جنرال الكارثة وحزب الحروب وسعر الدولار

هبط راتبي من ما يوازي 75 دولاراً إلى 10 دولارات في 25 يوماً. حدث ذلك في العام 1989. وقعتُ برعب تأمين غذائي على نحو يومي. الجيل الأكبر من الصحافيين المخضرمين وجدوا ملاذهم في الصحف والمجلات العربية، إن في باريس أو لندن أو نيقوسيا أو عواصم الخليج، وشكلوا لنا عوناً لا يُنسى (بداية صحافة “الاستكتاب”). كانت الحرب تنتهي من غير خاتمة واضحة، مع جنرال عنيد قرر استئنافها، طمعا أن يكون له في التاريخ فصله الخاص من الحروب اللبنانية والملبننة. وضمناً، طمعاً بسدة رئاسة على خرائب.

الجنرال نفسه لم يتوان عن قصف المصرف المركزي في الحمرا، حيث كان يقبع حاكمه العجوز إدمون نعيم وراء أكياس رملية حصّن بها مكتبه، والذي كان يضطر إلى دفع رواتب حكومتين وإرضائهما في آن واحد: حكومة الحص المستقيلة (والعائدة عنها) وحكومة ميشال عون العسكرية.

في ذاك الوقت، كانت لحزب الله أيضاً حرب “إلغاء” ضد حركة أمل بالشراسة نفسها التي ميّزت معركة عون مع “القوات اللبنانية”، وإن جرى فيما بعد تواطؤ شيعي عمومي على ابتلاع ذكراها وتناسيها.

مع الجنرال والحزب، وبتراكم الحروب السابقة عليهما، وصلنا إلى الحضيض. انتقل سعر الدولار من حوالى ثلاث ليرات ونصف ليرة مطلع الثمانينات إلى أكثر من ألفي ليرة في أواخر ذاك العقد.


وبرعاية حافظ الأسد ومخابراته وجيشه وحلفائه، كما بكيد ميشال عون ومدفعيته، كان المنفى من نصيبه، وكان مقتل أول رئيس بعد الطائف، رينيه معوض، إيذاناً بتدشين عهد الوصاية الدموي والعنيف الذي سيتمم حلم عون ويأخذ سمير جعجع إلى الزنزانة. بعدها، انكشف لبنان على سلام أهلي ملتبس في حفرة الإدقاع والإفلاس والدمار الشامل. فكانت قفزة الدولار التاريخية في ربيع عام 1992 إلى ثلاثة آلاف ليرة.

بين الجنرال والحزب أوجه شبه كثيرة منذ ذلك الحين. إنهما وليدا الكارثة ومدمنا الكوارث، أو بالأحرى، هما أهل الكارثة.. وما الحياة عندهما إلا وقفة عز، كما قالها ذاك المصاب بجنون العظمة السياسية في الأربعينات. وغالباً ما تقترن تلك العبارة بميل انتحاري موتور وحربي وفجائعي.

و”العز” هذا في لغة اليوم، كرامة وعنفوان.. والقائلون به يرددون خطاباً يزدري الدولار وأهله وطلابه، ويستميتون للحصول عليه في آن واحد، على ما دلت التجارب منذ العام 2006، من ناحية، وما أسفر عليه دخول تيار “الإصلاح والتغيير” إلى السلطة منذ 15 عاماً، من ناحية ثانية، وتأكد أكثر في حكومات “العهد” ووزاراته الدسمة.


وإذا كانت كارثة الدولار، التي عرفتها نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات، مرجعها الأهم هو نضوب مصادر تمويل الحرب وتوقف الدعم المتعدد لميليشياتها، كما اضطرار سوريا الأسد في تطبيعها مع الغرب وأميركا بلحظة حرب الكويت، إلى الرضوخ لمطلب وقف تجارة المخدرات وبالأخص الأفيون الذي ساد سهل البقاع، ووقف مطابع الدولارات المزورة، وكذلك إغلاق المرافئ غير الشرعية ونشاطها التهريبي الكبير.. فإن كارثة الدولار اليوم إنما هي نتاج نكوص لبنان إلى لحظة أواخر الثمانينات: دولة مارقة بطبعة جديدة ومنقحة.

عاد الجنرال هذه المرة ليطارد أشباح الماضي. واستمر حزب الله في حروبه. وبقي أمراء الحرب على منوالهم الميليشياوي، وقبع حاكم مصرف لبنان متحصناً في مكتبه، موزعاً دولاراته من غير حساب أو اقتصاد.

30 سنة، وكأنها عمر الهباء.

المدن -يوسف بزي

اترك رد