نازحو إدلب في ريف حلب: الاعتماد على الذات لتأمين المعيشة الكريمة

القليلة الماضية، بتوقف مئات المعامل والمصانع والحرف والمهن اليدوية المتواجدة في المناطق التي سيطرت عليها عن العمل، نتيجة استمرار الهجمات الجوية والنزوح لأكثر من مرة خلال أقل من شهر، مما فاقم الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي مسبقاً لدى الأهالي، وذلك في ظل ندرة فرص العمل وعدم الاستقرار وصعوبة تأمين مسكن أو خيمة على أقل تقدير.

النازحون إلى ريف حلب الشمالي منهم الذين حالفهم الحظ، لأنهم استطاعوا نقل معاملهم ومصانعهم الخاصة إلى أماكن إقامتهم الجديدة، بتكاليف عالية ربما، مما سهل عودتهم إلى سوق العمل مجدداً، وإتاحة فرص عمل للكثير من أبناء مدنهم وبلداتهم التي هجروا منها مؤخراً، ووجدوا أن العمل لا يمكن أن يتوقف طالما أن الحياة مستمرة، متحدين الظروف المعيشية السيئة التي يرزح تحتها الغالبية العظمى منهم، وعدم الاتكال على المساعدات، التي لا تغني من جوع.

صعوبات وتحديات للاستمرار
أجرت شبكة بروكار برس، مقابلات عديدة مع أصحاب المعامل والمصانع والمهن التي افتتحت مؤخراً في مدينة مارع، بريف حلب، للوقوف على الظروف التي دفعتهم إلى العودة إلى العمل والتحديات التي واجهتهم خلال نقل المعدات إلى المنطقة ومحاولة العودة إلى العمل مجدداً.

عابد برقومي، من مدينة معرة النعمان بريف إدلب، نزح إلى مارع، وفيها استأنف عمله بعد أن نقل إلى المدينة بعضا من المعدات الخاصة به، والتي كانت داخل مدينة معرة النعمان التي سيطرت عليها قوات النظام بدعم روسي في 29 كانون الثاني/ يناير من العام الجاري.

“عابد برقومي” من معرة النعمان يقيم في ريف حلب عاد للعمل بعد النزوح

وقال برقومي: “إن الظروف المعيشية سيئة للغاية في فترة النزوح بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات، وصعوبة تأمين الحاجيات الأساسية للمنزل، لأننا خرجنا من المدينة على عجالة من أمرنا بسبب القصف، فاحتجنا إلى توفير أثاث ولا يمكن توفير ما تحتاجه دون عمل”.

وأضاف: “جلبت جزءاً من المعدات التي كانت في الورشة، والآن بدأت العمل لأصحاب المعامل والمنشآت من أهالي ريف معرة النعمان الذين يعملون في صناعة السّيْف، لتأمين دخل مادي يؤمن النفقات اليومية لأسرتي، دون انتظار المساعدات في حال توفرت”.

معمل سيف افتتح مؤخراً في مدينة مارع بعد تهجير صاحبه من ريف معرة النعمان

أحمد عبد الرزاق الجرد من قرية أبو دفنة الواقعة بريف معرة النعمان الشرقي، وهو صاحب معمل “سيف جلي”، واجه العديد من الصعوبات خلال عملية نقل المعدات من قريته التي سيطرت عليها قوات النظام، قال : “توقف المعمل عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بسبب تعرضنا للنزوح لأكثر من مرة خلال الشهور الفائتة والبحث عن منزل ومكان يتوفر فيه الكهرباء بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، مما دفعنا إلى التجمع في مدينة مارع لتوفر الكهرباء فيها، إلا أن أماكن السكن قليلة لذلك استطعت تأمين منزل لأسرتي في بلدة بزاعة شرقي حلب بأجر شهري مناسب، وأذهب إلى هناك كل أسبوع”.

كما أوضح: “أن القصف العنيف على المنطقة منعه من جلب المواد الأولية للمعمل من البلدة، ولا يمكن صناعتها الآن وبدأت العمل بالمعدات المتوفرة”، مشيراً إلى أنّه حال توقف عن العمل لن يستطيع تأمين حياة كريمة لأسرته في ظل الوضع الراهن والمتردي.

فرص عمل للنازحين
المعمل الذي افتتحه أحمد الجرد يوفر فرص عمل لـ 10 عمال من البلدات المحيطة لقريته كانوا قد نزحوا مؤخراً إلى مدينة مارع، بحثاً عن مكان آمن، لكل من هؤلاء العمال أسرة يقدمون لها الطعام وغيرها من الحاجيات الأساسية للمنزل.

أحمد الحاج خلال عمله

أحمد عبد الله الحاج، يعمل في معمل سيف الجلي، لمدة 6 أيام، ثمّ يعود إلى أسرته في بلدة بزاعة لمدة يوم واحد، يرى فيه طفليه وأسرته.

ورغم النزوح وظروف العمل “القاسية” على حدّ وصفه، قال الحاج، “إنّ من يجد عملاً في هذه الأيام الصعبة لا يزال بخير لأن فرص العمل نادرة في ريف حلب لاعتماد غالبية السكان على الزراعة والوظائف فقط بينما نسبة قليلة تعمل في الصناعة، ولذلك تندر فرص العمل هنا”.

وأضاف: “العمل يغني عن طلب المساعدة من الآخرين أتحمل أيام طويلة بعيداً عن أطفالي لتأمين مصروفهم اليومي ولا يمكنني الاستغناء عن العمل لأنه الوحيد المتوفر لدي، ولا يوجد عمل في البلدة التي أقيم بها بسبب عدم توفر الكهرباء”.

بينما كان يعمل عبد الكريم الحسن، 30 عاماً من مدينة معرة النعمان في نسج الحصر، إلا أنه انقطع عن العمل لمدة ستة أشهر متتالية بسبب الحملة العسكرية التي تشنها قوات النظام، أثناء اقامته بريف إدلب الغربي، مما دفعه للنزوح إلى مدينة مارع والبحث عن عمل لتأمين الحاجيات الأساسية لأسرته قال لـ “بروكار برس”: “بحثت كثيراً عن عمل ووجدت مؤخراً عمل في ورشة مخرطة، بدوام 12 ساعة أحصل على 8000 ليرة سورية، ما يعادل 6.4 دولار أمريكي، كل أسبوع، أستطيع من خلالها تأمين بعض الحاجيات الأساسية لأسرتي، إلا أنها في الحقيقة لا تكفي لإيجار المنزل الذي يصل إلى 250 ليرة تركية شهرياً والذي أتقاسمه مع أحد أقاربي”.

كما أشار إلى “أن عائلته تملك معمل لنسج الحصر لكنها لم تستطيع جلبه إلى ريف حلب، بسبب تكاليف النقل التي يحتاجونها، ولا تزال معدات المعمل موجود في الأراضي الزراعية بريف إدلب ولا يمكنهم، نقلها إلى الشمال”.

من جهته عبد الرحمن قروي وهو من ريف معرة النعمان الشرقي، ويقيم في مركز إيواء مؤقت مبني من الخيم، محيط مدينة مارع، ويعمل حالياً في معمل “سيف”، لإعالة أسرته المكونة من 8 أشخاص. خلال الحديث لـ “بروكار برس”: يرى أن “العمل هو حلم في الوقت الراهن بسبب صعوبة الحصول على المال، لكنه سرعان ما ينتهي في السوق بسبب ارتفاع الأسعار والمنتجات الغذائية وغيرها”. وأضاف: “سأستمر في العمل حتى أتمكن من تأمين حياة كريمة لأطفالي دون انتظار المساعدات من المنظمات وغيرها لأننا قادرين على العمل فور وجوده وغالبية النازحين مثلي فهم لا يجدون عملاً لإطعام أطفالهم، ونحن لا نحتاج مساعدات وإنما نحتاج لفرص عمل وأماكن آمنة”.

التسويق
عمر أحمد العلي، من بلدة معرشورين بريف معرة النعمان الشرقي افتتح معمله منذ شهرين، داخل أحياء مدينة مارع، متحدياً الظروف المعيشية القاسية التي مرت به، أثناء التنقل بين البلدات وصولاً إلى مارع، لتوفر الكهرباء، إلا أن العديد من الصعوبات التي واجهته أبرزها: صعوبة تأمين قطع التبديل “كالحمايات والقشطان الخاصة بالمعمل، والمخارط”.

يقول العلي: “يتم تسويق المنتجات في السوق المحلية بالإضافة إلى تصديرها إلى مناطق سيطرة قسد ومناطق النظام ونحو دول العراق والأردن وغيرها، لكن البيئة المحلية في ريف حلب غير مجهزة صناعياً كمدينة معرة النعمان لأن غالبية الناس هنا تعتمد على الزراعة فقط”. وأضاف: “المعمل يؤمن فرص عمل لخمس عائلات من معرشورين يعملون من منازلهم مقابل أجور مالية، بينما يعمل خمسة شبان في المعمل لديهم أطفال يؤمنون لهم الطعام والشراب، والمستلزمات اليومية، ولذلك فإن التوقف عن العمل سيزيد الأمر سوءاً في ظل تردي الأوضاع المعيشية”.

التسهيلات
شجعت غرفة التجارة في المجلس المحلي بمدنية مارع، التجار النازحين ورؤوس الأموال على ممارسة أنشطتهم التجارية والصناعية في المنطقة وذلك من تقديم التسهيلات اللازمة، وتأمين المكان المناسب بأجور جيدة، وتأمين الكهرباء الصناعية.

وقال رئيس غرفة التجارة حسن حافظ لـ بروكار برس: “مناطق ريف حلب بشكل عام تعتمد على الزراعة بشكل أساسي، مما شكل عائقاً في افتتاح المصانع والمعامل في المنطقة، بسبب ندرة المواد الأولية، لكن عملت غرفة التجارة على اتاحة المستلزمات الأساسية للتجار، إلى جانب اختيار الطريقة المناسبة لتسويق منتجاتهم قانونياً”.

وأضاف: “عملت غرفة التجارة على تشجيع التجار ورؤوس الأموال على افتتاح منشآتهم مجدداً بما فيها بناء أحياء سكنية، لكن عدم الاستقرار الأمني دفع الكثير منهم إلى التراجع عن العمل، لأن المنطقة عموماً ما زالت غير مستقرة”. كما اعتبر أن النشاط الصناعي في المنطقة بدأ بالتقدم نحو الأفضل لتنوع الخبرات الصناعية في مختلف المجالات، الأمر الذي سيساهم في ازدهار الوضع الاقتصادي وفتح أبواب العمل للكثير من الشبان والعائلات النازحة.

بروكار برس

اترك رد