من وباء إلى آخر.. مأساة متواصلة لخمسين مليون نازح

تفرض الأرقام الجديدة التي أقرت بارتفاع عدد النازحين داخليا في العالم إلى أكثر من 50 مليون شخص، الكثير من الرهانات أمام الدول والحكومات ومنظمات حقوق الإنسان في مستويات عدة، خاصة أن تفاقم أزمة اللاجئين تزامن مع تفشي كورونا أحد أخطر الفايروسات التي عرفها تاريخ الإنسانية. وكما يجد الفارون من الحروب أو من الجوائح والكوارث الطبيعية أنفسهم في أوضاع تعيسة محفوفة بمخاطر الإصابة بالوباء، تجد المنظمات الدولية أيضا نفسها أمام معادلة صعبة التحقيق وهي تلك التي تتعلق بإيجاد توازن بين تقديم المساعدات للاجئين وبين التوقي من الإصابة بكوفيد – 19.

جنيف – أجبر تفشي فايروس كورونا جل الجهات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحتى الحكومات نفسها على تحديد، في سلم رهاناتها لدى مكافحة الكارثة الصحية، قائمات الفئات المجتمعية الأكثر عرضة للإصابة بالوباء، حيث تم التركيز على وجه الخصوص على كيفية وضع آليات للتعاطي مع المساجين وكذلك اللاجئين.

ولئن كان بمقدور بعض الحكومات التعامل بشكل حسن نسبيا مع ملف المساجين عبر إطلاق سراح بعضهم، فإن أزمة اللاجئين في زمن الوباء تبقى الأكثر مدعاة للتساؤل عما تخبئه هذه الكارثة الإنسانية من مخاطر قد تكون بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة لتفتك بالنازحين أولا وبالدول التي تحتضنهم ثانيا.

أزمة ملايين من البشر

رفع تقرير جديد صادر عن مرصد النزوح الداخلي، التابع للمجلس النرويجي للاجئين، حدة التحذيرات من الأزمة المحدقة بالعالم بتأكيده الثلاثاء، ارتفاع عدد النازحين داخليا في العالم إلى أكثر من 50 مليون شخص هربا من الحروب أو الكوارث.

والنازحون هم بحسب تعريفات الأمم المتحدة من الفئات الأشد ضعفا والمعرضة أكثر للمخاطر المرتبطة بفايروس كورونا المستجد الذي بات يهدد سلامة وأمن أعتى الدول كالصين والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

وجاء في التقرير السنوي للمرصد أن 33.4 مليون شخص اضطروا لمغادرة منازلهم في 2019 مع البقاء في بلادهم ما يرفع العدد الإجمالي للنازحين داخليا إلى 50.8 مليون وهو رقم قياسي. وهذا الرقم يفوق إلى حد كبير عدد اللاجئين خارج حدود بلادهم والبالغ 26 مليونا.

ومنذ ظهور فايروس كورونا في مدنية ووهان حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من الأزمة المحدقة بهم وبالعالم، مؤكدة أن النازحين ينتمون إلى أفراد المجتمع الأكثر تهميشاً وضعفاً، وهم معرضون كثيراً للخطر خلال تفشي فايروس كورونا لأنهم غالباً ما يكون لديهم وصول محدود إلى مصادر المياه وأنظمة الصرف الصحي والمرافق الصحية.

الوباء يفاقم أزمة النازحين في العالم بعدما بلغ عددهم أكثر من 50 مليون شخص هربا من الحروب أو الكوارث

وتستضيف البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل أكثر من 80 في المئة من اللاجئين حول العالم وجميع النازحين داخلياً تقريباً. وكثيرا ما يواجه هؤلاء تحديات ونقاط ضعف محددة يجب أخذها بعين الاعتبار خلال عمليات الاستعداد والتصدي لفايروس كورونا حيث أن الحفاظ على سلامة الأشخاص الأكثر عرضة للخطر يعني الحفاظ على سلامة الجميع.

وقالت مديرة المرصد ألكسندرا بيلاك في بيان إن “النازحين داخليًا هم في الغالب من الفئات الأشد ضعفًا الذين يعيشون في مخيمات مزدحمة وملاجئ الطوارئ ومستوطنات عشوائية ممن تتاح لهم إمكانية وصول محدودة إلى خدمات الرعاية الصحية أو أنهم قد يحرمون منها”.

وأضافت أن “وباء فايروس كورونا الذي تفشى في جميع أنحاء العالم سوف يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر، حيث إنه يُعرض ظروفهم المعيشية غير المستقرة بالفعل إلى مزيد من المخاطر، من خلال زيادة تقييد وصولهم إلى الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية”.

ومن أصل 33.4 مليون شخص من النازحين الجدد، هناك 24.9 مليون اضطروا للفرار بسبب كوارث طبيعية. وبينهم 4.5 مليون باتوا في الشوارع بسبب الإعصار فاني الذي ضرب الهند وبنغلادش وإعصاري يداي وكينيث في موزمبيق والإعصار دوريان في الباهاماس.

ونزح حوالي مليوني شخص من الأمطار والفيضانات في أفريقيا. تم إجلاء الغالبية العظمى من هؤلاء الأشخاص قبل وصول العواصف وتمكنوا من العودة إلى منازلهم. واعتبر أكثر من خمسة ملايين شخص نازحين بسبب عواصف طبيعية في نهاية 2019.

يؤكد مراقبون وخبراء أن أزمة أخرى نتجت عن وباء كورونا وهي الصعوبات التي تتعرض لها منظمات الإغاثة الدولية بعدما وجدت صعوبات في وضع آليات فعالة تسهل عملية توزيع المساعدات على اللاجئين في المخيمات.

مهمة صعبة

أوضاع مأساوية في كل مكان
أوضاع مأساوية في كل مكان

أكدت بيلاك أنه مع الوباء تصبح عملية إجلاء الأشخاص قبل كارثة طقس، أكثر صعوبة لأن تكديسهم في ملاجئ يزيد من مخاطر العدوى. وقالت “سيكون من الصعب إيجاد توازن بين المساعدة الإنسانية ومكافحة انتشار كوفيد – 19”.

وأخيرا، نزح 8.5 مليون شخص السنة الماضية داخل بلادهم بسبب نزاعات مسلحة في 61 دولة بينها سوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وجنوب السودان ما يرفع الإجمالي إلى 45.7 مليون شخص بينهم 6.5 مليون في سوريا.

وداهم كورونا نسق الحياة العادية في أوروبا، ما جعل من ملف النازحين على رأس أولويات الأمن القومي لهذه الدول المتخوفة من اندساس متطرفين داخل النازحين الفارين من الحرب في سوريا.

وبعدما كشف الوباء عدم جاهزية العالم لمقاومة الوباء وضعف قطاعات عديدة للتعامل مع الأزمة حتى في أعتى الدول، لم تغفل حكومات عدة في أوروبا منها فرنسا وألمانيا عن اتخاذ إجراءات غير مسبوقة لمواجهة الوباء في المراكز المعدة للاجئين.

وفي إطار البحث عن تحقيق معادلة جيّدة تحافظ على اللاجئين وعلى المحيط الذي يتعامل معهم بشكل يومي لتوزيع المساعدات وغيرها من أشكال الإغاثة التي تقدم بمشاركة منظمات حقوق الإنسان، منعت بعض الحكومات دخول مراكز اللاجئين إلا للعاملين فيها. لكن الكثير من المراقبين أكدوا أن هذه الإجراءات غير كافية، ما يتطلب وضع عناية خاصة وترتيبات أكثر حزما في مراكز اللاجئين المُكتظة بالمقيمين.

ولا تتوفر إلى الآن أرقام محددة عن عدد اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا منذ بدء الأزمة، بيد أن شلّ حركة الطيران العالمي، وتشديد الإجراءات الأمنية بين حدود الدول الأوروبية بعد أزمة كورونا، ساهما في خفض عدد اللاجئين الواصلين إلى حدود أوروبا مقارنة بأزمة عام 2015.

وتفاقمت بصورة عميقة مآسي اللاجئين في إدلب شمال غربي سوريا والجزر اليونانية، وعلى حدود الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر القليلة الماضية. واستعجل انتشار الوباء انقسام الاتحاد الأوروبي بشأن مسائل اللجوء والهجرة، ما عكس محدودية قدراته على التعامل مع قضايا السياسة الخارجية والقضايا الأمنية.

وتفاقمت مآسي النازحين داخلياً في سوريا. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، منذ بداية ديسمبر الماضي وحتى منتصف الشهر الماضي، هرب ما يقرب من مليون سوري، نحو 60 في المئة منهم من الأطفال و20 في المئة من النساء، من القتال.

ولا تقتصر أزمة اللاجئين على الملف السوري، بل أيضا تتفرع في مختلف القارات وازدادت حدة خاصة بعدما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعزيز قدرات بلاده التي أصبحت بؤرة موبوءة عبر إرسال 500 جندي إلى حدود الولايات المتحدة مع المكسيك لدعم مسؤولي الهجرة أثناء محاولتهم منع الأشخاص المصابين بفايروس كورونا من دخول الولايات المتحدة.

وتم اتخاذ هذا القرار بعدما وافق وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر على طلب من وزارة الأمن الداخلي بطلب 540 جنديا لدعم عمليات الجمارك وحماية الحدود في المنطقة الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وفقا لما ذكرته صحيفة “نيويورك بوست” الأمريكية مطلع شهر أبريل.

وحذر مراقبون من تأزم وضع اللاجئين القادمين من المكسيك نحو الولايات المتحدة، إلا أن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أنه من الضروري في الوقت الذي يواجه فيه الأميركيون تهديدًا شديدا في مجال الصحة العامة والأمن القومي بسبب تفشي وباء كوفيد – 19، يصبح من الضروري أن يحصل العاملون في تطبيق القانون على الدعم الذي يحتاجونه لمنع تدفق اللاجئين الذي يهدد الصحة العامة من دخول البلاد عبر الحدود”.

صحيفة العرب

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more