قواعدُ مهمّةٌ في التحليل السياسيّ

د. محمد عادل شوك


التحليل السياسيُّ قضية معرفيّة مجتمعيّة، تستند على الصدق والأمانة العلميّة، غايتها الأساسية تنوير الأذهان حول الأحداث والمواقف المؤثرة في حاضرهم ومستقبلهم.
وهو عملية بحث في الاحتمالات الممكنة، وتدوير الزوايا لمسار التفاعلات بين القوى السياسية في المجتمع، وتفسير علمي واضح لنوع العلاقات بين هذه القوى السياسية الداخلية والخارجية، فبه نستطيع أن نحكم بها على الظواهر والأحداث السياسية محليًا وإقليميًا وعالميًا، والمشتغل به بحاجة إلى فهم الواقع السياسيّ للبلد الذي تدور فيه الأحداث، ومدى علاقة هذا الواقع بالسياسة الدولية.
وهو ليس شرحًا للأوضاع فقط، بل هو فهمٌ وادراك لما يحدث، ومعرفة الأسباب والدوافع لما حدث وسيحدث في المستقبل، من أجل للوصول الى رأي يساعد في صنع قرار لحل مشكلة أو ظاهرة لها شأن سياسيّ في المجتمع.
وفيما يأتي عدد من القواعد المهمّة تأخذ بيد المُحلِّل السياسيّ إلى النجاح ، وتجعله يسير في الطريق لنيل الرضا لدى القرّاء والمتابعين:
1ـ إنّ مراعاة التخصّص والخبرة لدى المُحلِّل السياسيّ، أمرٌ لا ينبغي التفريط فيه، وذلك يفرضُ عليه ألّا يتحدّث فيما لا يجيده، فلكل قضيّة سياسيّة موضوع رئيس وتشعبات، تستدعي الاستعداد لإدراك أبجدياتها العلميّة ومفاهيمها في التطبيقات السياسيّة.
2ـ لا يُبنى التحليلُ السياسيّ على المقدرة البلاغيّة وحدها؛ فعلينا أن نتأكّد من أنّ المهارة اللغويّة مهما كانت لدى المحلِّل السياسيّ، فهي قد تخذله حين يتطلب الموقف تلخيصًا محددًا لحدث أو تقديم رؤية واضحة المعالم.
3ـ إنّ المعلومات الحصريّة، هي أغلى ما يملكه المُحلِّل السياسي، وهي سلعته الثمينة؛ فعليه ألّا يكتفي بإعادة تدوير ما اطلع عليه عموم الناس من الأقنية الإعلامية الجماهيرية، من غير إضافات من المخزن المعلوماتي الخاص، الذي امتلكه بالتواصل مع صناع القرار، ومن الغرف المغلقة.
4ـ إنّ الرغبة في حب الظهور على وسائل الإعلام، والنشر في الصحف و المجلات، أمرٌ يستهوي الكثيرين منّا، وتكمن خطورته أكثر حينما يحملنا ذلك، على ألّا ندِّعي شيئًا لم يقع، سواء أكان ذلك من باب المغامرة والسبق الإعلاميّ، أو الغمز والنيل من توجه سياسيّ معيّن.
5ـ إنّ التحليل السياسيّ المُعزَّز بالأرقام والوقائع، والربط بين الأحداث وتنظيم الأفكار، سيوصل المرء إلى ما يريده، وعلينا أن نعرف أنّنا نعيش في عصر المعلومات ومجتمع المعرفة، وليس في زمن ما قبل التدوين.
6ـ إنّ الخطاب الهادئ والعبارات الرصينة، من غير رتابة أو ملل، واحترم المحاورين، يقود إلى النجاح، في حين أنّ الصراخ والانفعال يشكّل عائقًا أمام النجاح، ولن يجعل المحلّل محبوبًا إلّا عند جوقة المُصفِّقين في حلبة المصارعة، و هؤلاء لا يمنحون نجاحًا مشرِّفًا، ولا يحافظون على من غدا نجمًا في لحظة غضب.
7ـ إنّ الأزمات السياسيّة هي جزء من صراع الإرادات السياسيّة في عالمنا، فلا يخال المحلّل السياسيّ أنّ حماسه غير المنضبط، سيكسر إرادة الخصم أو يغيّر من مجريات القضيّة، وعليه أن يفرّق بين التحليل السياسي أمام الجماهير، وبين المشورة السياسيّة التي تُطلب منه ثقةً من الآخرين به.
8ـ إنّ المُحلِّل السياسيّ الناجح، هو قارئ ثاقب النظر، ومتابع حصيف، وعليه أن يدرك أنّ النجاح في تحليل الأحداث السياسيّة لن يتأتَّى إلَّا برصيد كبير من المعرفة وبعد النظر.
9ـ إنّ السياسة هي فنّ الممكن، ولا مستحيل فيها، فعلى المحلّل السياسيّ ألَّا يجزم بالأحكام القطعيّة، وليدعْ مجالًا لاستشراف مآلات الأمور وتوقّع الاحتمالات.
10ـ إنّ الظهور الإعلاميّ المتكرّر محرقة، فلا يكُن المحلِّل مكثارًا ثرثارًا، يتنقّل بالبضاعة نفسها من محطة إلى أخرى، ومن ندوة جماهيريّة إلى ملتقى، فذلك أمرٌ يقوده إلى يوم سيسمع فيه بأذنيه عبارة: ” فلانٌ احترق، ولم يعُد عنده جديد”.

الأيام السورية

اترك رد