إجراءات الدفن والعزاء.. معاناة جديدة وصعوبات تواجه النازحين في شمال غرب سوريا

باتت مراسم دفن الموتى في شمال غرب سوريا، أمراً مرهقاً على النازحين من جنوب المحافظة وبقية مناطق سوريا، خصوصاً مع الكثافة السكانيّة فيما تبقّى من ريف إدلب.

وتتمثل بعض الصعوبات في تأمين مكان القبر، وإجراءات الدفن والعزاء، وسط أوضاع صعبة يعيشها مئات الآلاف من السوريين في شمال غرب سوريا.

دفن وعزاء في أماكن النزوح

يزيد الحالة صعوبة وتعقيداً عندما يكون المتوفى وعائلته من النازحين، حيث تواجههم عدة عقبات وصعوبات تزيد معاناتهم الأساسية الناتجة عن الفقد. ليصبح النزوح عائقاً في وجه بعض الترتيبات، أو العادات التي كان يتبعها النازح قبل نزوحه.

أن تفقد عزيزاً وأنت نازحٌ في مكان بعيد، ذلك أمر صعب يضيف إلى النزوح مرارة جديدة، يقول الإعلامي بهاء سويد، النازح من مدينة كفرنبل، ويضيف: “دفنّا جدتي في مدينة الدانا، يوم الأربعاء الماضي، ولم تواجهنا أية صعوبات أثناء عملية الدفن، لأن أحد المتبرعين قدم أرضه ليدفنَ النازحون موتاهم فيها، وهي نفسها التي دفن فيها عبد الباسط الساروت، وتعتبر خاصة بالنازحين الذين لا يملكون مقبرة يدفنون فيها أمواتهم”.

وأضاف السويد في حديث لـ بروكار برس “لكن هناك صعوبات وعقبات واجهتنا قبل الوفاة وبعد الدفن، على سبيل المثال خالتي لم تستطع رؤية جدتي “والدتها” قبل وفاتها، بسبب بعدها عن المنطقة وعدم قدرتها على الوصول قبل وفاتها، ما اضطرها للسفر في اليوم الثاني من الوفاة”.

وأردف بالقول: “أما بالنسبة لواجب العزاء، فكان هناك مشقة كبيرة، لأن الغالبية من الأقرباء يتوزعون في بلدات وقرى إدلب، ولم يتمكن الكثير منهم الحضور شخصياً لتقديم واجب العزاء، فاضطروا إلى التعزية عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.

صعوبات يفرضها النزوح

يقول الناشط قصي الحسين، من قرية الغدفة، شرق معرة النعمان، وهو نازح يقيم في قرية عقربات الحدودية: “بما يخص عملية الدفن، إلى الآن لم نواجه صعوبات تتعلق بالدفن نفسه، فجميع من توفي من أهل القرية في النزوح، دفنوا في أماكن نزوحهم نفسها. سواء في سلقين أو كفرتخاريم أو كفريحمول، والمشكلة الوحيدة التي ذكرت حول الأمر هي ما تم الحديث عنه في فترة سابقة من رفض أهالي عقربات دفن النازحين في قريتهم، والقصة أن المقبرة الخاصة بالقرية صغيرة، ولم تعد تتسع مزيداً من القبور، ولم ترد أية حادثة أخرى عن منع أهالي البلدات لدفن موتى النازحين”.

وتابع الحسين، أن “المعاناة الحقيقية هي في التعزية، لأن سكان القرية توزعوا في عدة مناطق، ولم يعد بإمكان الجميع المشاركة في واجب العزاء، وإنما تقتصر على المقربين جداً من المتوفى”.

وختم قائلاً: “من عادتنا السابقة في القرية أننا نقيم العزاء في سرادق عزاء كبير (خيمة كبيرة)، يتسع لأكثر من 300 شخص، لكن اليوم يقام العزاء في غرفة صغيرة في بيت النازح، حتى أنها لا تمتلئ بالمعزين، لأن الغالبية يقومون بواجب العزاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.

ولم يرخِ النزوح ثقله على أهل المتوفى فقط، بل أثقل كاهل أقربائه وأصدقائهم، أبو عبدو نازح من مدينة معرة النعمان، يقيم في مدينة إدلب. يقول لـ بروكار برس: “الصعوبات التي نواجهها في التعزية، لا تقتصر على المقربين من المتوفى فقط، بل يعاني غالبية الأقرباء والمعارف من صعوبات الأخذ بواجب العزاء في النزوح”.

وأكمل حديثه “عندما توفي عمي الذي يقيم مع ابنه الوحيد في مدينة سلقين، كنت أنا وغالبية الأقرباء أمام مشكلة، هي أننا لا بد وأن نحضر العزاء، ولكن لوقت قصير ومحدود. فلا يمكننا البقاء طيلة أيام العزاء. بسبب ضيق المكان الذي يقيم فيه ابن عمي، فهو بيت صغير مكون من غرفتين، ما دفعنا للتعزية والعودة بعد ساعات قليلة إلى أماكن إقامتنا”.

حلول مؤقتة


انتشار النازحين من أهل البلدة الواحدة في مناطق مختلفة من محافظة إدلب، دفع بعض الناشطين للبحث عن حلول مؤقته تسهل إجراءات الدفن، وتقرب النازحين من بعضهم في حالات الوفاة.

تقول الناشطة الاجتماعية سعاد الأسود، من مدينة كفرنبل: “نتيجة توزع أهل المدينة مختلف مناطق النزوح، وصعوبة التواصل لتقديم واجب العزاء، اقترحت قبل فترة من الزمن فكرة العمل على شراء أرض خاصة بدفن موتى أهل المدينة، في منطقة تتوسط الأماكن التي ينتشر فيها النازحون. بحيث تكون هذه المقبرة مكاناً يجتمع فيه أموات المدينة بعد أن افترق أحياؤها، حتى تسهل زيارتهم بشكل جماعي في الأعياد، لأننا نهتمّ بزيارة القبور في العيد، وفاءً منا لأرواحهم، ولكي نكون قريبين منهم في ذلك اليوم”.

وتابعت الأسود في حديث لـ بروكار برس: “لاقت الفكرة ترحيباً من بعض وجهاء المدينة، وطرحوها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لبدء تطبيقها على الأرض”.

وبينما ينتظر النازحون الأحياء العودة إلى مدنهم وقراهم التي سيطرت عليها قوات النظام السوري والمليشيات التابعة له، حُرِمَ من توفي منهم من أن يدفن في قريته أو مدينته، مع استمرار مأساة النزوح.

بروكار برس

اترك رد