الصراع في سوريا بعد كورونا.. لحظة التوقف وترقب الإقلاع

مع كلّ ما حدث في غضون الحرب الدائرة على الأرض السورية؛ فإنّ المعطيات تشير إلى أنّ الصراع في سوريا لن يتوقّف دون تحقيق نوع من الانتقال السياسي يضمن تغييراً في طبيعة نظام الحكم وتحوله من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي حقيقي، ينهي حقبة سوداء في تاريخ سوريا الحديث، يزيل الطابع الأُسَري للحكم المطلق، ويفتح الباب إلى سوريا الجديدة التي طالما حلم بها الشعب السوري، بما تحمله البلد من عقول متميّزة  فكراً وإبداعاً، وبما تتمتّع به من موقعٍ استراتيجي وثروات طبيعية متنوّعة قد تحوّلها إلى قطب نهضوي متميّز في البحر المتوسط ورقم صعب في منطقة الشرق الأوسط وهو ما يرفضه نظام الأسد وداعموه.

وهنا لا بد أن نبدأ بالوقوف على استراتيجية الداعمين الأساسيين لنظام الأسد، فتكون لنا نظرة معمقة على خريطة الصراع، لكي يبنى عليها مسارنا المستقبلي الذي يجب أن نسلكه دون أخطاء:

الاستراتيجية الروسية:

استراتيجية بوتين: الاعتماد على الخيار العسكري، علاوة على الأبعاد الدبلوماسية لفرض أمر الواقع تلجأ إليه حلاًّ لكلّ الأطراف (المتضررة)، وقد كشف “بوتين” بتاريخ (28 شباط 2019م) عن ملامح هذه الاستراتيجية، أكّد فيها سعيه إلى: “إنشاء مجموعة عمل دولية تشمل جميع الأطراف المعنيّة، وبالدرجة الأولى القيادة السورية، وربّما المعارضة ودول المنطقة، وجميع المنخرطين في النزاع، وستتولّى المجموعة مهمّة الاستقرار النهائي بعد القضاء على جميع بؤر الإرهاب” (يقصد به جميع المعارضة ماعدا التي تسبح في فلك الثورة المضادة، وحلفاء بشار).

وأردف “بوتين” بأنّ الخطّة تتضمن: “سحب جميع القوّات الأجنبية من الأراضي السورية واستعادة مؤسّسات الدولة السورية مع الحفاظ على وحدة أراضيها”.

وتُمثّل الجانب السياسي بما يُسمّى -بالديمقراطية الواجهة-على غرار الموجود في كلّ من روسيا والدول العربيةّ، تتمثّل في إبقاء نظام بشار، وتغيير في بعض الرتوشات في سياسة الحكم كخطّة (أ)، وقد تتحوّل إلى الخطة (ب) باستبدال بشار بواجهة أخرى توافقية بين(المتضرّرين) مرحلةً ظرفيةً لاسترجاع وضع النظام كما كان قبل الثورة.

فكلّ ما يُطرح في اللقاءات بين المسؤولين الروس مع المعارضة تبقى مجرّد وعود لربح الوقت والمناورة، فهي ماضية في استراتيجيتها في تأهيل نظام بشار، فمن المستحيل أن تتدخّل دولة مثل روسيا في بلد(حليف) وتقدّم فيه كلّ هذه التضحيات الجسام من أجل أن تنزع عن السلطة حليفا مهمّا، ثمّ تؤسّس بديلاً.. نظاماً ديمقراطياً حقيقياً لا يخدم مصالحها.

بعد الإعلان عن تلك الخطّة بادرت موسكو إلى تكثيف دبلوماسيتها لحشد التأييد الإقليمي والدولي، لكن محاولات الروس إقناع الدول الخليجية بتوفير التمويل اللازم لنظام الأسد مقابل تعهّد موسكو بكبح النفوذ الإيراني في سوريا باءت بالفشل؛ بسبب عدم الثقة ببوتين، ومن جهة أخرى رفض الولايات المتّحدة القويّ لها.

حيث تثور شكوك (الولايات المتّحدة) من حقيقة نوايا “بوتين” الذي يعمل على إقصاء حلفائه (إيران) تحت بند “خروج القوّات الأجنبية” بهدف الاستئثار بغنائم المعركة، وخاصّة فيما يتعلّق بالثروة النفطية لصالح شركائه من رجال الأعمال، لتغطية خسائره في الحرب وتعزيز نفوذه العسكري في المنطقة.

والأهمّ من ذلك كلّه أنّ من ضمن استراتيجية “بوتين” للحدّ من نفوذ الإيراني إبعاد سوريا من الصراعات الدولية مستقبلاً، بما فيها مراجعة علاقة دمشق بسياستها تجاه لبنان المعادية لإسرائيل، ومن جهة أخرى لكسب التأييد للخطّة من القوى الإقليمية والدولية. (كلّ المؤشّرات تفيد بأنّ إسرائيل وافقت على الخطّة).

وعلى وقع الجهود الديبلوماسية والميدانية الروسية لتقليص النفوذ الإيراني في دمشق؛ تتنامى الشكوك الإيرانيةُ فيما يُنظر إليه على أنّه محاولات روسية لتجاوز إيران وتآمر عليها، إيران التي دفعت ثمناً باهظاً لإبقاء بشار، والاستئثار بامتيازات الثروات الطبيعية، حيث كانت إيران ترغب في الحصول على حقوق التنقيب في المنطقة الممتدّة من جنوب شاطئ طرطوس إلى محاذاة مدينة بانياس وحقل “قارة” في حمص، لكن النظام عدل عن تعهّداته لإيران ومنحها للشركات الروسية ضمن الاستراتيجية الروسية للحدّ من النفوذ الإيراني، بل من المؤكّد تواطؤ “بوتين” مع إسرائيل في قصف أهداف إيرانية في سوريا.

وظهر ذلك بالاتهامات المتبادلة بينهما عندما اتّهم رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني “حشمت الله فلاحات بيشه” الحليف الروسي بالتواطؤ مع الهجمات الإسرائيلية ضدّ المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا.

الردّ الروسي جاء من “سيرغي ريابكوف” (نائب وزير الخارجية الروسي)، لقناة “سي إن إن” موضّحاً: “أنّ روسيا ليست حليف إيران في سوريا”، وأنّ الطرفين يعملان معاً في إطار مباحثات أستانا فقط، مؤكّداّ أنّ: “إسرائيل تُعدّ أولوية لروسيا”، ومنتقداً في الوقت ذاته “أجَندة إيران المعادية لإسرائيل”.

التجاذبات الإيرانية الروسية لم تقف عند حدود التصريحات، بل تعدّتها للمواجهات العسكرية بين وكلاء الطرفَين في سوريا، حيث وقعت مواجهات عسكرية تمثّلت في اشتباك الفيلق الخامس الموالي لروسيا مع الفرقة الرابعة المدعومة من إيران، مما دفع طهران لتحريك نحو عشرة آلاف مقاتل من “الحشد الشعبي” باتجاه الحدود العراقية – السورية لتعزيز وجودها جنوب غربي البلاد.

الاستراتيجية الإيرانية (الاستيطانية):

 ما تريده إيران هو “بقاء الأسد حليفاً استراتيجياً حتى يتمكّن الحرس الثوري من مواصلة استخدام سوريا عمقاً استراتيجياً لحزب الله اللبناني وربط نفوذها في العراق بنفوذها في لبنان، وهذا لا يكون إلا باتباع سياسة التغيير الديمغرافية وتشييع مناطق واسعة داخل دمشق والاستيلاء على الحدود السورية مع العراق بواسطة (عملية الاستيطان الشيعي)، وقد وقّعت إيران اتفاقات (استراتيجية) ثنائية مع نظام بشار وعقوداً طويلة المدى في عدّة مجالات بغية التحكّم في الوضع على النموذج العراقي واللبناني.

ويرى مرشد الثورة الإيرانية “علي خامنئي” ضرورة سلوك النهج الكوري الشمالي في عملية التوصّل إلى تفاهمات مع الغرب عن طريق اللجوء إلى استراتيجية الردع، حيث تستطيع إيـران ضرب المصالح الأمريكية

من الصعب خروج بشار من خارج عباءة إيران، حتى ضمن خطّة بوتين، وهذا ما يجب أن يعيه جيّداً من يثق في خطّة بوتين بإمكانه الحدّ من نفوذ الإيراني بعد إعادة تأهيل نظام بشار

في الخليج العربي والبحر الأحمر وكذلك في العراق وسوريا، زيادة على إسرائيل التي يرى قائد “فيلق القدس” “قاسم سليماني” ضرورة نشر منظومات صاروخية في مواجهتها جنوبي سوريا وغربي العراق للتفاوض من موقع القوّة مقابل رفع الحصار عن إيران والحدّ من نفوذها للاستفراد الإيراني بالمنطقة.

ولكن هذه الاستراتيجية تتصادم مع استراتيجية موسكو، فهي تُمدّ زمن الصراع وتُعقّد إلى التوصل لحلول سياسية ضمن استراتيجية بوتين في الصراع السوري، الباحث عن الحلول السريعة باحتواء الأطرف المتضررة، وهذه من النِّقاط الخلافية الكبيرة بين الحليفَين.

الاستراتيجية الخليجية (السعودية /الإمارات):

شهد الموقف السعودي والإماراتي تحوّلاً كبيراً من معارضة النظام إلى قَبول بقاء بشار ضمن صفقة، بل حتى إغرائه، بشروط ما يضمن أمنهم وأمن إسرائيل، ويتمثّل الموقفان بـ:

  1. فضّ الشراكة بينه وبين إيران، وهذا ما يزال يرفضه بشار حتى الآن الذي یعدّ نفسه منتصراً، ومن جهة فإنّه لا يستأمن الجانب الخليجي، والأهم من ذلك تنامي النفوذ الإيراني القويّ في سوريا وقد ثبت ميدانياً في كلٍّ من العراق، واليمن، ولبنان. لذا أصبح من الصعب خروج بشار من خارج عباءة إيران، حتى ضمن خطّة بوتين، وهذا ما يجب أن يعيه جيّداً من يثق في خطّة بوتين بإمكانه الحدّ من نفوذ الإيراني بعد إعادة تأهيل نظام بشار.
  2. التعاون معه ضمن مشروع الثورة المضادّة بالتنسيق مع روسيا في مواجهة تركيا في المنطقة، وهذا لا يمانع منه بشار بعدما توسّعت خطوط المواجهة إلى ليبيا.

فمن استراتيجية “بوتين” (المافيوية) أنّه يصنع حلقات الضعف لحلفائه وخصومه، ليمارس بعدها مهنته المفضَّلة بالابتزاز والتحكّم، فنفس الأسلوب يستعمله مع تركيا ليبتزّها في قضايا تخدم مصالح موسكو.

إن المشروع الإيراني- الروسي لإعادة تأهيل النظام بشار محكوم بالفشل حتماً، حتّى لو نظم انتخابات صورية واعترفت بها بعض الدول، فهو لا يعني انتهاء الثورة السورية، بل تشير إلى الانتقال من مرحلة لها طبيعتها وأدواتها إلى مرحلة أخرى مختلفة عنها، لها معطياتها وأدواتها أيضاً.

وقد تشير المعطيات الحالية بعد آثار وباء كورونا -الذي ضرب اقتصاديات كلّاً من روسيا وإيران- إلى تغيير دراماتيكي يمكن أن يحصل في الأشهر القادمة سواء ببقاء الأسد أو بتغييره.

هذا يعني أننا مقبلون على مرحلة تؤكد ضعف حلفاء نظام الأسد، وضعف النظام الغارق بأزمة الفساد والإفلاس والأمراض، وهو ما يتطلب من المعارضة السورية اقتناص الفرصة والتحرك بذكاء في مسارات هذا الضعف لإعادة التموضع على خريطة الفاعلين بقوة، مع الاستعداد للحظة إقلاع الصراع الذي سيبدأ مع انتهاء أزمة جائحة كورونا ضمن هذا المناخ الذي يشير باستعداد جميع الأطراف للحرب

تلفزيون سوريا

اترك رد