الحريري يعود إلى لبنان: نذر مواجهة مباشرة مع الحكومة

ارتفعت حدّة الخطاب السياسي في لبنان منذ أيام من جانب أفرقاء قوى 14 آذار، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري بوجه حكومة حسان دياب ومن يعتبرونهم عرّابيها، حزب الله وجبران باسيل صهر رئيس الجمهورية ورئيس “التيار الوطني الحر”، إلى حدّ وصف جنبلاط لدياب في حديث صحافي بـ”الحقود والموظف عند جبران باسيل”.

يأتي ذلك فيما يحرص جعجع في كلّ مناسبة على الحديث عن “الثلاثي المرح” الذي يحكم قبضته على الحكومة، ويقصد به “التيار الوطني الحر”، والثنائي الشيعي أي حركة “أمل” و”حزب الله”، فيما وجه الحريري تهديداً للحكومة قبل عودته مساء الجمعة إلى بيروت، وتحديداً في 10 أبريل/نيسان الحالي يوم غرّدَ عن خطة انتحار اقتصادية تتجه إلى تطبيقها الحكومة، مؤكداً أنه “سيكون لنا قريباً كلام آخر، إذا لم يتم تدارك الأمر”.


المؤشرات تؤكد أنّ لوبيا جديدا بدأ يتكوّن، ولا سيما مع اقتراب انتهاء المئة يوم

عودة الحريري والتهديد الذي تطرق خلاله إلى فترة السماح التي أعطاها تيار المستقبل الذي يرأسه لمجلس الوزراء، والتي يبدو أنها انتهت، حصلا بالتزامن مع حركة سياسية ناشطة محلية ودولية بين أفرقاء الرابع عشر من آذار، ولا سيما في دائرة جنبلاط حيث استقبل قبل أيام السفيرة الأميركية الجديدة في بيروت دوروثي شيه، التي رغم تأكيدها الالتزام بالحجر المنزلي، فإنها تكثف من إطلالاتها التلفزيونية أخيراً وحواراتها الصحافية.

وبعدها استقبل جنبلاط السفير الفرنسي لدى لبنان برونو فوشيه، إضافة إلى لقاءات نواب جنبلاط مع جعجع، وكذلك الاجتماع الذي عقدته قيادات طرابلس شمال لبنان ونوابها وصوّب إلى إهمال الحكومة لأهالي المنطقة.

كل هذه المؤشرات تؤكد أنّ لوبيا جديدا بدأ يتكوّن، ولا سيما مع اقتراب انتهاء المئة يوم التي حدّدها حسان دياب يوم توليه رئاسة الحكومة أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، لوضع خطة إنقاذية اقتصادية ومالية تنتشل البلد من أزمته، والتي حتّمت عليه الخروج بكلمةٍ إلى اللبنانيين عارضاً عليهم ما يعتبره في دائرة “الإنجازات”، والخطوات التي تعتزم الحكومة اتخاذها في المرحلة المقبلة.

جمهور تيار المستقبل الذي عادت الروح إليه مع أول بيان صدر عن مكتب الحريري فور وصوله، وإعلان عزم كتلة المستقبل النيابية “درس طلب رفع الحصانة النيابية عن النائب جميل السيد تمهيداً لملاحقته أمام القضاء، بعد إقرار الأخير بصورة مواربة أن مبلغ 27 مليون دولار أميركي قبضه ثمن قتل الرئيس رفيق الحريري”، مهّد قبل أيام لعودة رئيس تيار المستقبل الداخل حديثاً إلى نادي رؤساء الحكومات السابقين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام، والذي يتصارع مع دياب في المواقف متسلحاً أيضاً بدعم دار الفتوى التي لم تمنح عباءتها لرئيس الحكومة الحالي، الذي اختار بدوره رئيس الحكومة السابق سليم الحص غير “المنتسب” إلى نادي الرؤساء السابقين مرجعاً له

“ترقبوا ماذا سيحصل”

كما لم تغب عن منشورات مناصري الحريري على صفحات التواصل الاجتماعي كلمة “ترقبوا ماذا سيحصل”، وهذا ما يشدد عليه مصدر في تيار المستقبل لـ”العربي الجديد”، ويؤكد أنّ سعد الحريري سيكون المعارض الأول والأقوى لحكومة حسان دياب، وتحرّكاته لن تقتصر على التهديد الكلامي، بل سيرفع سقف المواجهة ليس فقط بوجه رئيس الحكومة، بل جبران باسيل حليفه السابق في التسوية السياسية التي ساهمت في وصول ميشال عون إلى سدة الرئاسة.


الحريري سيكون المعارض الأول والأقوى لحكومة حسان دياب، وتحرّكاته لن تقتصر على التهديد الكلامي، بل سيرفع سقف المواجهة

ويلمح المصدر إلى إمكان اللجوء لخيار استقالة نواب التيار الذي طُرح في كواليس “المستقبل” وسُرّب إلى الإعلام قبل فترة شهر تقريباً، في حال لاقى انضمام أحزاب أخرى إليه، لعلّ أبرزهم حزب “القوات اللبنانية” الذي يريد التعويض عن قرار دعم الرئيس عون شعبياً، وسبق أن فعل ذلك من خلال استقالة وزرائه من حكومة الحريري في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبعض النواب المستقلّين، وربّما نواب حزب الكتائب اللبنانية الذين يعارضون حكومة دياب، والحزب “التقدمي الاشتراكي”، الذي لا يمكن حسم موقفه نظراً لعلاقاته الجيدة مع رئيس البرلمان نبيه بري، الذي دائماً ما يستشيره في قراراته.

يؤكد مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي صالح حديفة لـ”العربي الجديد” أنّ “موضوع الاستقالة لم يُطرح علينا، ولسنا بواردِ هكذا خطوة، التي يجب أن تكون مدروسة من حيث النتائج والتبعات، ولا سيما في ظلّ الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان، والتي تحتّم علينا اتخاذ قرارات مسؤولة”.

وفيما يتعلق بزيارة السفيرين الفرنسي والأميركي، فأكد حديفة أنها “ليست مرتبطة بأي حراكٍ سياسيّ يُعمَل عليه، بل تأتي في إطار اللقاءات الروتينية التي يجريها جنبلاط مع السفراء للتشاور في ملفات المنطقة، وتبادل وجهات النظر على المستوى الإقليمي والدولي”.

ويلفت إلى أنّ مواقف السفراء “واضحة جداً، وقد عبّر عنها السفير الفرنسي في اجتماع وفد مجموعة الدعم الدولية للبنان مع الرئيس عون في حديثه عن أن المساعدات تتوقف عند مباشرة الحكومة اللبنانية بالإصلاحات، التي تطاول بشكل أساسي ملف الكهرباء والقضاء المستقلّ والهدر، وغيرها من الملفات الأساسية التي تدعو إليها الدول المانحة، ولا تزال حكومة دياب تتنصّل منها”. مؤكداً أن “تواصل الحزب مستمرّ مع كل الأطراف، ولا علم لنا بأي مخطط وراء عودة الحريري إلى لبنان، ولا نية الآن بتشكيل جبهة معارضة موحدة، لكن الحزب يقف في صفّ المعارضة غير العشوائية، ولديه الجرأة في الاعتراف بأي قرار جيد وإصلاحي تتخذه الحكومة التي وضعت بذاتها مهلة المئة يوم، ولم نفرضه نحن عليها”.

بدوره، يشدد النائب في حزب الكتائب إلياس حنكش في اتصال مع “العربي الجديد” على أنّه “لا التباعد بين الأحزاب الثلاثة يعنينا ولا التقارب بين أطرافها، لأن كل اختلاف أو تواصل إنما هو مبنيّ على المصالح الخاصة لا العامة المرتبطة بلبنان وحقوق الشعب، فيما وقف حزب الكتائب منذ البداية بوجه القرارات التي أوصلت البلد إلى حالته الراهنة، والتي حذّرنا منها سابقاً، وفضَّلَ البقاء خارج حكومات السلطة وعدم المشاركة في انهيار لبنان، ويومها اتهمنا بالشعبوية وتم عزلنا من قبل أحزاب السلطة كلها”. ويؤكد أنّ ثورة الشعب عائدة “على جوع”، واللبنانيون فقدوا الثقة بالطبقة الحاكمة.

 ويشير حنكش إلى أنّ الحكومة “وإن لا تتحمّل وحدها مسؤولية الأزمة، لكنها تتحمل مسؤولية عدم اتخاذ القرارات الجريئة ومصارحة اللبنانيين بحقيقة الانهيار، وهي مؤلفة من أفرقاء وأحزاب وتيارات كانت جزءاً من المنظومة التي أوصلت البلد إلى هنا”.

حكومة “معيوبة”

من جهته، يعتبر المحلل السياسي لقمان سليمان في حديث مع “العربي الجديد” أنّ هذه الحكومة “هي معيوبة في تسمية رئيسها وتكوينها، وهي حكومة مواجهة في الظروف التي أتت بها بأصوات حزب الله وحركة أمل وما يدور في فلكهما في البرلمان، قبل أن تظهر فشلاً واضحاً في تقديم أي خيار جديّ يمكن أن يصار من خلاله إلى تدارك الوضع الراهن”.


سليمان: حركة الثلاثي جنبلاط وجعجع والحريري ليست سوى مزيد من تضييع الوقت

ويرى سليمان أن “حركة الثلاثي جنبلاط وجعجع والحريري ليست سوى مزيد من تضييع الوقت، لأنّ أحداً منهم لم يسأل بعد الأسئلة الصحيحة حول ما يحصل في لبنان، والتي وحدها تعطينا الأجوبة الصحيحة، وهم يكتفون بلعب دور المراقب لملء الفراغ وإبقاء الذات في الدائرة”. ويضيف “نتجه مطلع مايو/أيار المقبل أو في جزئه الثاني صوب عودة النقاش السياسي، بعدما يتحول كورونا إلى لاعب ثانوي”.

ويشير إلى أن حركة السفراء تصب في اتجاهين الأول تحذيري من أنّ الدول الخارجية لا تزال موجودة وفي موقع المراقبة، كما أن هذه الأطراف الدولية لا تريد حصول صراع إضافي عن الذي يحصل في العالم يأتي من لبنان تحت عنوان أن يستغل حزب الله كورونا كحقيبة يهرّب بواسطتها ما يشاء. ويلفت إلى أنّ “ما يجب أن نركز عليه أكثر حركة السفير الصيني لدى لبنان، بحيث أننا نرى للمرة الأولى تحرك الدبلوماسية الصينية بهذا الشكل في لبنان منذ ظهور الوباء وتفشيه في الداخل اللبناني، ما يؤكد أن هناك لعبة موازين قوى في الأفق يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار”.

ويلفت إلى أنّ “أهم ما حصل في انتفاضة 17 أكتوبر ليس التجرؤ على مهاجمة الأشخاص، بل الخروج للمطالبة بالحقوق، كما أن القمع أو الإجراءات الأمنية التي قد تتخذ لتهدئة الشارع وإخراج المعتصمين منه لن تكون كافية، لأنّ المفاجأة التي قد تحصل في المرحلة المقبلة تتمثل في العنف الاجتماعي ليس لناحية المواجهات التي قد تحصل بين الناشطين والعناصر الأمنية، بل من خلال تكاثر الحوادث الأمنية التي تطاول مختلف المناطق، وارتفع منسوبها في الفترة الأخيرة”.

العربي الجديد

اترك رد