من أطلق الرصاص على الثورة؟!

يرادوني شعور قويّ للغاية، بأن لو كانت انتفاضة آذار الشعبيّة 2011 على نظام بشار الأسد، لو كانت مثلاً تنادي بالقيم العلمانيّة والدولة المدنيّة وترفض كل أشكال الدولة الدينيّة وتطالب بالديمقراطية والليبرالية كحلّ، ولو كانت تمجّد الأفكار اليساريّة، وتدعم حقوق المرأة وتحمي المثليين وتعترف بهم، وتعلي من شأن الملحدين وأفكارهم، لكان اتّفق المجتمع الدولي ودول العالم المهمة وغير المهمة، بأنّ ثورتنا ثورة ملحدة ونحن لسنا إلا مجموعة يساريين متمردين نريد إحداث الفوضى وإغراق العالم بالعتمة والبيروقراطية والفشل، ولكانوا اتهمونا بالشيفونيّة والسادية والكثير من المصطلحات المختلفة. من أطلق 

تماماً كما حصل مع ثورتنا مع أوّل ظهور لجماعات لا تحسب على الثورة، ولا الثورة تعترف بها وﻻ هي تعترف بالثورة، وصمَنا العالم بوصمة الإرهاب والتطرّف وإلغاء الآخر مع أنّ اﻵخر هو من كان طوال الوقت يحاول جاهداً إلغاءنا، ويفبرك الأخبار ويقتلنا بدم بارد ويكذب ويكذب ويزيّف الحقائق ويشوّه الحقيقة.

مع هذا لا أنكر وجود أخطاء، مع كل ثورة تكون الأخطاء، وكل الأخطاء تحتمل التصحيح، وبطبيعة الحال كل الأخطاء لها حلول إلا إذا زادها المخطئون خطأ إضافياً، خاصة إذا كانت الثورة في مرحلة ترهّل لغياب النخب السياسية المؤثرة والوطنية، وغياب أو “تقاعس” المثقفين عن دورهم الذي من المفترض في أي ثورة لشعب يتوق للحريّة واختيار حكّامه بنفسه، أن يكوّن دوراً ريادياً ومسؤولاً. من أطلق 

ولا شكّ من محاسن ثورة آذار، أنّها وضعتنا أمام حقيقة مرّة ألا وهي أنّنا كنا نعيش في مجتمع هشّ وضعيف وأنّ حكاية الفسيفساء السوري هي أسخف نكتة قيلت، وأنّه خلال 50 عاماً من حكم آل الأسد لم يعد لدينا مجتمع بمعنى المجتمع الكامل والمسالم بين أفراده، بل ورثنا من هذا الحكم، مجتمعاً مريضاً وخائفاً والخوف من القمع هو الذي جعل أفراده سواء كانوا ضمن طائفة الحكم أوخارجها يعيشون بهدوء حذر وسلام هشّ، والدليل الأكبر ماحصل خلال الثورة من إنفجار العنف وما خلّفه من كارثة أحلّت بالسوريين، وعدد الضحايا المخيف والكبير وفي أيّ ثورة تحوّلت إلى حرب لم نرَ هذا العدد من الضحايا والقسم الأكبر منهم أبرياء وهذا لاشكّ جعل المأساة أكبر ومسألة التسامح والسلام بعيدة وشمسها ترفض الشروق. 

السوريون كطوائف وعرقيات عاشت على هذه الأرض لقرون وتعايشت مع بعضها البعض رغم الاختلاف العقائدي الشاسع بينها، وأوجدت نظاماً جيداً يخفي الفروق ويطرد الكراهية والخطاب الإقصائي، واستمرّت على هذا النحو لفترة طويلة هذه الفترة أسّست لاستقرار نوعي غير راسخ بينما الطائفية نائمة تحت الرماد. من أطلق 
جاءت انتفاضة آذار لتضع سوريا أمام مفترق طرق بتاريخها وحضارتها، وتضع كل من يعيش فيها أمام منعطف حادّ وخطير، الجميع رأى في الثورة كوّة خلاص طال انتظاره، وفرصة قد لاتتكرّر في أن تحقّق كل طائفة أحلامها وأفكارها وتفعل عقيدتها وإيدلوجياتها المختلفة.
فالعربي السني رأى فيها فرصة للخلاص من حكم العلوي وعودة الحكم له، وعودة الحركات الإسلامية من جديد، والتنفّس أكثر بعد التخلّص من حكم الأسد، والعلوي وجد فيها فرصة لإحكام قبضته على مفاصل الدولة وترسيخ الهيمنة الأحاديّة الطائفيّة، والشيعي أرادها فوضى يستطيع من خلالها استنساخ حزب الله، جديد هذه المرة سوري، والكردي روادته عصبيّته أن يكون مستعدّاً للتحالف مع الشيطان في سبيل إيجاد كانتون أو إقليم على غرار أكراد العراق، فكان ظهور الجماعات الإسلامية ذريعة للكرد ليفصلوا بين الكردي والعربي، ويجعلوا من مناطقهم حكراً على الكردي دون سواه بينما يحتاج السوري الآخر لكفالة شخص كردي حصراً ومؤقتة أيضاً وبالطبع من العار أن نمنع السوري من دخول أراضيه ومما زاد من هذه العنجهية لحكام الإدارة الذاتيّة للكرد، دعم الغرب لهم وانخراطهم معه في حربه ضدّ داعش، وما إن انتهت هذه الحرب حتّى باع الغرب الحلم الكردي في بازار السياسة والمصالح وجعلهم في مهبّ الريح أمام التركي والروسي وغيرهم. من أطلق 
وفي كل هذه المتاهات السوريّة، بقي دروز سوريا يقفون في المربعّ الرمادي مع أنّني أكره الرمادية ومواقفها، إلا أنّني مقتنع بموقف الدروز وأتفهم اختيارهم لرماديتهم إزاء الوضع في سوريا، فلاهم حاربوا الثورة وقاتلوا شبابها، ولاهم كفروا بالأسد وأعلنوا وقوفهم ضدّه، اختاروا الوقوف في المنتصف، وأجزم بأنّهم خرجوا بأقل الخسائر الممكنة من شلال دم مؤسف ومروّع، دفع الإنسان السوري ثمنه غالياً. وبعد تسع سنوات من اندلاع الثورة، بات السوري عالقاً بين المطرقة والسندان، فمن بطش الأسد وتعفيش جيشه إلى جمود الإسلاميين وبلادتهم، إلى انفصام المعارضة السياسية عن الواقع وإخفاق الحركات المدنيّة في مسعاها وابتعاد الكرد عن مبادئ الثورة وانصياعهم الكامل لرغبات الغرب ومشاريعه، وبهذا كلّه فقدت الثورة زخماً مهمّاً، وبدأ التيار العالمي المتعاطف يتبدّل ويتحوّل ضدّها، وبدل البحث عن مخرج وطريق لإعادة الثورة إلى المسار الصحيح، أصبحنا نرى المعارضات مرّة في الرياض. ومرّة أخرى في فنادق إسطنبول وأخرى في القاهرة، وبدأت حرب المنصّات، وبدل أن يقفوا في خندق واحد قسّموا المقسم وزادوا الطين بلّة، وأضاعوا بهذا الثورة والثوار، ناهيك عن هرولة الطرف اﻵخر إلى طهران وموسكو وبكين، ليرهنوا سوريا لمحتلين جدد ويبعثروا تاريخاً وحضارة عمرها آلاف السنين. 

ولكي أكون صادقاً وللأمانة التاريخيّة، فإنّ العرب السنة ومع أخطائهم إلا أنّهم دفعوا فاتورة الدم، فالعدد الكبير من الضحايا كان منهم، وجلّ المعتقلين لدى النظام منهم عدا خسارتهم لمدنهم وقراهم وتغريبتهم المأساويّة والحزينة، حصل هذا نتيجة خذلان المجتمع الدولي لهم ووقوفه كالمتفرّج على أفظع مذبحة حصلت لشعب في التاريخ الحديث. وكما يقول الراحل ممدوح عدوان: “إنّ من أبرز أساليب الإعداد للحرب الأهلية، إقناع كل طرف أنّ الطرف اﻵخر أو الأطراف الأخرى، خطر على الوطن أو الدين أو المجتمع!”. 

كلنّا بشكل أو بآخر أطلقنا رصاصتنا على الثورة، وللأسف أصبناها في العمق، وأضعنا من بين أيدينا فرصة كبيرة في ثورة كانت ستصبح من أعظم الثورات في التاريخ المعاصر، لو أنّنا ترفّعنا عن الأنا المتفخمة التي أصابتنا ولاسبيل إلى الخلاص من هذا الشلال الدموي والخراب إلا بإصلاح طريق ثورتنا وتأسيس حركة سورية خالصة تكون ظلّا لكل سوري وتدعم حقوق السوريين في دولة للجميع تحترم الأسس الديمقراطية والمدنيّة وحرية الرأي والتعبير، وتؤسّس لمرحلة جديدة ودستور جديد ودولة يطرد فيها المجتمع أفكار الكراهية والدم، اليوم نحن نحتاج لولادة جديدة لأبوين جديدين، بعيداً عن ذهنيّة التكفير والتخوين، لتكون هناك سورية جديدة وعظيمة.

ليفانت – المعتصم الخالدي

اترك رد