“لاسا” بين الموارنة والشيعة.. نزاع على الأرض و1400 سنة!

في لاسا، أزمة مستمرة حول الأراضي والتعدّيات والاعتداءات المتكررة من قبل أهالي البلدة، المدعومين من حزب الله وبغطاء منه، على مزارعين وأهالي الجوار من البلدات المسيحية. لا يمكن توصيف المشهد بغير ذلك: أهالي شيعة يعتدون على أهالي مسيحيين يقصدون أراضي الوقف الكنسي.

توزيع الأراضي
تكرّر مشهد الاعتداء مجدداً يوم الإثنين، بعد أن كان سبقه اعتداء آخر قبل أسبوع، بعد أن وصل مزارعون إلى هذه الأراضي، وفقاً للخطة التي وضعتها الكنيسة المارونية من أجل دعم المسيحيين، ودفعهم إلى زراعة الأرض، من خلال منح ما يقارب 50 عائلة أراضٍ لزرعها في المنطقة. وحصل الاتفاق بين الكنيسة والشركة المستثمرة لهذه الأراضي، على توزيع هذه الأراضي بهدف دعم الناس. لكنّ بعض أهالي لاسا كانوا في المرصاد مرتين.

في رواية قدمّها أحد أبناء لاسا لـ”المدن”، يقول الأخير إنّ “اعتراض الأهالي بشكل أساسي كان على توزيع أراضٍ متنازع عليها، من دون إشراك أبناء لاسا في عملية التوزيع. فتم اجتماع بين الكنيسة وعدد من أهالي المنطقة، اتّفق فيه على توزيع 50 قطعة أرض منها 12 على أبناء لاسا بهدف دعمهم أيضاً”. وعند تحديد هذه الأراضي، “تبيّن لعدد من أهالي لاسا أنّ الأراضي الـ12 التي تم توزيعها عليهم لاستثمارها، تشوبها نزاعات ومشاكل عدّة وهي عرضة لإشعال فتيل الخلافات”، ثم أعيد توزيعها مع اشتراط الأهالي على “أن يتم منح الأراضي الأخرى لمسيحيين من بلدات الجوار، بحيث يسهل التفاهم معهم”. إلا أنّ الأهالي تفاجأوا بعد أيام أنه تم منح الأراضي لمسيحيين من مناطق أخرى. وهو الأمر الذي أجّج الخلاف. فتم الاعتداء على من حضر إلى الأرض وعلى عناصر أمنية كانت موجودة في المكان. 

“الغزو الصليبي”
وحول هذا الواقع، يؤكد من تقدّم بهذه الرواية أنّ “المشكلة ليست بين عائلة من لاسا والجوار المسيحي، بل هو مشكل سياسي بحيث يدير حزب الله هذه المعركة عن طريق بعض رجال الدين في لاسا”. 
والسيناريو معروف بعدها، بعد الاعتداء والضرب والنزاع، يتدخّل الحزب كمنقذ ويقدّم ما يجب تقديمه لخدمة حليفه المسيحي، التيار الوطني الحر. هذا كان السيناريو في السنوات الماضية، لكنه من غير المعروف إنّ كان سينطبق مجدداً إثر الحرب الكلامية المشتعلة، نتيجة مواقف نواب ومسؤولين في التيار تجاه الحزب. فتأتي أزمة لاسا المتجددة، لتؤكد أنّ سياسة الجوار بين الجماعات اللبنانية تظلّ دائماً مهدّدة، نتيجة اشتباك سياسي هنا أو انقسام سياسي هناك. 

وللمناسبة، هو الأمر نفسه الذي حصل قبل أشهر في الجرد الممتد بين منطقتي الأرز والضنية. لكن في جرود جبيل المأزق أكبر بكثير، إذ يدخل حزب الله مباشرة في الحسبان.
وفور شيوع أنباء الاعتداء، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بالمواقف التي أجّجت النزاع. فتناقل البعض خطاب قديم لأمين عام حزب الله، حسن نصر الله، يقول فيه إنّ “المسيحيين أتوا إلى جبيل غزاةً”، كما نشر بعض آخر صور لحملات صليبية مؤكدين على “البقاء في الأرض والاستمرار في المقاومة منذ 1400 سنة”.  

المطران والنائب
ومن جهته، صعّد راعي أبرشية جونيه وضواحيها، المطران نبيل العنداري، موقفه، مشيراً إلى أنّه “في كلّ مرّة كنّا نواجه هذه الأمور بالتعقّل واللجوء إلى القضاء والقانون، ولا نبادل الاستفزاز بمثله، لكن الأمور بلغت إلى حدّ مأزوم لا يمكن السكوت عنده، بخاصّة بعد الاتصالات بالمرجعيّات الحزبيّة والدينيّة، الّتي تنصّلت من المسؤوليّة”. 

وأكد العنداري في مؤتمر صحافي مشترك مع النائب شوقي الدكاش في مطرانية جونيه، على أنّ “الحاجة ضرورية لتدخّل المراجع القضائية والأمنيّة سريعاً، وعدم التهرّب من المسؤوليّة كي لا تتفاقم الأمور”. وبعد أنّ شدد على أنّ “التعدّي على الأرزاق والكرامات أمر غير مقبول بعد اليوم”، داعياً “المجلس الشيعي الأعلى وكل المرجعيات والأحزاب والقيادات الأمنية لضبط التصرّفات الشاذّة، والاستمرار في حفظ السلم الأهلي”. وختم قائلاً “نحن حريصون على السلم الأهلي والعيش المشترك، نحن أهل هذه الأرض ولسنا غزاةً كما تقولون. لا تزوّروا التاريخ، ولا تحرجونا فتخرجونا، فنحن سلالة من نحتوا الصخور لاتّقاء الجوع. فلا تلعبوا بالأمن والاستقرار”. 

وفي السياق نفسه، أكد النائب شوقي الدكاش أنه “لنا في لاسا أهل وأصدقاء وأحبة نعيش معاً على الحلوة والمرة، ونقف جنباً إلى جنب في الشدائد. ونحن متمسكون بالعيش المشترك كما نتمسك ببناء دولة القانون والعدالة. ومن باب حرصنا على كل أبناء منطقتنا لن نسمح لمجموعة موتورين بأن يشوهوا صورتهم ولن نسمح بالاعتداء على أهلنا فيها واغتصاب أرضنا وحقنا”. 

وأشار الدكاش إلى أنه “لا نستجدي الأمان، فالأمان تضمنه الدولة والقانون، فإلى القوى الأمنية المحلية، إلى وزير الداخلية محمد فهمي، وزير الدفاع زينة عكر، ورئيس الحكومة حسان دياب ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئس الجمهورية العماد ميشال عون نقول: أرضنا ستزرع بالحق، بالقانون ستزرع. وأحمّل كل من ذكرت المسؤولية الفعلية والمعنوية عن سلامة كل العاملين في الأرض”.

نادر فوز – المدن

اترك رد