خطّة لإدارة الفقر والإفقار

عبد الوهاب بدر خان

لها ما لها وعليها ما عليها خطة الحكومة لمعالجة الأزمة المالية -الاقتصادية، ولا داعي لوصفها بـ “الانقاذية” أو “التاريخية” فهي لا تنقذ شيئاً في المدى المنظور أما تاريخيتها فتتحدّد لاحقاً بقدرتها على الإنقاذ الفعلي للبلد وعملته واقتصاده، وهذا هدف لا يزال بعيداً. لكن قتامة الوضع وانفجار العنف في الشارع والخيارات المؤلمة المعلنة والمبطنة لم تقنع الحكم بشيء من التواضع، فالرئاسة أضافت هذه الخطة الى “أمجادها” باعتبار أنها “المرّة الأولى” التي يتوصّل فيها لبنان الى خطة مماثلة، وهذا غير صحيح طبعاً، في حين أن رئيس الحكومة لم يجد أقلّ من كلمة “مبروك” للبنانيين وهو يعلن عن ولادة الخطة.
لكن، “مبروك” على ماذا؟ على أن لبنان أصبح جاهزاً للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. جاهزٌ؟ ربما، فقط لأن الحكومة نالت مباركة “حزب الله” لكن بشروط. أما هل هو قادر ومؤهّل فالأمر متروك لتقويم الصندوق، الذي بات معروفاً أنه سيساعد لبنان بعيّنة بسيطة مما يحتاج إليه، بالقطّارة، وبإشرافه المباشر، وهو اشترط إصلاحات مسبقة ليس مؤكّداً أنها أُنجزت، وستكون له شروط تشريعية واجرائية ستصطدم حكماً بشروط “حزب الله”، ليس من قبيل صون “السيادة” بل لحماية مصالح “الحزب” واستقلاله في إدارة اقتصاده الخاص بمعزل عما يجري في لبنان وفي اقتصاده. بديهي ان الصندوق الدولي، مع افتراض أنه منزّه من أي خلفية سياسية، لا يستطيع التعامل مع دولة تريده أن يتغاضى عن هذه الازدواجية أو يخضع لها. وبالنسبة الى الصندوق لا بدّ أولاً أن تكون هناك “دولة” يمكن تلمّس سيطرتها على مرافقها الرئيسية (مطار، مرفأ، منافذ حدودية، جمارك…) وإدارتها بكفاءة. فهل هذه الدولة موجودة الآن في لبنان، طبعاً لا، ليس فقط بسبب اختراقات “حزب الله” واحتقاره للسلطة والقوانين، بل لأن تسلّطه سمح لحلفائه ولسواهم بأن يشاركوه فيسكت عن انتهاكاتهم ويسكتوا عن انتهاكاته.
بناء على هذا الواقع السقيم دعا الرئيس ميشال عون اجتماع رؤساء الكتل البرلمانية، وزكّاه حسن نصرالله، بغية ضمان “التحصين الوطني” للخطة الاقتصادية، خطّة المكره لا البطل. لكن مَن يدعي انجازاً تاريخياً غير مسبوق ويبارك للبنانيين به لا يحتاج الى “تحصين”. فما المطلوب إذاً من المحصّنين المفترضين، وهل يملكون حصانة ليمنحوها؟ المطلوب عملياً أن يدعموا حكم “حزب الله”، ومَن مِن السياسيين أو “شباب الثورة” لا يزال يعتقد أن ثمّة مبالغة في هذا التوصيف يمكنه فقط أن يصحو من سباته، لأن “الحزب” تسلّل مثل النعاس العلني الى مفاصل الدولة. اما “التحصين” فمطلوب أيضاً لتغيير النظام الاقتصادي تمهيداً للسياسي، للدولار الفالت وضرب المصارف، لإفلاس الشركات والزيادة المتصاعدة للبطالة، ولـ “إدارة فقر اللبنانيين وإفقارهم”… مطلوب من المحصّنين الصمت اليوم لمواكبة التفاوض مع الصندوق، والصمت غداً عندما ينطلق قطار الإجراءات القاسية.

اترك رد