ثوار لبنان يؤمّون طرابلس: دموع وصرخات تحت شرفة الشهيد

مرّة جديدة، كانت طرابلس قُبلة ثوّار لبنان، الذين توافدوا بالمئات إلى ساحاتها، ظهر الأحد 3 أيار 2020. مشهد هذا الأحد، وقد احتشد ثوار من بيروت والبقاع والجنوب وكسروان في وسط ساحة النور، أحيا ذاكرة ليالي ثورة 17 تشرين، حين كان آلاف اللبنانيين يتوافدون نحو عاصمة الشمال، بعد أن صارت ملهمةً لثورتهم ضدّ السلطة والأحزاب والمصارف.

أمام منزل الشهيد
لكنّ وفود أوّل أحدٍ من أيار، كان رمزيًا، وتجديدًا للوعد بالوقوف إلى جانب أهالي طرابلس، وعدم تركهم لوحدهم. وذلك، بعد الأحداث الأخيرة التي أدت إلى اشتعال مواجهات عنيفة بين الجيش والمتظاهرين في المدينة، على مدار ثلاث ليالٍ متتالية. وكان ثمنها استشهاد الشاب فواز السمان، ومئات الجرحى، وعدد من المعتقلين لدى مخابرات الجيش، بتهمة إثارة أعمال الشغب والاعتداء على الجيش والمصارف وممتلكات أخرى.

عدد من الباصات والسيارات ومكبرات الصوت وصلت إلى طرابلس عند الثانية ظهرًا. نقطة الانطلاق، كانت من أمام دارة عائلة الشهيد فواز، في منطقة باب الرمل. وهناك، بدا المشهد مؤثرًا للغاية، وغلبت عليه ملامح الغضب والبكاء. صدح المتظاهرون لروح الشهيد، ورفعوا صوره والعلم اللبناني، فخرجت إلى الشرفة والدته وشقيقته فاطمة وزوجته وطفلته الرضيعة، وباقي أفراد العائلة، وكانوا جميعًا يتّشحون بالسواد، فبكت والدته وأبكت المتظاهرين وهي تلوّح بيديها شكرًا ودعمًا لهم ولروح ابنها.

لن نفقد الأمل
وبعد أن جابت التظاهرة شوارع المدينة، وصل الثوّار إلى ساحة النور وقاموا بقطعها. رفعوا اليافطات الداعمة للمدينة وأهلها، ومن بينها “ستبقى طرابلس عروس الثورة ولن تنجحوا في تشويه صورتها”، ورددوا شعارات 17 تشرين ضدّ السلطة: “نحنا الثورة الشعبية، وهني الحرب الأهلية، نحنا الثورة الشعبية وهني الأزمة المالية”.

كذلك، هتف المتظاهرون ضدّ القمع واعتقال الثوار في السجون، “التي لا بد أن تكون مخصصة للسياسيين والطبقة الحاكمة”، وفق أحدهم، وطالبوا بإطلاق سراح موقوفي أحداث طرابلس الأخيرة. 

جاء علي ناصر (49 عامًا) من البقاع إلى طرابلس، ويعرّف عن نفسه بـ”الثورجي”، وقال لـ”المدن”: “لم أغاد ساحة الشهداء في بيروت منذ 17 تشرين، وجئت اليوم إلى طرابلس للوقوف مع أهلها ضدّ آلة القمع، ولنأخذ بخاطر عائلة الشهيد، ولنؤكد أننا لن نترك طرابلس على الإطلاق، ولن نعطي السلطة فرصة الاستفراد بهذه المدينة”. وتابع: “لن نفقد الأمل من إسقاط هذا النظام الفاسد مهما كلّف الثمن، بعد أن جوّع الناس وأهانها ودمر حياتها، وهناك من يشتهي كسرة الخبز، ولينتظروا مشهد الوفود في الشوارع بعد فكّ حظر كورونا علينا”.  

من طرابلس معنى الثورة
على بُعد أمتار، يقف أحمد (25 عامًا) الذي كان يعمل شيف مطعم مكتّف اليديدن ويائسًا، وهو من طرابلس. نسأله عن نزوله إلى الشارع فيجيب: “نزلت لأستقبل الوافدين من خارج مدينتنا بعد أن وصل وضعها الاقتصادي والمعيشي إلى الحضيض. منذ شهور أعيش من دون عملٍ، وقطاع المطاعم يتكبّد الخسائر نتيجة شلله بالكامل، فيما الدولة تتخذ اجراءات بحجة كورونا من دون أن تعوّض لنا بعد أن خسرنا أعمالنا. فهي لم تعد تستحق البقاء لأيّ سبب على الإطلاق، وسنناضل لأجل رحيلها”.

في إحدى جوانب الساحة، يتجمع عشرات الشباب والشابات يتناقشون ثمّ يرددون الهتافات سويًا. وجويل (38 عامًا) التي جاءت من بيروت إلى طرابلس، تختصر كلامها بالقول: “جئت لأقول لطرابلس وأهلها أننا اليوم وكلّ يوم معهم ولن نتركهم أبدًا مهما كلّف الثمن”.

أمّا انجي (24 عامًا)، فقد جاءت من كسروان، وتعرّف عن نفسها “ثائرة لبنانية نسوية”، وهي ليست المرة الأولى التي تتوجه فيها إلى طرابلس، وتعتبر أنّها في الاصل تعلمت معنى الانتفاضة من هذه المدينة وأهلها المهمشين والمظلومين. قالت لـ”المدن”: “منذ عامين، جئت إلى البداوي للتظاهر ضد إنشاء مطمر للنفايات، وصرت مغرومة بطرابلس. ومنذ 17 تشرين، أشارك في تظاهراتها، وصرت شاهدةً على مدى مظلوميتها. لذا، لا بدّ أن نؤكد أن أهل طرابلس ليسوا متطرفين أو دواعش كما تتعاطى السلطة معهم، وإنما هم أصحاب حق، لأن المدينة تعاني من أعتى مشاهد الطبقية واتساع رقعة الفقر والتهميش لصالح فئة صغيرة من أثرياء السياسة ورجال أعمالهم”.  

المدن

اترك رد