كورونا زائلة والثورة مستمرة؟

كما تجرأ مجلس النواب ومعه الحكومة في تجاوز الحجر المنزلي، للاجتماع في جلسة تشريعية، كذلك أبدى قسم من اللبنانيين شوقاً للخروج من المنازل.. إلى التظاهرات.

ما كان متوقعاً بدأ وحدث. العودة إلى النشاط السياسي الرسمي، رافقته تلقائياً عودة إلى النشاط “الثوري”. معادلة كان يتهيبها أهل السلطة، بقدر ما كان يتمناها جمهور 17 تشرين الذي أصابه الوهن مع مطلع العام 2020.

المهلة الأشبه بالهدنة التي واكبت انطلاقة حكومة حسان دياب، والتي تحولت إلى مهلة قسرية فرضها الفيروس، شارفت على الانتهاء. التوقعات بالرجوع إلى الصدام المفترض بين السلطة والشارع تصاعدت في الأيام الأخيرة.


النجاح الملحوظ، الذي يصعب إنكاره، في مكافحة كورونا، لن يكفي هذه الحكومة ومن يتحكم بها لتنال براءة الذمة. فالكارثة المالية – الاقتصادية، المضاف إليها تبعات الإجراءات التي فرضتها “التعبئة العامة”، أصابت أكثرية اللبنانيين – ومن دون مبالغة- بخراب أحوالهم، على نحو أعدم مستقبل جيل بأكمله، وبدد جهود جيلين سابقين على الأقل.

الطبقة السياسية برمتها، ومن ورائها الحزب الحاكم، أظهرت ازدراءً كاملاً بكل العناوين الأساسية لانتفاضة الخريف. بل ومارست على نحو مفضوح ومبتذل كل أنواع التدليس والاحتيال والسطو على “لغة” 17 تشرين، كنوع من احتقار متمادٍ لذكاء المواطنين.

الأفدح من ذلك، أن ما يسمى “العهد” وحليفه الحزب المسلح من ناحية، كذلك ما يسمى “معارضة”، تمادوا أكثر فأكثر في ما اعتادوا عليه من مهاترات وحزازات وكمائن ودسائس وتراشق التهم والتفضيح المتبادل، عدا عن جموحهم إلى التسعير الطائفي والتحريض الغرائزي ونكء الأحقاد وتبادل النكايات، بما يؤكد استحالة تعقيمهم من فساد سياسي عريق ومتأصل فيهم.


أشهر خمسة ما بين الخمود والحجر المنزلي، لم تنتج سوى المزيد من اليقين بأن النظام اللبناني القائم هو أكبر تهديد لحياة اللبنانيين وصحتهم ومستقبلهم. وأنه مرض عضال يجب استئصاله.

هذا النظام الذي وضع في الواجهة وزراء تكنوقراط، لربما يكونون ناجحين إدارياً وتقنياً، بما يخدع اللبنانيين ويهدئ نفوسهم، لم يستطع أن يقدم ولو مثالاً واحداً على رغبة بالإصلاح أو بالتغيير. لا في السياسة ولا في الممارسة الدستورية ولا في الاقتصاد ولا في الرعاية الاجتماعية ولا في القضاء. بل لم يستطع أن يكون مهذباً ولو ليوم واحد. بقي هكذا فاجراً طائفياً فاسداً يحمي الفاسدين.

اليوم ما بين إشكالية أن يكون المسلحون في قصر اليونسكو ملتبسي الهوية، هل هم ميليشيات حزبية أم رجال أمن رسميين.. من ناحية، ثم صفقة “العفو العام” التي هي أشبه باتفاق بين مذنبين يبرئون مجرمين، من ناحية أخرى، تتكشف سمة هذا النظام المستولي على الدولة في مشهد واحد.

يستغبي هذا النظام مواطنيه، يريدهم أن ينكفأوا إلى جحور الطائفية، إلى التشرذم جماعات متحاقدة، أن يرتضوا حشرهم بين خياري الاستتباع أو الجوع، أن يسلموا بلدهم لسياسة معادية للعالم العربي وللمجتمع الدولي، أن يدفعوا من جيوبهم بدل ما سرقته عصابة حلف السياسة والمال، أو على الأقل ما أهدرته وبددته وأخطأت في استثماره وإدارته، إلى حد الجناية والجرم.

هذا النظام الذي استثمر بنجاح واقعة كورونا، وأعاد إحياء “القطيعية” عبر منظومة الخدمات والإغاثة والمساعدات، تماماً كما يحب أن يرى اللبنانيين، جماعات عاجزة أن تكون شعباً، يؤرقه ما رآه في الخريف المنصرم.. ويفزعه أكثر تباشير عودة مشاهد تشرين.

“كورونا زائلة، الثورة باقية”. شعار بدأ ينتشر منذ أيام، كوعد ربيعي.

نأمل ذلك.

المدن

اترك رد