بلاء شعوبنا من الاقتصاد الريعي والاستبداد معاً

محمود الوهب

كتب الدكتور “عبد الله حنا” المؤرخ ذو المنهج الماركسي المعروف، تحت عنوان “الاقتصاد الريعي أصل البلاء” معبراً عن رؤيته حول ظهور الحركات الإسلامية السلفية، وربط ذلك بالاقتصاد الريعي، وتأثيراته في أوضاعنا الراهنة، ومن ذلك، عدم تشكل طبقة عاملة، أو القضاء على ما تشكل منها. إضافة إلى تراجع دور مؤسسات المجتمع المدني، وهكذا..!

 لاشك في أنَّ ما كتبه الدكتور عبد الله صحيح ولا غبار عليه مطلقاً، فالاقتصاد الريعي لعب دوراً مباشراً في نشأة السلفية، التي تناسبه (كبناء فوقي) لدولة تنتمي إلى الماضي، رغم كل التحديثات الظاهرية التي تخص بعض جوانب الحياة المادية للناس، وقد بدأ يظهر تأثير ذلك الاقتصاد مع بدايات سبعينيات القرن الماضي، وكان له دور في حماية الأنظمة الفاسدة، وإهمالها التنمية التي تُنْهِضُ البلادَ، على أسس بناء اقتصادي سليم يأتي من تطوير قطاعي الزراعة والصناعة جناحيْ أي اقتصاد راسخ يمدُّ الدولة بالقوة والمنعة والاستمرار.. ولعلَّ أول من تنبه إلى ذلك الأديب الكبير “عبد الرحمن منيف” في ملحمته “مدن الملح” التي قال عنوانها ربما أكثر مما قالته كثير من المقالات الاقتصادية.. وأشار الدكتور “عبد الله حنا” في مقالته على صفحته (الفيس بوك) ما يلي:

“بفضل الريع النفطي المتركّز في يد الدولة، أخذت مؤسسات المجتمع المدني بالتراجع.. “ووُضِعت “تحت مظلة “الدولة الأمنية” التي أخذت سماتها تنتصر على سمات الدولة ذات الطبيعة الحداثية للبورجوازية الوطنية المنتجة”. و”أدى ازدهار الدولة الريعية النفطية إلى ترسّخ أقدام الدولة الشمولية، الاستبدادية”.

لا أحد ينفي هذا الكلام، فكله صحيح ومرئية وقائعه ولكن هل البلاء كله جاء من أصحاب الاقتصاد الريعي أو ما يسمى بـ:”الاقتصاد النفطي” لا أعتقد ذلك أبداً، ولا يجوز تعليق بلائنا على مشجب واحد، وغسل أيدينا من وقائع كثيرة، لها أدوار لا تقل خطورة، بل لعلها أشد خطورة وأعني بها الأنظمة العسكرية الاستبدادية التي شكلت وجهاً آخر لذوي الاقتصاد الريعي..

لا يجوز تعليق بلائنا على مشجب واحد، وغسل أيدينا من وقائع كثيرة، لها أدوار لا تقل خطورة، بل لعلها أشد خطورة وأعني بها الأنظمة العسكرية الاستبدادية

لقد لعب الاقتصاد الريعي النفطي في المنطقة العربية تحديداً دوراً سلبياً لا على نطاق المنطقة فحسب، بل على نطاق العالم ومسَّ، على نحو أو آخر، البنية الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، إذ مالت بعض دول ذلك الاقتصاد كـ “المملكة العربية السعودية” وغيرها باتجاه أحد قطبيْ الصراع العالمي خلال “الحرب الباردة” إذ غيَّرت فوائضها الريعية في موازين تلك القوى لصالح الولايات المتحدة الأميركية تحديداً، بما قدمته من أموال سواء كاستثمارات أو إيداعات في البنوك أو لقاء شراء كميات كبيرة من الأسلحة تفيض عن حاجتها، كما أنها وبعد دخول الاتحاد السوفييتي السابق إلى أفغانستان، وارتياح أميركا لذلك الأمر، إذ هي تعرف نتائجه (تجربتها في فيتنام..) إضافة إلى أنها عدّت ذلك فخاً للسوفييت.. وقد وجدت أميركا الفرصة سانحة لتتصدى لعدوّها اللدود بأموال ذلك الاقتصاد الريعي، وبأبناء شعوبه، ولم تتخلف المملكة العربية السعودية، آنذاك، إذ سارعت لتلبية رغبة أميركا في إيجاد تنظيم إسلامي يحارب تمدد الشيوعية، وربما دول أخرى في الخليج العربي.. إذ صرح الرئيس الليبي معمر القذافي قبل سقوطه بسنوات أن الرئيس الأميركي طلب منه ومن عدد من الدول العربية النفطية المساعدة في محاربة الشيوعية العدو المشترك لأميركا وللإسلام، وبحسب القذافي (نحن رفضنا وغيرنا قبل) وهكذا كان تنظيم القاعدة.. (دخل الجيش السوفييتي أفغانستان في 25 ديسمبر 1979. وانسحب بين مايو 1988 وفبراير 1989. وأعلن ذلك رسمياً في 15 فبراير 1989 وتفكك الاتحاد السوفييتي أواخر عام 1991). بالطبع إن أسباب السقوط لا تعود إلى التدخل في أفغانستان فحسب بل إلى عوامل أخرى متعددة. لكن هزيمة أفغانستان كانت “الشعرة التي قصمت ظهر البعير”. يذكر أن الرأسمال الريعي لعب دوراً خارج بلاده من خلال دعم أنشطة كثيرة معظمها يأتي تحت غطاء ديني..!

ولكن أليس تجنياً أن نجعل السبب الوحيد في نشوء البلاء الذي عمَّ المنطقة العربية بتخلفها وهزائمها يعود إلى وجود التنظيمات السلفية؟! فمنذ خمسينيات القرن الماضي وستينياته ساد في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن حكومات عسكرية أو شبهها أعلنت عن نفسها أنها ثورات سياسية في بلدانها ورفعت شعارات الحداثة والعصرنة، لكنها منذ البداية أي قبل أن تظهر أموال البترودولار أقفل هؤلاء العسكر أبواب كل ما يمت إلى الحداثة والعصرنة بصلة.. فأغلقت منافذ مؤسسات المجتمع المدني، وأقامت على أنقاضها الدول الأمنية، وأدخلت بلدانها في حالات طوارئ دائمة، بدعوى محاربة إسرائيل، ونشرت الفساد في مفاصل مؤسسات دولها.

وفيما بعد، ساهم بعض تلك الأنظمة في تنمية السلفية، واستخدامها في صراعاتها العربية/ العربية (سورية والعراق وليبيا نماذج). وأن معظم تلك البلاد قد نالها من ذلك الريع لكنه لم يستخدم في التنمية، أي في مشاريع اقتصادية تساعد على نهضة البلاد.. بل في زيادة الفساد الذي عشش في الدوائر العليا الضيقة من الأسر الحاكمة تحت مسمى أحزاب، وفي تكوين برجوازيات تنمّي الاقتصاد الريعي ذاته، فلم تستطع بناء قاعدة إنتاجية فعليّة تنتمي لدولة معاصرة، ولم يفلح القطاع العام الذي تشكل من التأميم في تكوين كتل عمالية تحمي حقوقها ووطنها، وتصمد في وجه المرتدين وشرائح الفساد، والسبب هو العسكرة والأمن وغياب الديمقراطية.

ساهم بعض تلك الأنظمة في تنمية السلفية، واستخدامها في صراعاتها العربية/ العربية (سورية والعراق وليبيا نماذج). وأن معظم تلك البلاد قد نالها من ذلك الريع لكنه لم يستخدم في التنمية

أنور السادات أيضاً، ومن بعده حسني مبارك استبدلا بالطبقة العاملة شرائح أخرى من أصحاب الاقتصاد الريعي كتاب (محمد حسنين هيكل “من المنصة إلى الميدان- مبارك وزمانه”) بينما استفاد حافظ الأسد من الاقتصاد الريعي في تعميم دائرة الفساد وتعميقها في سوريا ما أدى إلى تدميرها، في النهاية، على يد الوريث.. اليوم تظهر نتائجه في الصراع على مال الشعب..! وكذلك فعل صدام حسين إذ استثمر أموال العراق الريعية في بناء القصور وفي الحروب التي قادت إلى النتيجة نفسها.. هذه الحكومات التي انهزمت أمام تنمية بلدانها، وأمام أعدائها، وسدَّت منافذ السياسة التي تنتمي لروح العصر، فولدت فراغاً سياسياً، ودعمت رجال الدين في نوع من التواطؤ، لا ليصمتوا عن جرائمها بحق شعوبها فحسب، بل ليمجدوا القادة، ولتخرج بعض فصائل السلفية الجهادية من عباءتهم.

إذاً ليس الاقتصاد الريعي وحده الذي دمر هذه البلاد، فالإرادة الذاتية للعسكر الذين حكموا وفي رؤوسهم تعشش خلايا تصورات عقلية المختار، أو زعيم العشيرة والقبيلة وأوهامهم.. وبخاصة تلك التي عانت في مناطقها الفقر والذل فغلب الحقد الدفين روح الثورة التي سادت في تلك المرحلة بُعيد الحرب العالمية الثانية، وبتأييد السوفييت الذين شاركوا في حيازة النصر على النازية، فكانوا قدوة لهؤلاء العسكر في شكل الحكم، ونظام الحزب الواحد، والفرد المطلق اليد واللسان، فغدا الحاكم في بلادنا فرداً مطلقاً وأوجد حزباً خاصاً لـ”دولته” وبرقعاً “ديمقراطياً” يخلِّده في السلطة، فلم يختلف عن أرباب الاقتصاد الريعي بل لعله أخذ وجهاً آخر أزهى ويلائم العصر (الوطني والتقدمي) وأطلق يد الحاشية الفاسدة ليصطاد أفرادها إذا ما خطر ببالها “اللعب بالذيل!”

 ومن هنا بالذات يمكننا رؤية الصورة كاملة في الأسباب الرئيسة لبلاء بلداننا، وقد نحت بعض الباحثين مصطلحاً جديداً على أنظمتها هو: “الجملكية” هذه الجمهوريات والممالك التي تفتقر لأدنى مبادئ الديمقراطية التي بُني على أساسها العالم الجديد وظل عالم منطقتنا يغوص في عمق أعماق الماضي لا ليستخرج جوانبه المنيرة بل ليدعم وجوده الفردي الممعن في ذاتيته وقمع شعبه؟!

بقي أن أقول إن تلك “الجملكيات” مدمرة اليوم بالكامل، وتعيث في بعضها تنظيمات سلفية.. وهي بحاجة إلى عقود طويلة لتنهض.. وقد يرى بعضهم أنها مؤامرة.. فنقول: ما كان للمؤامرة أن تمضي إلى غايتها دونما روافع تنهضها أو عجلات تحركها..!

تلفزيون سوريا

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more

%d مدونون معجبون بهذه: