الجلاء السوري ودروس حسني الزعيم

خطيب بدلة

لا يوجد إنسان عاقل يقول إن الاستعمار أحسن من الاستقلال الوطني.. ولكن معظم السوريين، حينما بدأت قذائف بشار الأسد وبراميله تنهمر عليهم، فتقتلهم وتجعل بيوتهم قاعاً صفصفاً، تجرّأوا، وصاروا يقولون بالفم الملآن نعم، الاستعمار أحسن .. وينوّعون في توضيح الفكرة بين قائل إن كلمة الاستعمار تعني، لغوياً، الإعمار، وزاعمٍ أن عدد السوريين الذين قتلتهم فرنسا خلال ربع قرن من احتلالها سورية قد لا يساوي مجموع شهداء مجزرة الساعة في حمص 2011، أو ربع شهداء ضرب الغوطة بالكيماوي 2013، بل ويقل عن حصيلة جولة قصف ينفذها سربٌ من الطيران الروسي على المشافي والمدارس والأسواق في الشمال السوري .. ولم يكتف بعض السوريين المكلومين بمديح فرنسا (تعتبر اليوم دولة صديقة)، بل راحوا يحلفون بأغلى مقدساتهم على أن إسرائيل وحقاراتها أرحم من العصابة الأسدية والحثالات الداعمة لها! على الرغم مما تحمله ردود الأفعال الغاضبة من وجهات نظر صائبة، أو خاطئة، إلا أن المرء يستطيع أن يناقش موضوع جلاء المستعمر عن سورية، أو الاستقلال، بشيءٍ من الحكمة. وقتها سيصل إلى نتيجة منطقية أولية، أن المجتمع السوري، بعد جلاء الفرنسيين عن أرضه، أصبح في مهب الرياح، والدليل أنه، بعد ثلاث سنوات من الجلاء، شرع الضباط المغامرون بالتسابق للاستيلاء على الحكم، بدءاً من 30 مارس/ آذار 1949، حيث قام المقدّم حسني الزعيم بانقلاب عسكري، ونجح فيه من دون إطلاق رصاصة، واعتقل رئيسي الجمهورية شكري القوتلي والوزراء خالد العظم، وأرغمهما على الاستقالة، وحل البرلمان المنتخب، وعلى الفور نال تأييد شخصيات وطنية معروفة كمحمد كرد علي، ورئيس حزب البعث ميشيل عفلق، والكتلة الوطنية، وبعض الدول العربية، وفي مقدمتها مصر.
من يحاول دراسة شخصية حسني الزعيم، والأشهر الأربعة التي حكم خلالها سورية الفتية، سوف يصل إلى خلاصات ونتائج و”دروس” مهمة، منها أنه كانت لهذا الانقلاب صفة الريادة، فعلى إثره كَرّت السُبَّحة، حتى وصل عدد الانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة حتى انقلاب الحركة التصحيحية سنة 1970 إلى عشرين انقلاباً، أي بمعدل انقلاب في السنة، إضافة إلى محاولة انقلاب رفعت الأسد على حافظ في 1983، التي كادت أن تتسبب بمجازر كبيرة لأهالي دمشق وغيرها من المدن الرئيسية، لولا أن اصطفّ عدد كبير من قادة الجيش ووحداته الضاربة مع حافظ، وانتهت المعمعة بإعطاء رفعت كل ما في خزينة الدولة السورية من مال، إضافة إلى بضع مئات من ملايين الدولارات، تبرّع بها “عمو معمر القذافي”، في مقابل أن يحملها ويغادر تاركاً الغنيمة السورية الكبرى لشقيقه حافظ وبقية أفراد الطغمة.
استفاد حافظ الأسد، صاحب الانقلاب الأكبر في تاريخ سورية، من تجربة حسني الزعيم في أكثر من مجال، فالزعيم حلّ الأحزاب، ووضع دستوراً خاصاً بحكمه، ورفع نفسه إلى رتبة زعيم (عميد)، ثم أحدث لنفسه رتبةً لم تكن موجودة في الجيش من قبل، هي المشير. وأما حافظ فقد بدأ يشتغل على تدجين الأحزاب، ووضع لنفسه دستوراً، وأحدث لنفسه رتبة العماد، ثم الفريق.. الزعيم قرّر أن يحصل على الشرعية بواسطة الانتخاب، ورشّح نفسه، ولم يجرؤ أحد على الترشّح في مواجهته، أما حافظ فاختصر المسألة بالمادة الثامنة من الدستور التي تنص على أن حزب البعث هو الحاكم، والقيادة القُطرية هي التي ترشّح رئيس الجمهورية، ومرشّحها هو حافظ طبعاً، ويجب أن يترافق الاستفتاء عليه بطبل وزمر.
هناك دروس أخرى لتجربة حسني الزعيم، كان يمكن أن يستفيد منها الشعب السوري، وليس الحكّام، أنه أعطى المرأة السورية حق الانتخاب، لأول مرة في تاريخها، وفي عهده وضع قانون الأحوال الشخصية الذي بقي ساري المفعول، مع بعض التعديلات.

اترك رد