إدلب.. طبول الحرب تقرع مجدداً ومعارضون يستبعدون عودة التصعيد

عاودت الطائرات الحربية غاراتها الجوية مستهدفة مناطق سيطرة المعارضة السورية جنوبي إدلب شمال غربي سوريا بعد أقل من 48 ساعة على بداية التصعيد الجوي الأول من نوعه منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، الموقع بين أنقرة وموسكو في 5 آذار، وهو ما تم اعتباره كأهم تطور ميداني يدعم فرضية عودة العمليات العسكرية بين المعارضة والنظام إلى المنطقة.

الناطق باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، النقيب ناجي مصطفى، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “الفصائل جاهزة للرد على أي تصعيد عسكري من قبل ميليشيات النظام، وقد اتخذت الفصائل كافة إجراءات الجاهزية الكاملة مؤخراً بعد أن شهدت بعض مناطق إدلب قصفاً متكرراً وزيادة في عدد محاولات التسلل التي تنفذها الميليشيات”، وبحسب مصطفى” تقصدت مليشيات النظام قصف البلدات والقرى المدنية التي عاد قسم كبير من سكانها لكي تجبرهم على النزوح مجدداً”.

تداعيات التصعيد

الحشود العسكرية المتبادلة لفصائل المعارضة وقوات النظام خلال الأسبوع الماضي في منطقة العمليات، والتي بدت أكثر تركيزاً في جبهات الجنوب (سهل الغاب وجبل الزاوية وكبانة والمرتفعات الجبلية) أقلقت الأهالي في القرى والبلدات الواقعة في منطقة العمليات وتلك القريبة من خط التماس، ودفعتهم التحذيرات الأخيرة التي أطلقتها “الجبهة الوطنية للتحرير” إلى النزوح مجدداً نحو الشريط الحدودي شمالي إدلب، ووصلت المخاوف الى البلدات في مناطق العمليات شرقي إدلب وحلب الغربي وبدأ الأهالي يفكرون جدياً في النزوح وإيجاد مكان للإيواء.

الناشط الإعلامي عبد الوكيل الشحود، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “كافة المؤشرات في الميدان تشير إلى اقتراب موعد المعركة، ولا يقتصر التصعيد الناري على الاستهداف الجوي، إنما شهدت المنطقة زيادة كبيرة في عمليات القصف البري، المدفعي والصاروخي الذي استهدف عدداً كبيراً من البلدات والقرى في جبل الزاوية وسهل الغاب الشمالي”، وأوضح الشحود، بأن “قوات النظام بدأت فعلياً بعمليات الاستطلاع بالقوة عبر ضرب أهداف معينة وحاولت التسلل نحو مواقع ومحاور رخوة وذلك بهدف رصد إمكانيات الفصائل ومدى جاهزيتها” وسبق ذلك وفق الشحود، “تكثيف غير مسبوق للطلعات الجوية التي نفذها طيران الاستطلاع الروسي خلال الأسبوعين الماضيين والتي تركزت في كامل خط التماس وبعمق 20 كيلومتراً على الأقل داخل المناطق المحررة”

معركة محتملة

برغم تحذيرات الفصائل المعارضة من احتمال عودة المعارك إلا أن تفاعلها مع التطورات المستجدة كان أقل من المتوقع، وبدا أنها تعول على دور أكبر للجيش التركي الذي أدخل مؤخراً منظومات مدفعية ثقيلة ودفاعاً جوياً ودبابات متطورة ليعزز من قدرات نقاطه ومواقعه الدفاعية والتي بدت كثيفة للغاية في المناطق الجنوبية على جانبي الطريق إم4 بالتحديد والذي شهد، الخميس 4 من حزيران مسيراً للدورية المشتركة، الروسية-التركية رقم 15 وبزيادة أكبر من ناحية المسافة التي قطعتها الدورية ما بعد أريحا في الطريق نحو جسر الشغور. الجيش التركي أنشأ مؤخراً ثلاث نقاط عسكرية على الأقل، في بسنقول ومرعيان ومعراتة.

وعلى غير العادة، لم تحدث قوات النظام والمليشيات الموالية الجلبة المعتادة ما قبل الاستئناف المفترض للعمليات العسكرية والتي لطالما اعتادت على ممارستها قبل انطلاق كل جولة من المعارك ضد المعارضة، وبدت قوات النظام منشغلة بعمليات إعادة الانتشار في إدلب والترويج إلى إعادة الحياة لبعض القطاعات الخدمية في بعض المناطق برعاية “الفيلق الخامس” الروسي، والذي كثف من انتشاره إلى جانب الميليشيات الإيرانية في جبهات إدلب بعد الانحسار المفاجئ في انتشار “الفرقة 25 مهام خاصة”، “قوات النمر سابقاً” والتي يتزعمها سهيل الحسن.

التطورات الميدانية غير المعتادة قسمت المعارضة إلى فريقين، الأول يستبعد استئناف النظام للعمليات العسكرية بعد أن أصبح التواجد العسكري التركي أكثر جدية في إدلب، ويرجحون نجاح الدوريات المشتركة في الوصول إلى النقاط الأخيرة على الطريق إم4، أما الفريق الثاني فيرى أن النظام والميليشيات الإيرانية أصبحوا جاهزين لبدأ جولة جديدة من المعارك، ولو بسقف أهداف محدود، هو الوصول للطريق أم4 على سبيل المثال، والسيطرة على كامل المناطق جنوبه، وهي تحركات تدعمها روسيا للضغط على تركيا والمعارضة، ويلمح هؤلاء إلى أن التطورات الميدانية المتسارعة هي المقدمة الفعلية للمعارك القادمة لا محالة.

الناطق الرسمي باسم “الجيش الوطني”، الرائد يوسف حمود، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “الميليشيات الإيرانية تدفع باتجاه عودة المعارك وتريد فعلياً الاستثمار في الظرف السياسي الحالي لتحقق مكاسب ميدانية، وقد رصدنا مؤخراً زيادة في عمليات انتشارها في مختلف جبهات القتال تحضيراً للمشاركة في أي عملية عسكرية” وبحسب حمود “أي معركة مفترضة ستحظى حتماً بدعم جوي روسي، حتى وإن كانت الميليشيات الإيرانية هي من أشعلتها، المصالح بين الجانبين مشتركة وبالتحديد فيما يتعلق بالجبهات والضغط على الفصائل وتركيا”.

بدت الغارات الجوية الأخيرة التي استهدفت مناطق المعارضة جنوبي إدلب وسهل الغاب قد نفذتها طائرات النظام الحربية من طراز ميغ-29، هي من النوع المعدل MiG-29/M2 والتي تسلم النظام عدداً منها من روسيا أواخر أيار الماضي، ولم تتمكن المعارضة من تحديد نوع القذائف المستخدمة حديثاً وهدف الغارات، وبحسب مصادر عسكري معارضة، الصواريخ التي أطلقتها الطائرات هي من النوع الموجه التي يمكنها تعقب الأهداف بدقة، كما يمكنها خرق التحصينات والمخابئ في المنطقة الوعرة، ويمكن أن نشهد ضربات مستمرة من هذا النوع لإضعاف القدرات الدفاعية في المنطقة الجبلية وبشكل خاص في كبانة والمرتفعات في ريف اللاذقية الشمالي.

يمكن لطائرات MiG-29/M2 استخدام صواريخ من نوع إس- 13 ضمن فئة صواريخ “جو- أرض” الخارقة، ويوجد منها عدة طرازات، مثل طراز “تي” الخارق للتحصينات، و”أو إف” برأس حربية شديدة الانفجار، وطراز “دي إف”، الذي يحمل قنبلة فراغية يؤدي انفجارها إلى ارتفاع الضغط والحرارة في محيط الانفجار إلى مستويات مدمرة، ويمكن للأنواع الأخيرة من صواريخ جو-أرض تدمير أنواع مختلفة من الأهداف الأرضية تشمل جنود المشاة والمركبات المدرعة والملاجئ العسكرية المحصنة.

العقيد المنشق، خالد قطيني، قال لموقع “تلفزيون سوريا” بأن “هناك غرفة تنسيق مشتركة بين روسيا وتركيا وفق البرتوكول الملحق بالاتفاق الموقع في 5 من آذار، وفي الغالب تركيا على دراية بالطلعات التدريبية التي تنفذها الطائرات الحربية، غالبها بقصد المناورة والتدريب” وحول الانتشار العسكري التركي قال القطيني إن “الانتشار الحالي يختلف عن عمل نقاط المراقبة، وهو استراتيجية عسكرية تركية جديدة ترمي إلى تحقيق أهداف مغايرة تماماً عن بداية الدخول التركي، وذلك بهدف التعامل مع أي طارئ ميداني، في إمكاننا القول بأن الانتشار التركي الأخير يهدف إلى مواجهة كل الاحتمالات في المنطقة، ومن أهمها إمكانية انهيار وقف إطلاق النار وصد هجمات النظام المجرم والميليشيات الإيرانية”.

وتابع العقيد قطيني إن “كثرة التعزيزات التركية في مناطق المعارضة شمال غربي سوريا تؤكد أنها متمسكة بالمنطقة ولن تكون العودة المفترضة للمعارك كسابقاتها، أي أن مهمة تحصيل مكاسب ميدانية بالنسبة لقوات النظام لن يكون بالأمر السهل”.

إعادة انتشار

عزز “الفيلق الخامس” الروسي من انتشاره العسكري في مناطق العمليات بمحيط إدلب وأنشأ عدداً من نقاط العمليات والرصد المتقدمة جنوبي جبل الزاوية وجبهات شرقي إدلب، وتوسع للمرة الأولى في القطاع الشمالي من سهل الغاب شمال غربي حماة والمناطق المحيطة في المنطقة المتداخلة إدارياً بين إدلب وحماة واللاذقية، وبات للفيلق نقاط تمركز مهمة في المرتفعات الجبلية حول كبانة التي كان الانتشار فيها حكراً على المليشيات الإيرانية و”قوات الغيث” التابعة للفرقة الرابعة، وأهم نقاط الفيلق في منطقة الانتشار الجديدة في الجبهات الجنوبية الغربية وصولاً إلى جبهات الساحل، جب الزعرور وتلة الفرك وتلة الملك وعين القنطرة والمرتفع 1146، ومركز التجمع الرئيسي لمجموعات الفيلق في المنطقة شمالي جورين، بالقرب من القاعدة العسكرية الروسية التي جرى تعزيزها مؤخراً بأجهزة رصد وبمزيد من قواعد المدفعية والصواريخ.

وشهدت المنطقة الجبلية الوعرة القريبة من خط التماس في جبلي التركمان والأكراد بريف اللاذقية الشمالي انتشاراً غير مسبوق لنقاط الرصد الروسية، ودفعت المليشيات الإيرانية (قوات الرضوان التابعة لحزب الله، وفاطميون والباقر وكتائب الامام المجتبى وسرايا العرين) بمزيد من التعزيزات العسكرية في جبهات الساحل على جانبي نقطة المراقبة الإيرانية الوحيدة في المنطقة.

الناشط في الإعلام العسكري، محمد رشيد، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “المليشيات الإيرانية وسعت انتشارها ليشمل كافة جبهات القتال حول إدلب، وباتت قوة لا يستهان بها بعد أن استولت على مواقع متقدمة في خطوط التماس، وهي تشرف اليوم على محاور تتكرر فيها عمليات التسلل والقصف البري”.

قوات النمر إلى ليبيا

توسع انتشار “الفيلق الخامس” كان في غالبه على حساب انسحاب بعض المجموعات التابعة للفرقة 25 “قوات النمر سابقاً” من مواقعها المتقدمة، وهي من “فوج النداف” و “فوج الحيدر” و “سرية دبابات القانص” ومجموعات وأفواج “الطرماح” و “وعد مخلوف” و”الهواشم” و”علوان” وغيرها، لم تنسحب مليشيات سهيل الحسن كلياً من المنطقة، لكن قسماً كبيراً من مجموعاتها المنسحبة من جبهات إدلب تم نشرها في محاور البادية السورية برفقة “لواء القدس الفلسطيني” لمواجهة “تنظيم الدولة”، في حين قالت مصادر محلية في منطقة الغاب (وهي المعقل الأهم لقوات النمر) وفي المنطقة المتداخلة مع الساحل السوري، قالت لموقع “تلفزيون سوريا” إن “مجموعات النمر منذ بداية حزيران/يونيو بإرسال مقاتلين إلى ليبيا للقتال إلى جانب الجنرال الليبي، خليفة حفتر”، وبحسب المصادر، إن “غالبية المليشيات المدعومة من روسيا بدأت فعلياً بإرسال مقاتلين إلى ليبيا بتوجيه روسي، بينها لواء القدس”.

وتداولت الأوساط الموالية للنظام مؤخراً معلومات عن انتقال قائد “قوات النمر”، العميد سهيل الحسن، الى ليبيا لقيادة عمليات المليشيات المدعومة من روسيا هناك، ولم يتمكن “تلفزيون” سوريا من التأكد من صحة المعلومات حول انتقال النمر. الناطق باسم “الجيش الوطني” الرائد يوسف حمود، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “وصول مجموعات من قوات النمر ومليشيات تدعمها روسيا إلى ليبيا كان في وقت مبكر من العام 2020، وبشكل خاص العصابات التي يقودها سهيل الحسن، إلى جانب أعداد لا بأس بها من عناصر المصالحات”، وبحسب حمود، “تلقت مجموعات النمر تدريبات سريعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية قبل نقلها إلى ليبيا، وأجريت التدريبات في عدة معسكرات بعضها أنشأ حديثاً في منطقتي خان شيخون ومعرة النعمان جنوبي إدلب”.

غياب “النمر” المفترض، والثقل الذي كانت تمثله المجاميع المسلحة التي يتزعمها شجع منافسيها من الميليشيات الإيرانية على مهاجمة بعض قادة الأفواج والمجموعات التابعة له، أبرز الشخصيات التي شهرت بها الميليشيات الإيرانية، قائد “فوج الحيدر”، سامر إسماعيل، قالت مواقع موالية للميليشيات الإيرانية “تحول سامر إسماعيل من شخص بالكاد يملك ثمن غرفة إلى واحد من أصحاب المليارات، وأصبح أحد أبرز وجوه الحرب وتجارها، و يضرب بسيف السطوة والنفوذ والسلاح والتهديد والاستيلاء، وأصبح واحداً من أكبر مالكي العقارات والسيارات والأراضي والفلل والمزارع والمحال التجارية في حمص”.

وقالت إن إسماعيل ” يعرف بقربه من النمر، وأنه أحد أذرعه في حمص، وتتبع له مجموعة واسعة من الحواجز في المنطقة الوسطى، مهمة تلك الحواجز فرض رسوم وضرائب كبيرة على الآليات والشاحنات التي ينقل عبرها التجار الخضار والفواكه من المزارعين إلى أسواق الهال في المدن السورية، وتتبع له مجموعات تمتهن التعفيش، مهمتها دخول المناطق وإفراغها من كل ما يمكن بيعه، وقد خصص لهذا العمل مجموعة واسعة من سيارات الدفع الرباعي والشاحنات” وجاء في رد قائد “فوج الحيدر”، سامر إسماعيل، على المهاجمين بالقول “ما رح رد على أي شيء مسيء بحقي، لكن العالم بتعرف الصح من الغلط، وما رح أسمح لأي شخص يشكك بولائي للسيد الرئيس بشار الأسد، وعلى العهد باقون …قوات النمر”.

زيد صالح زعيم العمليات الروسية

استفاد اللواء زيد صالح، قائد “الفيلق الخامس” ورئيس اللجنة الأمنية والعسكرية في إدلب من الغياب المفترض لقائد “قوات النمر” سهيل الحسن، وأسهم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 6 من آذار/مارس في زيادة شعبية صالح الذي أشرف خلال أيار/مايو الماضي على افتتاح وتأهيل عدد من الدوائر الخدمية في المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام في مناطق، معرة النعمان وخان شيخون وسراقب، ويعتبر اللواء صالح الحاكم العسكري الفعلي في مناطق النظام بإدلب ولا يمكن للمسؤولين المكلفين في المحافظة وفرع “حزب البعث” اتخاذ أي إجراءات دون الرجوع إليه.

تحركات اللواء صالح خلال شهر أيار وبداية حزيران الحالي لا توحي بأن معركة قريبة قد تنطلق في إدلب، وبدت منطقة العمليات التي يقودها أكثر انضباطاً بالتعليمات الروسية ولم يعد لأنصار “قوات النمر” الدور المعتاد في جبهات القتال، وقسم صالح، المنطقة الممتدة من كفر زيتا وسهل الغاب شمالي حماة حتى مناطق شمالي معرة النعمان وصولاً إلى ريف حلب الجنوبي لعدة قطاعات، وأولى مهمة جني المحاصيل الزراعية للميليشيات المنتشرة في كل قطاع، ومن المفترض توزيع عائداتها كمنح مالية لعناصر ومجموعات “الفيلق الخامس” وباقي المليشيات بما فيها الميليشيات الإيرانية التي تنتشر في قطاعات واسعة، وبشكل خاص في ريف وضواحي حلب الشمالية والغربية والجنوبية.

تلفزيون سوريا

اترك رد