“تحرير الشام”تنتهك حقوق مسيحي إدلب:مثال حي يخدم النظام!

قررت “هيئة تحرير الشام” مؤخراً وضع يدها على أملاك المسيحيين الغائبين في محافظة إدلب، والحاقها بمكتب (أملاك النصارى) التابع لحكومة الانقاذ التابعة لها، منهية بذلك، وبشكل كامل هذه المرة، صلاحية التوكيلات الممنوحة من قبل أصحاب هذه الأملاك التي كانت بحوزة جيرانهم وأقربائهم.
وقد تفاوتت تقديرات هذا القرار، بين من اعتبره جزءاً من الانتهاكات التي لحقت بالمسيحيين منذ سيطرة “الهيئة” على المحافظة، وبين من اعتبره إجراء يهدف إلى توفير إيرادات إضافية للهيئة، التي تحاول الهيمنة بشكل كامل على مقدرات المدينة وريفها الاقتصادية، ضمن إجراءات أخرى اتخذت مؤخراً بشكل عام، بينما تقول “تحرير الشام” إن هذا القرار يهدف إلى قوننة استثمار أملاك الغائبين، وتحويل الأملاك العائدة للمتعاملين مع النظام منهم إلى ملكية الحكومة.
وعلى الرغم من عدم صدور قرار رسمي معلن من قبل “هيئة تحرير الشام” أو حكومة الانقاذ بهذا الخصوص، إلا أن ناشطين وشهود عيان أكدوا أن (مكتب أملاك النصارى) قرر رفع أسعار الايجارات وزيادة بدل استثمار أملاك المسيحيين الغائبين، سواء السكنية أو الزراعية التجارية، وكذلك سحب حق الاستفادة من كثير من شاغليها ومنحها لمستفيدين جدد.
مسيحو ادلب قبل الثورة
ومنذ سيطرة فصائل المعارضة على إدلب عام 2016، مثلت قضية الأقليات الدينية في المحافظة مسألة اختبار لهذه الفصائل، حيث تعيش إلى جانب الغالبية من العرب السنة في إدلب، طائفتان صغيرتان هما الموحدون الدروز والمسيحيون.
يعتبر مسيحيو إدلب تاريخياً جزءاً من مسيحي سوريا العليا، ومركزها الكنسي في انطاكية، ولذا فهم على الأغلب امتداد لعائلات مسيحية تعيش في شمال وشمال غرب سوريا الحديثة، وجنوب غرب تركيا، بل إن العديد من الأسر المسيحية الإدلبية قدمت من لواء اسكندرون بعد اتفاقية منح اللواء لتركيا في ثلاثينات القرن العشرين.
وبالمقابل أيضاً، عرف المسيحيون الأدالبة حركات هجرة بطيئة، لكن واضحة خلال القرن الماضي، جزء بسيط كان إلى خارج البلاد، والغالبية إلى محافظات أخرى كاللاذقية ودمشق، أما القسم الأكبر ممن غادر إدلب، فقد توجه إلى حلب واستقر في الأحياء المسيحية في المدينة، كالميدان والسريان الجديدة.
وحتى العام 2011، كان عدد المسيحيين في إدلب وريفها يتراوح بين العشرين وخمسة وعشرين ألف نسمة، توزعوا على قرى في الريف الغربي، بينما عاش أبناء المدينة في الحي الذي توجد فيه كنيسة السيدة العذراء، وقد أخذت الطائفة دورها الطبيعي في حياة المحافظة سياسياً واقتصادياً وفكرياً.
مسيحيو إدلب بعد 2011مع بداية الثورة، لم يكن المسيحيون في إدلب مختلفين عن بقية الطوائف والمكونات الاجتماعية في مختلف أنحاء سوريا، حيث انقسم هؤلاء أيضاً في الموقف السياسي، ومثل جميع السوريين، كان بينهم المؤيد للنظام والمعارض له والفئة المحايدة التي التزمت الصمت، وهو الموقف الذي طبع قادة الكنائس في إدلب أيضاً، حيث لعب الخوف من سيطرة الجماعات الإسلامية المتشددة على البلاد دوراً أساسياً في الحد من انخراط المسيحيين في الثورة.
عام 2012 كانت بلدة الغسانية أولى المناطق المسيحية التي سيطرت عليها فصائل المعارضة في ريف إدلب، ولم تسجل حينها أي مظاهر خاصة لهذه السيطرة، بسبب نزوح سكان البلدة قبل ذلك مع اقتراب المعارك منها، ثم لحقت بها قرية اليعقوبية وبلدة القنية، ضمن معركة “التوحيد والإخلاص” نهاية العام 2012، عندما نجحت الفصائل بفتح طريق الامداد بين ريف إدلب الغربي ومناطق سيطرتها في ريف اللاذقية.
لم تشهد هذه المناطق تسجيل انتهاكات بارزة أو كبيرة بحق السكان المسيحين بعد سيطرة الفصائل العسكرية عليها، على الرغم من مشاركة قوى سلفية في هذه المعارك ضد قوات النظام، كجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وغيرها، ورغم تسجيل بعض التجاوزات، إلا أن الحضور القوي للجيش الحر وقتها، وغلبة المقاتلين المحليين من أبناء المنطقة، ساهم في الحفاظ على الهدوء وسير الحياة بشكل طبيعي تقريباً في ما يتعلق بالأسر المسيحية، التي غادر قسم كبير من أبنائها لاحقاً، بعضهم توجه إلى مناطق سيطرة النظام في إدلب المدينة، أو غيرها من المحافظات، وبعضهم غادر إلى تركيا.
لكن هيمنة القوى الإسلامية على تحالف جيش الفتح المعارض، الذي نجح بالسيطرة على مدينة إدلب وطرد النظام مما تبقى من ريف المحافظة عام 2016 جعلت الغالبية العظمى من أبناء المدينة المسيحيين يغادرونها منذ اللحظة الأولى لسيطرة المعارضة عليها، ليتبقى عدد محدود منهم، غالبيتهم من كبار السن.
لم تسجل انتهاكات واسعة أو سقوط ضحايا بين المسيحيين من سكان مدينة إدلب أو الريف على يد القوى المحسوبة على المعارضة، لكن الانتهاكات تركزت على الجانبين المادي والروحي، حيث جرى تخريب بعض الأديرة وتهديم عدد من الكنائس وتكسير الصلبان المرفوعة على المعابد التي لم تتعرض للتدمير واستمرت في استقبال المصلين واقامة القداسات لكن بقيود.
وتشترط “هيئة تحرير الشام” منذ سيطرة المعارضة على محافظة إدلب، على من تبقى من المسيحيين فيها، عدم قرع أجراس الكنائس أو إظهار الرموز الدينية أو اقامة فعاليات احتفالية بشكل علني خارج الكنائس و المنازل.
وعلى الرغم من وضع “الهيئة” يدها على أملاك تعود لمسيحيين من سكان المدينة أو ريفها، منذ اللحظة الأولى لسيطرتها على إدلب، بذريعة أن أصحاب هذه الأملاك موظفون لدى النظام أو على علاقة به، إلا أن حملة المصادرة الأخيرة ووضع اليد على الممتلكات التي تعود للمسيحيين الغائبين التي أطلقتها “تحرير الشام” مؤخراً تعتبر الأوسع على الإطلاق.
إضرار بالثورة وخدمة للنظاميتفق الجميع في المعارضة تقريباً على أن هذه الممارسات شكلت باستمرار خدمة كبيرة للنظام، باعتبارها تمثل التأكيد العملي للدعاية التي عمل على ترويجها منذ اللحظة الأولى للثورة، بوصفها حراكاً سلفياً متشدداً، كما ساهمت في مساعدته على تقديم نفسه كحامٍ للأقليات، وخاصة المسيحية منها، بينما يعتبر البعض أنها جزء من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المتشددة ضد كل المكونات الدينية والاجتماعية، بما في ذلك المكون السني الذي لم يسلم من جناية هذه القوى.
لكن فادي جبور، وهو صحافي معارض ينتمي إلى أسرة مسيحية معروفة في إدلب، يعتقد أن ما قامت به المجموعات المتطرفة في هذا الصدد “إنما يرقى إلى مستوى جرائم وليس انتهاكات، وهو يصب حتماً في صالح النظام وقد ألحق ضرراً كبيراً بالثورة”.
وقال جبور ل”المدن”: “بالنسبة لي فأنا أرى الأمور من زاوية وطنية أكبر من كوني مسيحياً، وأرى أن هذه الأفعال كانت كارثية على الثورة بكل المقاييس وعلى كافة المستويات الداخلية والدولية. فقبل ظهور هذه الجماعات كانت الثورة تسير في الطريق الصحيح لتحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها، والتي يوافق عليه أغلب السوريين، حتى غير المنخرطين في الثورة، وكان الموقف الدولي آنذاك داعما للثورة بشكل كبير”.
ويضيف “لكن مع ظهور القوى المتطرفة، بدأت الثورة تخسر المكتسبات التي حققتها، كما بدأ الانحراف في الفكر الذي قامت لأجله، وهو إقامة دولة المؤسسات المدنية المعاصرة، على أساس العدالة والمساواة وسيادة القانون، إلى فكر متطرف عابر للحدود لا يمت للثورة بصلة، يهدد كل السوريين بمختلف انتماءاتهم، وبالتالي فإن التحدي الأخطر الذي يواجهنا الآن هو الانهيار في المنظومة الفكرية والاجتماعية في المجتمع، والذي بدأ به نظام الأسد واستكملته هذه المجموعات، فأصبحنا بين سندان الديكتاتورية ومطرقة التطرف”.
في السياق، يروي أحد مقاتلي الجيش الحر من أبناء ريف جسر الشغور، قصصاً عن مرحلة السيطرة على المنطقة، والتعامل مثالي للفصائل مع سكان القرى المسيحية، ويؤكد أن العناصر المحليين تمكنوا من منع حدوث تجاوزات ضد هؤلاء السكان. 
ورغم أن هذه الرواية قد يكون مبالغاً فيها، إلا أنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تنامي قوة وهيمنة المجموعات السلفية، لم يؤدِ فقط إلى انتهاكات بحق المسيحيين والمدنيين عموماً، بل وبفصائل الجيش الحر ذاتها، التي باتت تعاني في سبيل حماية نفسها من سياسات تلك الجماعات وممارساتها، التي يتفق جميع الثوار تقريباً على الضرر الكبير الذي ألحقته بالثورة والخدمات الكبيرة التي قدمتها لدعاية النظام وسرديته عن الثورة، وخاصة تلك المتعلقة بالأقليات، وفي مقدمتها الطائفة المسيحية في سوريا.

المدن

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more