الطائفة العلوية من الديني والبنية إلى الاجتماعي إلى السياسي

يكشف الكاتب في هذا البحث الأغوار التاريخية والاجتماعية والسياسية والمفهوم الفلسفي لدى طائفة العلويين في سوريا؛ من خلال محاور لا يعرفها كثيرون ممن هم خارج هذه الطائفة؛ ومنها:

  • لمحة تاريخية عن الأصول القبلية العربية للطائفة.
  • الأصول العقائدية للطائفة العلوية.
  • من الظاهر إلى الباطن؛ التأويل العلوي للدين.
  • الثالوث وسر العقد في الطائفة العلوية.
  • الاعتقادات العلوية بمسألة البابية وأبعادها.
  • نظرية الخلق والعقوبة الإلهية لهم.
  • الطقوس الدينية لدى الطائفة.
  • الآخر في العقيدة العلوية.
  • من الاجتماعي إلى السياسي.
  • العلوية السياسية.
  • دور الأسد في اعتقال الطائفة العلوية لمصلحة حكمه.

مقدمة البحث

لطالما حلمت المجتمعات البشرية بالانتماءات الرحبة والواسعة وسعت لها بالتنظير والممارسة فكلما اتسعت دائرة الانتماء ارتفع منسوب الأمان والطمائنية لدى الإنسان ولدينا في التاريخ كثير من الشواهد في السعي البشري نحو الانتماءات الرحبة، فمن الإمبراطوريات القديمة إلى الأيديولوجيات الحديثة والمعاصرة التي كانت في إحدى جوانبها ميلاً إلى توسيع رقعة الانتماء والهوية، إذاً التقوقع والعزلة والعودة إلى الانتماءات الضيقة والمتأخرة هو ابن الشرط التاريخي الاستثنائي وليس ابنًا لشرط النمو الطبيعي.

نعاني في سورية اليوم حالة اغتراب بين المكونات السورية وارتداد الناس إلى انتماءاتها الضيقة والمسبقة حيث الفرد معرف بدلالة الجماعة لا بدلالة الفعل والذات وأظن أن ذلك ناتج طبيعي لاستبداد سياسي عنيف وقلق كان قد رفع الجدران عالية بين الناس خوفاً من اجتماعها، إنه نقص الشرعية الذي يجعل المنظومة الحاكمة خائفة وقلقة فتخيف المجتمع وتعمل على تحييده عن ساحة الفعل لإدراكها بأنه صاحب القول الفصل.

حفلت المكتبة العربية بكثير من الدراسات والكتب التي تناولت الطائفة العلوية، الأصل والنشأة ولا بد لنا هنا من تقديم تاريخي بسيط نوجز فيه ما اجتمع عليه الدارسون في أصل العشائر العربية ونسبها، ممن اعتنقوا المذهب العلوي أو أسسوا له، وكلي أمل بأن يحدث البحث ولو ثقباً في جدار اغتراب المكونات وتقريب المسافة لا زيادتها.

لمحة تاريخية

يعود أصل العشائر التي اعتنقت العلوية عقيدة ومارستها طريقة إلى ثلاث قبائل رئيسة وهي (غسان وتنوخ وبهرا)١ وهي من القبائل الشامية التي استوطنت بلاد الشام (ويعود أصل الغساسنة إلى قبيلة أزد من اليمن الذين هاجروا أوائل القرن الثالث الميلادي إلى بلاد الشام حيث اندمج بعضهم مع المجتمعات المسيحية المتهلينة وقد تحولوا إلى الديانة المسيحية في العقود الأولى)٢ وبعد أن استقر الغساسنة في بلاد الشام وأسسوا دولتهم أصبحت هذه الدولة حليفاً قوياً للإمبراطورية الرومانية وقاتلوا مع الرومان ضد الهجمات الفارسية الساسانية وأدّوا دوراً مهماً في حماية طرق التجارة، امتدت دولة الغساسنة من عام ٢٢٠ إلى ٦٣٨ ميلادي واشتهروا بآل جفنة ومن أشهر ملوكهم الحارث بن جبلة ويرجع إليهم نسب أحد كبار رجال الدين عند الطائفة العلوية (الشيخ أحمد قرفيص وهو العماد أبو الحسين أحمد بن جابر بن جبلة بن أبي العريض البانياسي الغساني توفي سنة ٦١١ه وله مقام معروف في قريته قرفيص).

وبعد دخول الإسلام إلى بلاد الشام عام 638م وعقب معركة اليرموك دخل الغساسنة في تحالف مع العرب المسلمين ودخلوا في جيش الفتح، واعتمد عليهم الأمويون في إدارة الدواوين وبيوت المال لما لديهم من خبرة واسعة في هذا المجال، اعتنق عدد من الغساسنة الإسلام وبقي كثيرون منهم على الديانة المسيحية.

وأما التنوخيين وهو تحالف عقد بين مجموعة من القبائل العربية اليمانية وتعد قبيلة الكلبيين إحدى كبرى القبائل في هذا التحالف وهي إحدى أكبر العشائر في الطائفة العلوية أيضاً ويعود نسبهم إلى كلب بن وبرة القضاعية من قضاعة وقد تحالفوا مع بني أمية وقامت الدولة الأموية على أكتافهم ومن (أشهر رجال هذه العشيرة الأمير مرسل القاسم الكلبي التنوخي وهو أحد مريدي أبي عبد الله الخصيبي الذي حارب مع الأمير الحسن المكزون السنجاري ويلقب بأبي الرايات)

وكانت أن حصلت مصاهرة بين قبيلة بني كلب والخليفة معاوية بن أبي سفيان إذ إن زوجته ميسون أم ابنه يزيد من قبيلة بني كلب واشتهرت بميسون الكلبية.

أما بالنسبة إلى قبيلة البهرا أو البهراء فلم نستطع التوصل إلى معلومات دقيقة حولها وحول انتمائها.

انحدرت من القبائل الرئيسة مجموعة من العشائر الأخرى فتوزع العلويون في مجموعة من أربع عشائر رئيسة هي الخياطيين والحداديين والمتاورة والكلبية وتفرع من هذه العشائر مجموعات أخرى.

من هذا السرد التاريخي القصير نستطيع أن نستخلص ما يأتي:

العلوية ليست نسباً أو عرقاً أو اتجاهاً سياسياً إذ مرت القبائل العربية التي اعتنقت المذهب العلوي بمراحل عدة تنوعت فيها انتماءاتها الدينية وولاءاتها السياسية فمن حليف قوي للأمويين لعدو لدود للدولة العباسية،

فقبيلة بني كلب كانت تسيطر على بادية الشام وهي التي مهدت الطريق لدخول الإسلام إلى بلاد الشام، كما لعب الغساسنة دوراً مهماً في مأسسة الدولة الأموية وعليه فإن انتقال تلك القبائل إلى المذهب العلوي كان ابن الشرط التاريخي والتغير الثقافي الذي حصل بعد مرحلة النقل والترجمة والتغير في خريطة المصالح والتحالفات.

من الظاهر إلى الباطن

يجمع الباحثون في تاريخ الأديان وعلومها على أن الطائفة العلوية إحدى فرق الشيعة الإمامية وتصنف بأنها من غلاة الشيعة (هؤلاء هم الذين غلوا في أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام إلهية)3 ويرجع كثير من الباحثين ظاهرة الغلو إلى عبد الله بن سبأ ويلقب بابن السوداء33ه وهو من الشخصيات المختلف على نسبها وهو أول من دعى إلى تأليه الإمام علي، ما اضطر الإمام علي إلى نفيه إلى المدائن، ويقال بأنه لعب دوراً مهماً في بدء معركة الجمل، لم تتسع تلك الدعوة ولكن بقيت الفكرة إلى حين بدأت الطوائف الباطنية بالظهور وأخذت تنتح نصوصها وتؤطر دعواتها نظرياً وأصبح لها رجالها وتزامن ظهور الدعوات الباطنية مع اتساع حركة النقل والترجمة في العصر العباسي١٧٠ه ٧٩٤م، إلى ذلك الحين كنا إمام نصين وخطابين يجتمعان في المصادر والمراجع ويختلفان في الهدف والغاية فالخطاب السني الرسمي الذي يشكل خطاب السلطة والدولة المعتمد والخطاب الديني الشيعي المعارض للخطاب الرسمي السني ويحاول دائما التمايز وتعزيز الاختلاف ويسعى لسحب الشرعية عنه، إلا أن الخلافات البينية بين الخطابين لم تكن أكثر من خلافات في الأحقية والشرعية وصراعاً على السلطة، وإلى ذلك الوقت لم تحفل مكتبات الفريقين بكثير من الكتب والتفاسير التي تؤطر الصراع وتعطيه بعداً نظرياً وتوسع الهوة وتبعد المسافة فمن وحدة الطقوس الدينية (الصلاة الصيام والزكاة والحج) إلى وحدة الكتاب والمرجع (القرآن والسنة النبوية).

إن ظهور الفرق الباطنية من الشيعة الإمامية وافتراقها عنها ارتبط بدخول الفلسفة اليونانية وتغيير دلالة اللغة واختلاف مدلولاتها تبعاً للتوسع والاشتباك المعرفي الحاصل مع المناهج والفلسفات اليونانية القديمة.

إن محاولة إيجاد إجابات في النص الديني لأسئلة فلسفية غير واضحة ولا مكتملة بعد، أدى إلى تحول هذه الإجابات إلى مدلولات جديدة وبناء نصوص وخطاب موازٍ يتكئ على النص الأصلي ويفترق عنه في المبنى والمعنى.

تعد الطائفة الإسماعيلية أول الفرق الباطنية التي انشقت عن الشيعة الإثني عشرية ومثلت الجانب العرفاني الصوفي الذي يركز على طبيعة الله، وبهذا مهدت الطريق لظهور باقي الطوائف الباطنية، ويعدها كثيرون استمراراً لظاهرة المعتزلة ومن بعدهم إخوان الصفا وخلان الوفا، افترقت الطائفة الإسماعيلية عن الشيعة الإمامية بعد الإمام جعفر الصادق، إذ تعتقد الطائفة الإسماعيلية بأن الإمام جعفر الصادق بعد موت ابنه إسماعيل قد نقل الإمامة إلى محمد بن إسماعيل وتعتقد بأن هناك إمام حاضر لكل زمان ومكان وتجب طاعته في أوامره كلها، بينما تعتقد الشيعة الإثني عشرية بنقل الإمامة إلى الإمام موسى الكاظم وصولاً إلى الإمام المهدي المنتظر وعند الإمام الحسن العسكري بدأت الطائفة العلوية بالظهور والتشكل على يد محمد بن نصير النميري (ومن محمد بن نصير أقيم النسب والدين)4، وبهذا بقيت فرقة صوفية عرفانية من الشيعة الإثني عشرية.

في العقيدة العلوية

(الثالوث وسر العقد)

إن التثليث من أول مبادئ الطائفة العلوية وتعاليمها، وهو مأخوذ شكلاً وفلسفة من الديانة المسيحية مع اختلاف المسميات فبدل الأب والابن والروح القدس في المسيحية نجد تثليثاً من نوع آخر عند الطائفة العلوية ليغدو المعنى والاسم والباب (الإمام علي عليه السلام والرسول محمد (ص) وسلمان الفارسي) ويختصر هذا التثليث بسر العقد ع م س الذي يحلف المريدون على حفظه وعدم البوح به أمام جمع من رجال الدين في طقس ديني، إذ يختار المريد سيداً يكون له بمنزلة أب روحي يلقنه أسرار الباطن على مراحل ويعطيه ما يسمونه الدستور، وهو مخطوط من عشرين صفحة أو أكثر قليلاً توجد ضمنه ستة عشر آية، وتتناول هذه الآيات في معظمها تأليه الإمام علي، إذ يستندون في هذا التأليه إلى مجموعة من الأقوال والأحاديث معتقدين بالظهور والتجلي بمعنى أن الإله يتجلى في الجسد البشري ويحتجب بالأنبياء ووفقاً لهذا المعتقد لدى الطائفة العلوية سبع ظهورات للإله ترافقت مع سبع أنبياء وتستند الطائفة العلوية في فلسفة الظهور بحسب قول الإمام جعفر الصادق (من لا يرى فقد عبد مجهولاً ومن عبد من يرى فقد عبد محدودا ومن قال إنه غير مشاهد فقد قال على غائب ومن قال إن الأبصار تدركه فقد يرى مثله ومن عبد المعنى والاسم جميعاً فقد أشرك به ومن وصفه بما وقع في فكره فإنما وصف نفسه ومن قال إنه محتجب عن خلقه فإنما عنى غيره ومن قال إنه ظاهر لم يرونه فقد عناه ومن عرفه من جهة الإقرار بعلمه من ظهور المعجزات ونفى ما رأى وأثبت ما علم فأولئك أصحاب أمير المؤمنين).5

كما ورد في كتاب أبي عبد الله حمدان بن الحسين الخصيبي الجنبلائي 260ه – 358ه الذي يعد المؤسس النظري للطائفة العلوية وأبا الديانة الذي ساهم في نشرها، يقول الخصيبي في الظهور والاحتجاب: (احتجب سبع مرّات، ففي الأولى احتجب في آدم في كوره ودوره وتسمّى هابيل، وفي الثانية في نوح وتسمى شيت، وفي الثالثة في يعقوب وتسمى يوسف، وفي الخامسة في سليمان وتسمى آصف، وفي السادسة بعيسى وتسمى شمعون، وفي السابعة والأخيرة بمحمد (ص) وتسمّى عليا وهو خالي من الأسماء الذي تسمى بهم وهم لا يخلون منه) السؤال الخامس ص وقد قال أبو سعيد الطبراني تلميذ الخصيبي في الظهور والتجلي (ظهر لخلقه كخلقه متجانساً وتقرب إليهم برأفته ورحمته مأنساً وشاكلهم في الأجناس والصور وباينهم في الحقيقة والجوهر).6

البابية

تعتقد الطائفة العلوية بالبابية ويعني أن لكل إمام باب ويقول الإمام جعفر الصادق في الباب ودرجته (درجة الباب أن يدري الإمام حيث يشاء، لا يحجب عنه شيء، لا جبل شاهق، ولا طود متين، ولا ممر عميق، ولا حائط محيط، إلا يكون نصب عينيه حيث شاء وأراد)7.

يعد سلمان الفارسي باب الإمام علي كرم الله وجهه وقيس بن ورقة باب الإمام الحسن المجتبى ورشيد الهجري باب الإمام الحسين وعبد الله الغالب الكابلي باب الإمام علي زين العابدين وجابر بن يزيد الجعفي باب الإمام جعفر الصادق ومحمد أبي زينب الكابلي باب الإمام موسى الكاظم والمفضّل بن عمر الجعفي باب الإمام علي الرضا ومحمد بن المفضّل بن عمر الجعفي باب الإمام محمد الجواد وعمر بن الفرات الملقب بالكاتب باب الإمام علي الهادي وأبو شعيب محمد بن نصير النميري باب الإمام الحسن العسكري، ويرجع إلى أبي شعيب الذي أناب في الدين بعد غياب الإمام الثاني عشر وتشكل الطائفة العلوية وافتراقها تماما عن الشيعة الإثني عشرية على يد تلاميذه محمد بن جندب ومحمد الحنان الجنبلاني وهو واضع الطريقة وتلميذه أبو عبد الله الخصيبي، اتخذت الطائفة مساراً عرفانياً باطنياً في التأويل حتى غدت لا تلتقي مع الشيعة الإمامية سوى بالإيمان بالأئمة وعصمتهم وتختلف عنها حتى بالحب والاتباع، إذ بقي الشيعة عند التبعية والعصمة وذهب العلويون في الأئمة إلى التقديس والرفعة عن البشر وعالم المادة وصولاً بهم إلى مراتب الألوهة والأرواح الحرة، ويعد سلمان الفارسي الباب الأساسي ومنه تأتي الأبواب وهو أبو الأيتام الخمسة وهم المقداد بن الأسود الكندي وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن رواحة الأنصاري وعثمان بن مظعون النجاشي وقنبر بن كادان الدوسي، وهم عبيد أمير المؤمنين الإمام علي كرم الله وجهه وخلقوا هذا العالم من مشارق الشمس إلى مغاربها وقبلها وشمالها وبرها وبحرها وسهلها وجبالها سورة الفتح الخامسة من كتاب المجموع للخصيبي.

نظرية الخلق

إن نظرية الخلق عند الطائفة العلوية تتأرجح ما بين الديني والفلسفي فمن الاعتقاد بنظرية الفيض الوجودية إلى محاولة المقاربة لنظرية الخلق في الأديان السماوية، وتعتقد الطائفة العلوية بأنهم كانوا في البدء قبل كون العالم أنواراً مضيئة وكواكب نورانية وعندما فكروا بذواتهم وبأنه لم يخلق خلقا أكرم منهم كانت خطيئتهم الأولى (وهنا نلحظ تأثير فلسفة الفارابي وابن سينا بصورة واضحة وجلية) وعندما ظنوا بأنهم رأوا الإله بكليته لظنهم بأنه مثلهم أخطؤوا الخطيئة الثانية، ولما ظهر وتبدى لهم بصور مختلفة وأخذتهم الحيرة وظنوه مثلهم خلق لهم من تأخرهم في الاستجابة الشك وكانت الخطيئة الثالثة، فأنزلهم إلى العالم السفلي (الأرض) وخلق لهم من معصيتهم الأبالسة والشياطين ومن ذنوب الأبالسة خلق النساء (يعد الشك من أكبر الكبائر أو أكبر الذنوب إطلاقاً عند الطائفة العلوية على الرغم من مكانة العقل ورمزيته في العقيدة العلوية).

هناك قدسية خاصة للرقم سبعة في الباطن العلوي فمن سبع ظهورات للإله إلى سبع قباب إلى سبع مراحل من التقمص تمر خلالها الروح في سبع قمصان بشرية قبل عودتها إلى الروح الحرة كما كانت قبل ارتكاب المعصية، ويعتقدون بالمسخ أي انتقال الروح إلى القميص الحيواني بوصفه انتقالاً أدنى وشكلاً من أشكال العقوبة وتستمر الروح في الانحدار حتى الوصول إلى الجماد من حجارة وحديد.

الطقوس الدينية

أما بالنسبة إلى الطقوس الدينية تعترف الطائفة العلوية ظاهرياً بأركان الإسلام وتحافظ على تأويلها الباطني لها فهي تؤمن بالقضاء خيره وشره وباليوم الآخر وبالقرآن الكريم وبالأنبياء والرسل والصلاة والصيام والحج ولكنها لا تراها ملزمة وترى ممارستها ليست فرضاً وإنما تقية.

فالطقس الديني الجماعي لا يغدو أكثر من الأعياد التي تتوزع على مدار السنة، إذ يجتمعون في مجموعات صغيرة يصلون ويأكلون ويوزعون الطعام على بعضهم في الحي أو القرية ولا يلتزم الجميع بهذا الطقس فهو غير ملزم ويتبع للإمكان الاقتصادي والمكانة الاجتماعية، وهو طقس تكافلي إلى حد ما، إذ يوزع الطعام على العائلات الأشد فقراً ولدى الطائفة العلوية مجموعة من الأعياد تختلط مابين أعياد إسلامية وأعياد مسيحية وبعضها من خارج الثقافة العربية (عيد الفطر، عيد الأضحى، عيد الغدير، عيد التاسع، عيد النصف من تشرين، عيد الميلاد، عيد الغطاس، عيد النوروز، عيد الرابع، عيد المباهلة، عيد الفراش، عيد عاشوراء …إلخ)

تختلف طقوس الصلاة عند الطائفة العلوية ويعدّون الصلاة الوسطى هي الصلاة الأهم بين الأوقات الخمسة، وتكون الصلاة على شكل أدعية وقراءات يقرؤونها جالسين أو سائرين، لا فرق إذ لا وجود لطقوس الركوع والسجود والوضوء في الصلاة الباطنية وإن صلوا ظاهرياً فإنهم يصلون على المذهب الجعفري.

الآخر في العقيدة العلوية

إن العقائد معظمها تملك البنية المغلقة التي تتمحور حول الأنا المحقة والآخر المخطئ، تغدو هذه الفكرة غير قابلة للمناقشة أو الشك كذلك في العقيدة العلوية الآخر هو المخطئ وهو طارئ على الثوب البشري مجهز للانتقال إلى ثوب أدنى (المسخ)، لا يملك فرصةً للنجاة من العقاب ولا يمكنه التوبة وهو المحكوم سلفاً بالجحيم الذي يبدأ بالمسخ والهبوط في الجسد الحيواني ولا يقف عنده حتى الهباء المنثور والحجارة والحديد، ويعتمدون في ذلك على تفسير خاص للآية الكريمة (كونوا جحارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم)8 (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين)9، وهذا الاعتقاد كغيره من الاعتقادات في العقيدة العلوية على الرغم من تكلسه وتصلبه يمكن اختراقه من ضمن منطق العقيدة ومنظمومتها نفسها، فهناك عدد من القصص التي تروى عن رجال دين من الطائفة العلوية تقمصت أرواحهم خارج الطائفة نوعاً من العقوبة على ذنب مقترف ثم عادت أرواحهم وتقمصت ضمن الطائفة إذ يمكن لهذا الآخر أن يحقق اختراقاً في هذه الفكرة ليغدو وجوده في هذا القميص نوعاً من الاغتراب والعقوبة، وقصة الشيخ معلا ربيع الذي تقمص في أثواب عدة من خارج الطائفة حتى بلغ مرتبة الصفاء حاضرة بقوة في السرد الاجتماعي عند الطائفة العلوية.

لا يمكن لعقيدة مهما كانت متماسكة أن تنتج نمطاً صلباً وتعمم آليات تفكير واحدة على مجموعة بشرية لتجعل أفرادها نسخا متشابهة في الشكل والمضمون وإن كانت هذه غايتها وما تصبو إليه.

وعليه فإننا نتحدث عن النص لا عن الناس وإن تجليات هذا الخطاب واستحكامه في الواقع متغير تبعًا للشرط الزماني والمكاني وتبعًا للمتغيرات والضرورات التي يمر بها المجتمع.

من الديني إلى الاجتماعي

إن غياب المرجعية الدينية لدى الطائفة العلوية وغياب النص بوصفه سلطة مباشرة على المجتمع بتلوناته كلها، وغرقه في الصوفية وابتعاده عن الوجود المادي بوصفه عرضاً زائلاً مقابل الروحاني الأبدي الذي يمثل ساحة اشتغال النص الديني العلوي جعل الطائفة العلوية مجتمعات متأثرة بالبيئة ومشروطة بالأوضاع الاقتصادية والثقافية فلا يوجد مجتمع علوي بمنظومة اجتماعية واحدة بل يوجد ضمن الطائفة العلوية عدد من المجتمعات الصغيرة التي تملك قواسم وظواهر مشتركة في ما بينها، ولديها كثير من التباينات والاختلافات تبعاً للبيئة والثقافة والتعليم ونمط الإنتاج الاقتصادي، فالدين ببعده الصوفي العرفاني بعيد عن المجتمع ولا توجد سلطة لرجال الدين على المجتمع ولا توجد مرجعية واحدة هذا ما يجعلها ميالة إلى العيش في دول علمانية وغير قابلة للعيش تحت النظم الدينية لقلة تنظيمها وضعف مرجعيتها وعدم قدرتها على تشكيل بنية موحدة ومتماسكة.

تتوزع الطائفة العلوية في بلدان عدة وتنتشر في عدد من المناطق في سورية ولكن النسبة الأعلى لوجودها في الساحل السوري والجبال المحيطة به، وقد سكن عدد منهم في أرياف مدينتي حمص وحماه وتوجد الآن أعداد كبيرة من الطائفة العلوية في مدينة حمص ومدينة دمشق، ويوجد ضمن الطائفة تباين طبقي وتمايز في الدرجات، إذ ينظر أبناء الساحل باستعلاء وفوقية إلى أبناء المناطق الأخرى فأبناء الريف الشرقي يختلفون ببعض عاداتهم، وقد تركت البيئة والبادية أثرها حتى في تكوينهم وعاداتهم ما جعلهم أقرب إلى البيئة المحيطة بهم من قربهم إلى علويي الساحل، ونشأت علاقات قربى وتزاوج بينهم وبين الوسط المحيط ويشتركون معهم في نمط الإنتاج والفلوكلور وبعض الطقوس الاجتماعية.

إن تلك المقالات والدراسات التي تتناول الطائفة العلوية بوصفها بنية اجتماعية منظمة لها مصفوفتها الخاصة ومرجعياتها التي تدير شؤونها وتقرر مصيرها هي دراسات بائسة، إن التنظير لواقع غير موجود ماهو إلا محاولة لإيجاده، قد تكون تلك الدراسات غير هادفة ولكنها بالتأكيد غير واعية أيضاً، أما الدراسات والمقالات الهادفة إلى التنظير والتأطير فهي بالتأكيد لا تحمل في طياتها النفع العام ولا تصبو إليه.

من الاجتماعي إلى السياسي

تتطور المشتركات الثقافية والإيمانية لتنتج ظواهر اجتماعية وهذه الظواهر في سياقاتها تنتج مجتمعات لها خصوصية متمايزة عن الأوساط المحيطة بها، هذه المجتمعات في سياق تعبيرها عن وجودها تنتج فعلاً سياسياً فإما أن يجد هذا الفعل السياسي ساحة تستوعبه ويشارك فيها بالتعبير عن خصوصيته ويرتبط بها مصلحيا أو يميل إلى الانفصال وتشكيل جسد سياسي يمثل الخصوصية الاجتماعية وصولاً إلى حلم الدولة.

ولكن هل ينطبق هذا على الطائفة العلوية في سورية؟

تاريخياً ونتيجة الاشتباك الحاصل بين السياسي والديني، استحوذ الديني في أغلب الأوقات على دور السياسي، وانحسر الصراع السياسي بين التيارين الرسميين التيار السني والتيار الشيعي ومنه ظهرت الطائفة العلوية بوصفها ظاهرة صوفية من الإسلام الشيعي تعتزل السياسية وتغوص في الروحانيات ولا يوجد ضمن منظومتها الاعتقادية ما يمكن أن يشكل مرجعية لرأي أو اتجاه سياسي خاص باستثناء نقاط الالتقاء مع الشيعة من ناحية أحقية الخلافة وحتى هذا الأخير لم يكن صالحاً لتشكيل بعد سياسي في العقيدة العلوية، نتيجة لتسويغ باطني وترحيل للصراع إلى الآخرة بدلاً من حسمه في الحياة الدنيا، لذلك لم تنجح الطائفة العلوية في تأسيس مشروع سياسي قائم على الديني إذ إنها تفتقد إلى الاجتماعي وهو المرحلة التي تسبق السياسي وتنتجه، ومحاولات بعض رجال الدين من الطائفة العلوية كلها لإلحاق بعض الدويلات التي ظهرت في العصر العباسي كالدولة الحمدانية والبويهية غير مؤكدة ولا يوجد أي إثبات على تبنيها للعقيدة العلوية التي لم تكن إلى ذلك الوقت سوى طريقة صوفية عرفانية لا تملك انتشاراً واسعاً بين الناس وكانت محصورة بين أعداد قليلة، بينما يجمع الباحثون على أنها كانت دويلات شيعية.

وبعد تلك المرحلة وتفكك الدولة العباسية والدخول في عصر الدويلات وحتى عصر المماليك ومن بعده الاحتلال العثماني وحتى بدايات القرن العشرين عاشت الطائفة العلوية مرحلة من العزلة والانطواء، وبقيت في جبال الساحل السوري معزولة عن المحيط وإن مرت بانفراجات بسيطة إثر تغير والٍ أو تغيير في سياسات السلطنة ولكن السمة العامة التي غلبت على تلك المرحلة هي الاضطهاد والعزلة، ما زاد من سريتها وصوفيتها.

بدأت رحلة الطائفة العلوية خارج الجبال مع بداية الانتداب الفرنسي، وعلى الرغم من البعثات التبشيرية التي سبقت الانتداب، التي حاولت جذب الطائفة العلوية إليها لكنها بقيت محصورة في الساحل والمنطقة الجبلية ولم تخرج من عزلتها، دخلت الطائفة العلوية معترك الحياة السياسية مع الانتداب الفرنسي وقد عمل الفرنسيون على تشكيل الطائفة العلوية سياسياً وتمييزها عن بقية الشعب السوري ولكنهم لم ينجحوا في تحويلها إلى كتلة سياسية بموقف موحد إذ تنوعت الانتماءات السياسية للطائفة العلوية وساهم بعض أبنائها في بناء أحزاب سياسية أو تأسيسها، تستند هذه الأحزاب إلى منظومات وأيديولوجيات متنوعة قومية واشتراكية، ولم يقم أي مشروع سياسي عند الطائفة العلوية على أساس الدين أو المذهب وقد فشل رجالها الذين وقفوا مع الخط الانفصالي الداعي إلى التقسيم وإقامة دويلة علوية في إيجاد كتلة اجتماعية تقف وراء المشروع ما أدى إلى إجهاضه وعودة أبناء الطائفة معظمهم إلى الانخراط في المشروع السياسي السوري بتلوناته المختلفة.

لاقت الأحزاب القائمة على الأيديوجيات القومية والاشتراكية صدى كبيراً لدى أبناء الساحل وانخرط كثيرين منهم معها وما تزل إلى اليوم توجد عائلات بأكملها تعرّف بانتماءاتها السياسية.

تمتلك الطائفة العلوية حساسية مفرطة تجاه الإسلام السياسي ويشكل حالة رعب وتهديد لها يدعوها إلى الاستنفار وتجاوز تبايناتها الضمنية عند الإحساس بوجوده وترى فيه شراً مطلقاً، وأظن أنه العامل الوحيد القادر على إنتاج موقف صلب وموحد لدى الطائفة العلوية، ولا يذكر التاريخ أي شخصية من الطائفة العلوية قد انخرطت مع الإسلام السياسي في عمل مشترك، ولهذه الحساسية مجموعة من العوامل منها تاريخي يتعلق بكثير من الفتاوى التي ظهرت في عصر الانحطاط العباسي التي تبيح دماء المنتمين إلى الطائفة العلوية وأعراضهم، كفتاوى أبي حامد الغزالي في كتابه فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية الذي كتبه انتصاراً للخليفة العباسي المستظهر بالله بعد أن قويت شوكة الفاطميين في مصر (يتخيّر الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المنّ والفداء والاسترقاق والقتل، ولا تخيير في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاقهم، ولا إلى قبول الجزية منهم ولا المنّ والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم، هذا حكم الذين يحكم بكفرهم من الباطنية)10 وفتوى ابن تيمية الشهيرة (هؤلاء المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار الفرنجة والتتار وغيرهم)11 ويقف العامل السياسي وراء هذه الفتاوى أكثر من العامل الديني وما الديني سوى شكل لمضمون سياسي.

ومنها ما هو معاصر إذ لم ينقد الإسلام السياسي تجربته ولم يتجاوز ماضيه، بل بقي مصراً على الاستثمار في التاريخ والإفلاس في الحاضر (لا تسطيع أن تشتري الحاضر بعملة الماضي) وبقيت تجربته قائمة على عصبوية دينية وعداء للآخر ولم يقبل الانفتاح على مكونات المجتمع المحلية وتجاوز هزائمه الكثيرة، واستمر في نظرته الاستعلائية التي ترى في المعتقدات الأخرى هرطقات في أحسن الأحول يجب ردها إلى جادة الصواب.

وعلى الرغم من انخراط الطائفة العلوية أفراداً في المعترك السياسي السوري إلا أنها كانت بعيدة عن مؤسسات الدولة ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها ضعف المؤهلات والافتقار إلى الخبرات نتيجة مرحلة العزلة الطويلة وانحسار التعليم وأسباب اقتصادية كالفقر الشديد ونمط الإنتاح الزراعي والملكية السائد في وقتها، ما جعل الدولة عبئاً على أفراد المجتمع الفلاحي، ومثلت الدولة السورية في بداياتها مصالح الطبقة البرجوازية التقليدية الموجودة في المدن، ولم تكن في بداية نشوئها وإلى يومنا هذا دولة للكل الاجتماعي وفشلت الإدارات المتعاقبة عليها في تعميمها وجعلها منتجاً للمصلحة العامة ومصدراً للنفع العام.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين وإثر توجه عام في السياسات الاستعمارية تجاه الدول النامية كعامل موضوعي وتغير في بنية الوعي الاجتماعي السوري وتنامي القوى الفلاحية التي بدأت تضيق ذرعاً بالنظام الاقتصادي القائم على الإقطاع وهو التركة الثقيلة للاحتلال العثماني وبداية تشكل الجيوش المحلية واعتمادها على أبناء القرى بوصفهم يشكلون الطبقة الفقيرة في المجتمع التي لطالما قامت عليها أغلب النظم العسكرية والجيوش، صعدت تلك الطبقة تدريجاً عن طريق هذه المؤسسة لتمسك بزمام السلطة في سورية وتستبد بها فلا يعقل أن يأتي من المؤسسة العسكرية فكر أو مشروع تغييري، فهي معادية لفكرة الديمقراطية في بنيتها وليست على وفاق مع النخب الثقافية نتيجة طبيعة عملها وآلياتها.

لم يكن نظام البعث في سورية نظاماً سياسياً إذ سرعان ما انقض الجناح العسكري على الجناح السياسي وحيّده ولم يطل النظام العسكري البعثي حتى تحول إلى نظام أمني شديد الريبة وبخاصة بعد حوادث الثمانينيات، لقد استثمر حافظ الأسد في الطائفة العلوية كما استثمر في باقي المكونات السورية كلها، إذ اعتمد عليها في بعض المواقع واعتمد على غيرها في مواقع أخرى كان يجيد اللعب على تناقضات المجتمع السوري ويستحضر كل قوة من قواه بحسب طبيعة المعركة وقد أدار تلك التناقضات ببراغماتية عالية، وككثير من السوريين عانت الطائفة العلوية خلطاً بين الدولة والنظام السياسي الذي يديرها ولم تستطع التمييز بينهما، وقد عمد النظام بعد استحواذه على السلطة إلى الاستحواذ على الدولة أيضاً وتماهى معها وكان من الطبيعي أن ينتقل هذا الخلط إلى الناس بحكم العمر القصير للدولة السورية وعدم اكتمال مشروع الدولة الوطنية.

وككثيرين من أفراد الشعب السوري خرجت من الطائفة العلوية في عهد الأسد الأب أصوات معارضة وقضى عدد من أبناء الطائفة العلوية سنوات من شبابهم في عتمات أقبية استخبارات النظام وشكلت الأرياف خزاناً جيداً لقوى اليسار السوري المعارض وبالأخص الريف المهمش الذي عانى أوضاعاً اقتصادية سيئة ومظالم تتعلق بالتمييز والتهميش وعدم المساواة.

وبعد وفاة حافظ الأسد وتعديل الدستور واستلام ابنه بشار الأسد لم يتغير وضع الطائفة العلوية كثيراً سوى ببعض التحسينات المعيشية ورفع رواتب العاملين في الدولة وإزاحة بعض رموز السلطة القديمة من الطائفة العلوية وغيرها وصعود وجوه أخرى إلا أن التوريث وخيانة مفهوم الجمهورية أدى إلى تصدع العقد الاجتماعي الهش بطبيعته الذي كان قائماً على تواطئ ضمني بين مكونات المجتمع على إرادة الحياة والمحافظة على السلم الأهلي.

وبعد الانفجار الشعبي الكبير في ٢٠١١م أخذت تلك الألغام المغروسة في قلب المجتمع السوري بالانفجار بالتتالي، ركز بعضهم فقط على اللغم الطائفي ولم يهتم بغيره واشتد التركيز على هذا الموضوع وكُتبت مقالات ودراسات كثيرة كادت تؤطر مجرى الصراع وتحوله من صراع حقوق وحريات إلى احتراب ديني طائفي وهذا ما أرادته السلطات الأمنية وأطراف سياسية أخرى، وهم الخاسر الأكبر من أي تغيير حقيقي في سورية يزيح القوى التقليدية وينتج دولة مواطنة قائمة على احترام الحقوق والحريات وأظن أنهم استطاعوا تفجير الصراع الطائفي وإدارته من أجل تأخير استحقاقات المرحلة ولكنهم عاجزون عن إلغاء تلك الاستحقاقات وتغييبها.

لا يمكن لأي قوة مهما كانت متماسكة ومهما امتلكت من المرونة أن تقف في وجه الحياة، إن الميل الفطري للبشرية نحو ما هو أكثر عدالة وأكثر حرية كان محرك التاريخ الأول والدافع الأساس للنمو، قد يغيب هذا الدافع أو يحرف مساره بعض الوقت ولكن لا يمكن حرفه وتضليله عن مساره دوماً.

الخاتمة

الفكر هو بنية فوقية للواقع وهو منتج له وعليه أن يتحلى بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه فالطائفية والعشائرية وغيرها من الانتماءات الصغرى هي انتماءات طبيعية وموجودة في المجتمعات كلها، تعمد الطبقات المثقفة إلى استثمار وجودها في إغناء الهوية، ووضعها في سياقات النمو الطبيعي والحد من انغلاقها والمساهمة في انفتاحها على الانتماءات الأرحب للمحافظة على السلم الاجتماعي وإنتاج النفع العام، هناك فرق كبير بين انتقاد الظواهر وتحليلها والتنظير لها، الأول يعقلن الانتماءات والثاني يؤجج الصراعات، إن الثقافة إما قائدة لسياسية تقّوم مسيرتها وتعمق رؤياها أو تقف وراءها فتضللها وتساهم في تضليل المجتمع، أغلب المجتمعات عبر التاريخ تعرضت لانهيار بنيتها السياسية ودخلت في متاهات الحروب والنزعات وكان المنقذ غالبا هو بقاء البنية الثقافية وعودة تماسكها، إن تصدع البنية الثقافية هو مؤشر زوال المجتمعات.


هوامش

تاريخ العلويين في بلاد الشام، الجزء الثالث أميل عباس آل معروف.

ويكبيديا.

الشهرستاني، الملل والنحل.

كتاب المجموع للخصيبي السورة الرابعة واسمها النسب.

الهفت والأظلة الإمام جعفر الصادق.

الأصيفر أبو سعيد الطبراني ص١٧.

الهفت والأظلة الإمام جعفر الصادق ص٥٥.

سورة الإسراء ٧١\٥٠.

سورة التين ٥٩\٥.

أبو حامد الغزالي فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية.

مجلد الفتاوى الخامس لابن تيمية طبعة المدينة المنورة ٢٠٠٤صفحة ١٤٩.

سهف عبد الرحمن – مركز مينا للدراسات المعاصرة

اترك رد