مناورات النظام السوري وتثبيت المنظومة

بالنسبة لسوريي ما بعد ثورة مارس/آذار 2011 لا يبدو مفاجئاً الخلاف العلني بين أطراف الأوليغارشية السورية الحاكمة. فـ”سيد 5 في المائة”، كما عُرف رامي مخلوف في أوساط عالم التجارة والأعمال، ليس وحده من استغل الفساد المتفشي منذ استيلاء آل الأسد على حكم سورية. فكل شيء مرتبط بتمركز السلطة والمنظومة في يد أقلية، والتي ظلت تفاصيلها خلال 50 سنة من عمر “سورية الأسد” في الشارع على شكل تكهنات وشائعات، هي أساس ثورة السوريين طلباً لحرية وكرامة وعدالة في بلدهم المنهوب.

وما يختلف اليوم، عن همس رعب الثمانينيات عن خلاف حافظ الأسد مع شقيقه رفعت، وتسعينيات الصراع على وراثة حكم الأقلية، أن الشارع السوري لا يعيش صدمة “تسريبات وشائعات”، بقدر ما يعيشها شارع موالٍ لـ”دويلة الشبيحة”. فمصير وطن، محكوم بعبارة أطلقها مخلوف بنفسه عن “النجاة الجماعية” للمنظومة الفاسدة، يبدو الأهم عند مواطني الجمهورية، الذين واجهوا أقسى درجات العنف والإرهاب المنظم، قتلاً وتهجيراً، لرفضهم العيش كرعايا في مزرعة آل الأسد.

قد يكون صحيحاً أن “الخلاف” يعكس تجاذبات انتهازية بين روسيا وإيران، في محاولة حماية المنظومة الحاكمة، كل حسب مصالحه. ولا يبدو تكثف نبرة وقصف الاحتلال الإسرائيلي، أخيراً، بعيداً عن تفاهمات تل أبيب – موسكو، كما لا يمكن تجاهل دخول “طباخ بوتين”، يفغيني بريغوزين، على الخط لوصف بشار الأسد بالفاسد، وهو أصلاً ما دفع السوريين إلى الثورة. في المقابل، يُظهر تمهل الشارع السوري في الاستنتاج أن الأسد يتحول إلى “عبء” على موسكو، وأن قضية إنهاء نظام الأسرة تقترب من خواتيمها، كيف يمكن لشارع عربي صقلته التجربة أن يتجاوز بعض نخبه “المعارضة” لإدراك ما يدور في بلده.

بكل الأحوال، وبغض النظر عن إرهاصات “فيديوهات” مخلوف، والجهود المتجددة لمذهبة الحالة، وكأنه صراع مع “أسماء الأسد السنّية”، شحذاً لشارع مؤيد صُرفت عليه الملايين، بمعرفة قصر المهاجرين، قمعاً للثورة وحماية لحكم الأقلية، وفي كل الذي يجري فإن “المنظومة”، التي ألقت موسكو بثقلها لحماية استمراريتها، هي التي تتعرض لانكشاف. ربما تتسارع المناورات نفسها في الأيام المقبلة، وبصيغ متعددة، على أمل تناسي، أو تأجيل، مطالب المحاسبة والعدالة وانتقال السلطة، في سبيل تثبيت المنظومة نفسها، ولو بنزع “طربوش” لمصلحة مقاس “رأس نظام جديد”.

ناصر السهلي – العربي الجديد

اترك رد