تاريخنا وتاريخ الفيروس

راتب شعبو

يستحق فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) أن نسميه الفيروس، بألف ولام العهد. اليوم يصنع الفيروس تاريخه الخاص، ينسلّ إلى تاريخنا ويسكنه ويستولي عليه ويستتبعه، تماما كما يفعل الفيروس بالخلية، يسكنها ويستولي عليها ويحيلها إلى مصنع لتكاثره. وكما يحتاج الفيروس إلى بروتينات خاصة (أنزيمات) تساعده على دخول الخلية، كذلك يحتاج تاريخ الفيروس إلى ثغرةٍ في تاريخ البشرية المعاصر، كي يقتحمه ويعبث به، وهذه الثغرة هي انصراف البشرية إلى ابتكار وسائل لسيطرة البشر على البشر، والانشغال بذلك عن تطوير العلوم الطبية، سيما علم الصحة العامة والأوبئة وتوفير الأمان الصحي. فقط حين تقع الفأس في الرأس، تخرج الأموال من العلب المغلقة لدعم البحوث، تخرج بوفرةٍ لكي يبرهن السياسي حرصه الشديد على الشعب، ولكنها تخرج متأخرة، في وقتٍ يتحول فيه زمن البشرية إلى مزيج من الرعب والشلل والموت.كل جوانب تاريخنا صارت تابعة لتاريخ الفيروس. تتوقف كل الأنشطة غير الضرورية لاستمرار الحياة: مؤسسات التعليم، المصانع، حركة النقل البعيد، الأنشطة الرياضية والفنية .. إلخ. تتوقف أيضاً الزيارات العائلية والنزهات، تغلق حتى الحدائق العامة. يلزم الناس بيوتهم، ينسحبون أمام هجوم الفيروس في مسعىً إلى كسب الوقت، بما يشبه السياسة التي سبق أن اعتمدها الروس أمام جيش نابليون بونابرت الجرار حين هاجم روسيا، فاشترى الروس الوقت بالمساحة، وانسحبوا إلى عمق روسيا، حارقين وراءهم المحاصيل والمدن، بما فيها موسكو، تاركين بونابرت وجيشه تحت رحمة المسافات الخالية ونقص المؤن، والشتاء الروسي القاسي. .. والعالم اليوم بانسحابه غير المسبوق أمام الفيروس إنما يشتري الوقت أيضاً بانتظار إنجاز علمي (علاج أو لقاح)، أو على أمل أن يتراجع الفيروس بطريقة ما.
عانت البشرية من أربعة إذلالات علمية: فلكي على يد كوبرنيكوس في اكتشافه أن الأرض 

“تشديد كارثة الفيروس اليوم على المشترك “الطبيعي” بين البشر يقابله السياسيون بنزوع انقسامي”

(مسكن البشر) ليست مركز الكون، وفيزيائي على يد إسحق نيوتن الذي كشف أن قوانين العالم العلوي (السماء) تطابق قوانين العالم الدنيوي، وبيولوجي جاء به داروين في دراسته عن نشأة الأنواع الحية وإظهار الأصول الحيوانية للإنسان، ونفسي على يد فرويد الذي اكتشف قارّة جديدة في نفس الإنسان هي اللاوعي، ما يجعل الإنسان كائناً غريزياً أكثر منه عاقلاً، كائناً محكوماً أكثر منه حاكماً. وأضاف الفيروس إذلالاً آخر للبشرية، يختلف عن كل ما سبق من إذلالات بأنه لا يأتي بفعل تطور البشر العلمي، بل بالأحرى بفعل هشاشة تطوّرهم العلمي أو لا توازنه.
يعيد الفيروس الذي ينشر الرعب اليوم تذكيرنا أن العالم واحد، وأن تقسيماته السياسية وانقساماته الطبقية والقومية والعرقية والدينية شديدة التفاهة أمام وحدته “الطبيعية”. يعرض علينا الفيروس مستوىً عاليا من المساواة، يقترب من المساوي الأكبر الذي هو الموت. لا يعترف الفيروس بجغرافيا أو حدود سياسية أو تباينات طبقية أو دينية. يتوسّل أي شيء كي ينتشر ويزيد من فرص حياته على حساب حياتنا. كل الناس لديه سواء. لا ينفع مع هذا الفيروس مالٌ ولا بنون. ترتعد منه ملكة بريطانيا ومغرور البيت الأبيض و”عنتر” روسيا وأمثالهم، أكثر مما يرتعد منه أهالي المخيمات ومساكن البؤس.
في كوريا الجنوبية التي استطاعت أن تحتوي موجة الوباء، بفضل الالتزام والجدّية في التعامل مع الخطر، طُلب من المقيمين غير الشرعيين أن يتقدّموا لمراكز الفحص المجانية مع تطمينهم أنه لن يكون في ذلك أي تهديدٍ لإقامتهم. وفي أميركا، تعلن السلطات أنها جاهزة لمنح تأشيرات الدخول للأطباء وجميع الكوادر الصحية من أي مكان من دون اشتراط أن يكون الطبيب غير مسلم! وفي غير مكان من العالم، يبنون ملاجئ للمشرّدين، كي يضمنوا ثباتهم وعدم تحولهم إلى مصادر نشر للفيروس. ولكن إلى جوار هذه “الأخوّة” الطارئة التي يفرضها الفيروس، ترتفع، على خلفية الرعب والأنانية وجمر التمييز الكامن في الثقافات، أصواتٌ عنصريةٌ تطالب مثلاً برمي الوافدين (البدون) في الصحراء، كما طالبت ممثلة كويتية. وتنهض وتعلو حواجز سياسية جعلت الدول لا مباليةً حيال الكوارث التي تحل بدول أخرى، وهي على علم أن الكارثة في طريقها إليهم. حتى بلدان الاتحاد الأوروبي التي ألغت بينها الحدود والجمارك ارتدّت إلى انغلاق قومي ضيق الأفق، فوقفت تتفرّج على مأساة إيطاليا مثلا، من دون أن تمدّ لها يد العون، ما جعل نائب رئيس الوزراء الإيطالي يزيل علم الاتحاد الأوروبي من مكتبه، ويضعه جانباً مخاطباً إياه “ربما نلتقي قريباً”، مشدّداً على “ربما”. 
المفارقة أن تشديد كارثة الفيروس اليوم على المشترك “الطبيعي” بين البشر يقابله السياسيون 

“لا يعترف الفيروس بجغرافيا أو حدود سياسية أو تباينات طبقية أو دينية”

بنزوع انقسامي، وبانكفاءات قومية انعكست سلباً على مواجهة الفيروس ومحاصرته، وتنعكس على سرعة إيجاد علاج أو لقاح له. العمومية البشرية التي يشدّد عليها الفيروس يقابلها السياسيون بتشديدٍ على الذاتية القومية، ولا غرابة في الأمر، ذلك أن المحرّك العميق للسياسي “الديمقراطي” في النظام العالمي الحالي يتلخص في سعيه إلى أن يكون بطلاً “قومياً”، يحمي شعبه من كارثةٍ لحقت بالآخرين. هذا ما يفسّر مسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى شراء حقوق ملكية لقاح يقوم بتطويره مخبر ألماني ضد فيروس كورونا، بمليار دولار، على أن يقتصر استخدامه في الولايات المتحدة فقط.
لا يستجر السياسي قيمة، في مثل هذا النظام العالمي، إذا كانت كل شعوب العالم في خير، بل إذا كان العالم في مآس وويل وشعبه في نعيم وخير، ذلك على الضدِّ من الحقيقة التي ما فتئ يؤكّدها التاريخ المعاصر، ويشدّد عليها الفيروس اليوم، والتي تقول بكل اللغات: إن خير أي بلد مرهون، إلى حد كبير، بخير بقية البلدان.
كما كشفت كارثة تشيرنوبل (1986) وزلزال أرمينيا (1988) حدود النظام السياسي والاقتصادي السوفييتي وقصوره، وكانت مؤشرات على قرب انهياره، كذلك تظهر أزمة الفيروس حدود النظام السياسي الاقتصادي العالمي وتناقضاته اليوم، وهي مؤشّر مهم على ضرورة تجاوزه.

العربي الجديد

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more