متحركة” لمصالحها الخاصة.

إلا أن الواضح – مع ذلك – أن هناك بوادر لاتجاهات عربية تشير إلى إدراكها لمتطلبات التغيرات والمستجدات على الساحة الدولية، وتَفَّهُم الحقائق التي أصبحت تحكم مصالح القوي المتباينة، وتضبط العلاقات بينها على المستويين الإقليمي والدولي، والتي تندرج – في مجموعها– في المعطيات الثلاث التالية:

أولا: الاقتناع العام بصعوبة الاعتماد على الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، إذ أن الواضح أن واشنطن لم تعد تبحث عن حلفاء في نظام عالمي، وإنما عن مستهلكين لعناصر القوة الأمريكية من سلاح وتكنولوجيا. كما ان الإتحاد الأوروبي أصبح يشهد حالة من الضعف، والانقسام، وعدم القدرة علي التخلص من التعلق بأذيال الموقف الأمريكي، وتخطي سياسة النأي بالنفس عن مشاكل المنطقة والعجز عن تحويل قدراته الاقتصادية الهائلة إلى نفوذ سياسي مؤثر.

ثانيا: تصاعد الشعور بخطورة دور دول الجوار العربي التي وجدت في الحالة العربية في الفترات السابقة ما يشجعها على التمدد والعدوان. ويظهر ذلك من سلوكيات إيران تجاه دول الخليج والجزيرة العربية، وممارسات تركيا تجاه المشرق العربي وليبيا وتصرفات إسرائيل في القضية الفلسطينية هذا فضلا عن موقف إثيوبيا في الفترة نفسها التي رأت في نقص المناعة السياسية للوضع في مصر ما أغراها ببناء سد النهضة دون التشاور مع دول المصب لنهر النيل.

ثالثا: أن هناك دولا عربية قد شهدت – إلى جانب مظاهر العنف بالمنطقة – جهودا جادة للحاق بركب العصر، والمشاركة في معركة التقدم والبناء والتنمية التي تدور على قدم وساق على الساحة الدولية. وهو الأمر الذي تطلب منها الانخراط في مشاريع تحسين البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية. وفرض عليها تركيزا على القضايا الداخلية، إلا أن ذلك لم يضعف من حساسيتها تجاه العدوان الخارجي ولم يشغلها عن الاستعداد العملي والنفسي لمواجهته، ولم يثنيها عن المشاركة الفعلية – إذا اقتضى الأمر- في مقاومته.

v v v

ولذلك فإنه بناء على المعطيات السابقة، وفي ضوء الظروف المعقدة التي تشهدها العلاقات بين الدول العربية، والأزمات المركبة التي تعاني منها المنطقة، وتشابك المصالح الدولية والإقليمية المتنافسة على ساحتها، يمكن التوصل إلى الخلاصات التالية:-

أولا: أنه لم يعد لدي الدول العربية ما تعتمد عليه وتتحالف معه إلا الدول العربية الأخرى، وذلك لأسباب لا تتعلق بنوازع الريادة والقيادة، وإنما لأن الأوضاع الاستراتيجية الراهنة أصبحت تفرض عليها هذا الاتجاه.

ثانيا: أن التعاون بين الدول العربية في هذا الشأن من شأنه أن يُؤمِن المنطقة، ويحقق التوازن على ساحتها، ويمنح الفرصة لعمليات متكافئة للتعامل مع القضايا الإقليمية المختلفة، ويسمح ببناء نظام للأمن الإقليمي يساهم في تهدئة الأجواء وإقامة علاقات تعاونية للجميع.

ثالثا: إنه إذا كان يصعب تحقيق مثل هذا التعاون العربي الشامل لمواجهة هذه التحديات – لأسباب معروفة – فمن الطبيعي أن يثور التساؤل حول قدرة ورغبة دول التجمع العربي الرباعي، بما تملكه من رؤي سياسية متقاربة، وقدرات عسكرية مُجرَبة، وإمكانيات مالية مؤثرة، وعلاقات دولية واسعة، في التحول من تجمع سياسي محدود في نطاقه وأهدافه، إلى تحالف إستراتيجي ذو أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية، وأن تمتد مهامه إلى مجالات إنهاء الحروب الجارية، وحل المعضلات التاريخية والأزمات الإستراتيجية، والعمل على تهدئة الأجواء وإقامة علاقات تعاونية بين الجميع. هذا فضلا عن مقاومة عمليات الاختراق الواقعة، والتصدي للحركات الإرهابية في الإقليم، وإقامة حائط ردع أمام الأطماع الإقليمية في الأراضي العربية. وهو تحول قد يتطلب مد نطاق أهدافه، وتوسيع إطار عضويته ليشمل دولا عربية أخري توافق على مهامه، وتلتزم بمسئولياته وتتحمل تبعات الانضمام إليه.

رابعا: أنه مع الإدراك الكامل بإن مثل هذا القرار قد يصطدم بتعقد الظروف في المنطقة وبالطبيعة العربية الحذرة إزاءها، إلا أن الاتجاه الذي سلكته الأحداث في الفترة الأخيرة، قد بين المدي الذي يمكن أن تصل إليه الدول الإقليمية لتحقيق أهدافها في المنطقة العربية، وذلك في الوقت الذي يصعب فيه الاعتماد على القوي الكبرى التي تغير مواقفها بتطور مصالحها، بصرف النظر عن صداقاتها وتحالفاتها. ومن هنا أهمية البدء بتحرك عربي- ولو جزئي- مشترك من خلال تجمع عربي متقارب ومتناسق ومتواجد على الساحة، ويمكن تطويره، للتعبير عن وجهة النظر العربية على الساحة الدولية، والعمل كمنصة تصدي للأطماع الخارجية.

شؤون عربية

اترك رد