لماذا تستعرض عصابة الأسد ثرواتها وتبذيرها الفاحش؟

يتراوح سعر الدولار الواحد اليوم بين 1250 و1260 ليرة سورية. تهاوي العملة كانت ترجمة طبيعية لسنوات الحرب التي دمرت المقومات الاقتصادية. انهيار القطاعات المنتجة وإفراغ الخزينة من العملات الصعبة، بالإضافة إلى تعاظم النهب لمقدرات البلد وثرواته، وتراكم الديون الخارجية، أدى إلى خسارة العملة لقيمتها.

في الحالة السورية، يبدو كل شيء واضحاً ومنطقياً: نظام موغل في الفساد يستنزف الدولة وموارد البلد في حرب مديدة وتدميرية، فيقضي على الاقتصاد، وعلى البشر والحجر.

بالطبع، نظام لا يأبه لتبعات سياسته ونتائجها على مواطنيه، يستجلب أيضاً العقوبات الدولية والعزلة، بما يودي بالبلد إلى التهلكة وإلى إفقار الناس، وسوسهم إلى الفاقة والعوز. وهو بهذا المعنى يقتل السوريين مرة جديدة.

وإزاء حقيقة الكارثة الاقتصادية ووقعها القاسي على المواطنين السوريين، كان هناك حقيقة أخرى مضادة: زيادة ثروة آل الأسد وآل مخلوف وآل الأخرس وسائر أفراد العصبة المتسلطة. كما لو أن هناك علاقة تناسبية بين إفقار سوريا واغتناء جماعة السلطة، إفلاس الدولة وإثراء الأسديين. لقد بينت استقصاءات مالية أن ثروات الأفراد الذين يمسكون بمقاليد السلطة قد تضاعفت وتوسعت خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، فبينما كانت تقدر ثروة بشار الأسد الشخصية (حسب “فوربس”) بحوالي 500 مليون دولار، باتت الآن أكثر من ستة مليارات دولار، على أقل تقدير.

هذا وقد تعمدت العصبة الحاكمة استعراض ثرائها المتعاظم في كل فرصة سانحة، كأسلوب تحدٍ سياسي، يكرس في عيون السوريين وعيون العالم، مناعة النظام وجبروته. ومقابل كل صور التشرد والفقر والجوع والإدقاع الذي يصيب الملايين، كانت أسرة الأسد تتباهى بشراء تحف فنية بعشرات الملايين من الدولارات. بل تتعمد هذه العصبة نشر صور وأخبار تبذيرها المفرط: الأعراس الأسطورية، السيارات النادرة، المجوهرات، اللوحات الخيالية الثمن.. شراء شقق في موسكو بأربعين مليون دولار. لوحة رسم بمبلغ 32 مليون دولار. الأوجه الكثيرة للتباهي بالثروة إعلامياً على نحو مقصود لها وظيفة سياسية ودعائية.

تعمدت العصبة الحاكمة استعراض ثرائها المتعاظم في كل فرصة سانحة، كأسلوب تحدٍ سياسي، يكرس في عيون السوريين وعيون العالم، مناعة النظام وجبروته

فهي سياسة ممنهجة فحواها أن النظام مقتدر وقوي وثري. فذهنية هؤلاء شديدة التمحور الجنوني حول الذات الديكتاتورية، هي ذهنية على نسق “الأسد أو لا أحد”، بمعنى أن سوريا هي هم. وهم وحدهم سوريا كلها. التماهي المطلق بين الأنا الديكتاتورية والبلد كله، ما يمحو الأخير ويدغمه في شخص الحاكم وحاشيته.

هكذا هي سوريا، مُلكية عائلية. كانت كذلك مع الأب وأزلامه وصارت أفدح وأشد مع الابن وزوجته وأقربائه ورهط أصحابه. وهؤلاء، نكاية بملايين السوريين وبالعالم كله، يستعرضون فحش ثرواتهم كبيان سياسي يقول: لم نسقط. لم ننهزم.

المعادلة التي فرضها النظام على السوريين هي: رفاهيتي مشروطة بحرمانكم، شبعي يساوي جوعكم. بقائي مرهون بموتكم. “كرامتي” قائمة على إذلالكم. ثروتي متحصلة من إعدامكم.

آل الأسد يريدون القول إنهم انتصروا بوسيلة واحدة: إبراز مقدار النهب، وإظهار السيطرة عبر سعة الاستيلاء. ليس تكديس المال وتضخيم الأرصدة في البنوك والخزائن هو الهدف وحسب، وإنما أيضاً تثبيت مفهوم امتلاك البلد ومقدراته. السلطة والمال معاً. وغاية الحكم هنا هي التسيد المطلق.

الرغبة المحمومة التي لا تنطفئ لهذه العصبة لوضع اليد والاستحواذ والسيطرة والتسلط التام، تجعلها نهمة وشرسة وإجرامية ولا ترتوي أو تشبع مهما كسبت وجمعت وراكمت من ثروات. جوعها الشيطاني لا ينتهي، ويتحول إلى هوس جنوني وقاتل، يدفع ثمنه شعب يتم دفعه على هذه الحال إلى الجوع والإدقاع..

هي سياسة ودعاية اعتمدتهما الأنظمة الشبيهة بنظام الأسد. فآل “كيم” في كوريا الشمالية، وفي لحظة موت نحو خمسة ملايين جوعاً، بالمعنى الحرفي للكلمة، كان الصبي “كيم جونغ أون” هو أهم مستورد لأفخم أنواع المشروبات الفرنسية وأبهظها ثمناً. كان يتعمد إظهار تبذيره الفاحش لـ”يطمئن” شعبه، الذي كان يأكل لحاء الشجر، ويؤكد للعالم أيضاً، أن النظام ليس جائعاً ولا فقيراً.

مثال أقرب، هو عراق صدام حسين. فمنذ العام 1990 وحتى العام 2003، وقع العراق في حصار العقوبات الصارمة. وعلى امتداد أسوأ 12 عاماً عاشها العراقيون اقتصادياً، حين بات راتب موظف حكومي يساوي ثمن بيضة واحدة.. تعمّد صدام حسين أن ينفق ثروة هائلة بمئات الملايين من الدولارات لبناء سلسلة من القصور الباذخة الخاصة به في مختلف أرجاء العراق. قصور هي بمثابة نصب تذكارية وشواهد على ثروة عصبة السلطة، فيما كان ابنه عدي يمارس بذخاً ومجوناً يفوق التصور. وكان برنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي هندسته الأمم المتحدة، بقصد تأمين قوت الشعب العراقي تحت ظل العقوبات والتضييق فقط على الدولة الحاكمة، لكن هذا البرنامج سرعان ما تحول إلى مفسدة كبرى ومصدر لثراء عائلة صدام حسين وحاشيته مقابل إفقار العراقيين الذين كانوا في السبعينات يعيشون مستويات تضاهي مستوى معيشة الكويتيين والإماراتيين والسعوديين.

ما نظنه فضحاً لتبذير آل الأسد ولسلوكهم اللصوصي، هو بالنسبة لهم “دعاية” سياسية تبرهن على متانة سلطتهم وتمكنهم. وهم يظنون ويؤمنون أن ما يجمعونه وما ينفقونه ليس إلا “مكافأة” طبيعية لتبوئهم سدة السلطة، وبوصفهم يمثلون سوريا كلها وما عليها. ثم إنَّ رفاهيتهم وكنوزهم إنما بظنهم هي التعبير الوحيد عن رفاهية تلك الـ”سوريا” أو بالأحرى البلد المزرعة المملوك لهم وحدهم.. وإلى الأبد.

إيمان هذه العصبة بحقها المطلق في الاستحواذ على كل شيء وتبديده كما يحلو لها، جعل سوريا هكذا، خاسرة نصف شعبها في التشرد والمنافي والموت، والنصف الآخر في الفقر والمذلة والعوز واليأس.. وحياة الخنوع والخوف.

باع الأسد أو تخلى عن مصادر الاقتصاد السوري وموارده ومرافقه للذين حاربوا معه وأبقوه متسلطاً على الحكم، للروس والإيرانيين خصوصاً. أفلس سوريا كي لا يترك كرسيه.. بخّس سعر الليرة السورية كي تبقى صورته مطبوعة عليها. أفرغ خزينة الدولة كي يرى في خزائنه وحساباته المليارات المتكدسة.

ليس بشار الأسد “رجل أعمال”. لا يعمل بالتجارة ولا بالصناعة، وعلى الأرجح ليس مقاولاً. ليس مجرد “رئيس جمهورية” (كبير موظفي الدولة ورأس هرمها السياسي). ليس رئيس حزب حاكم. ليس ملكاً بالمعنى الدستوري، ولا حتى زعيماً سياسياً. إنه وحسب رئيس عصابة إجرامية استولت على بلد.

يوسف بزي – تلفزيون سوريا

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more