( الرُّوس كما يصفُهم ابنُ فَضْلان )


• د. محمد عادل شوك: 4/ 6/ 2020. ( الأيام السورية )

بعد وصول كتاب ألموش بن يلطوار ملك الصقالبة ” بلاد تتارستان “، طالبًا منه الدعم والمساعدة، أوعز الخليفة العباسي المقتدر بالله، بإرسال وفد متضمنًا ( أحمد بن فَضْلان: فقيه ورحَّالة عباسي، ت 349هـ )، تكون مهمته ضمن الوفد، قراءة الكتاب عليه وتسليم ما أهدي إليه والإشراف على الفقهاء والمعلمين.
غادر الوفد المذكور، مدينة السلام بغداد يوم الخميس: 11/ صفر/ 309هـ ( حزيران 921م )، متوجهًا إلى البولغار عاصمة بلاد الصقالبة، التي وصل إليها في يوم: 12/ محرم / 310هـ ( 12/ 5/ 922م )، وقد شملت رحلته هذه البلدان:
1 ـ بلاد العجم والترك
2 ـ بلاد الصقالبة
3 ـ الروسية
4 ـ الاسكندنافية
5 ـ بلاد الخزر
وكان ممّا وصفه عيانًا بلاد روسيا، ويعدّ وصفه أقدم وصف أجنبي لها، كتب في عام 922م، حينما كانت الوثنية عقيدة لهم.

  • الاتصال الأول بالفايكنغ.
    أطلق ابن فضلان اسم الروسية على السكان الذين التقاهم في بلاد روسيا الحالية ولكن الاسم كان قد أطلق على البلاد نسبة إلي قبيلة ” روس ” الفايكنغية، التي استوطنت تلك البلاد قديمًا، وهي القبيلة الاسكندنافية الأولى التي التقاها ابن فضلان.
    رأيت الروسية وقد وافوا في تجارتهم، ونزلوا علي نهر إتل، فلم أر أتم أبدانًا منهم كأنهم النخل، شقر حمر، لا يلبسون القراقط ولا الخفاتين، ولكن يلبس الرجل منهم كساء يشتمل به على أحد شقيه، ويخرج إحدى يديه منه، ومع كل واحد منهم فأس وسيف وسكين، لا يفارقه جميع ما ذكرناه، وسيوفهم صفائح مشطبة افرنجية، ومن حد ظفر الواحد منهم إلى عنقه مخضر شجر وصور وغير ذلك.
    تلك كانت صورة أو منظر الرجل من الفايكنغ قبل ألف وثمانين عامًا، أما صورة أو منظر المرأة منهم، وكل امرأة منهم على ثديها حقة أو وعاء معدني أو خشبي مشدودة إما من حديد و إما من فضة أو من ذهب على قدر مال زوجها ومقداره، وفي كل حقة حلقة فيها سكين مشدود على الثدي أيضًا، وفي أعناقهن أطواق من ذهب وفضة، لأن الرجل إذا ملك عشرة آلاف درهم صاغ لامرأته طوقًا، وإن ملك عشرين ألفًا صاغ لها طوقين، وكذلك كل عشرة ألاف درهم يزداد طوقًا، فربما كان في عنق الواحدة منهن الاطواق الكثيرة.
  • علاقاتهم الاجتماعية.
    ويجتمع في البيت الواحد العشرة والعشرون والأقل و الأكثر، ولكل واحد سرير يجلس عليه، ومعهم الجواري الروقة للتجار، فينكح الواحد جاريته ورفيقه ينظر إليه، وربما اجتمعت الجماعة منهم على هذه الحال، بعضهم بحذاء بعض، وربما يدخل التاجر عليهم ليشتري من بعضهم جارية فيصادفه ينكحها، فلا يزول عنها حتى يقضي إربه، ويعير أهل الشمال أهمية كبرى لواجب المضيف، فهم يحيون كل زائر بحرارة ويحسنون وفادته ويقدمون له الكثير من الطعام والثياب، ويتبارى الأعيان والنبلاء من أجل الحصول على هذا الشرف.
    وقد مثل فريقنا أمام بيوليويف; حيث أولمت لنا وليمة عظيمة، وقد أشرف بيوليويف بنفسه عليها، تظاهر فريقنا بالاستمتاع بالطعام، تقديرًا لشرف الوليمة، رغم أن الطعام كان رديئًا، وتخلل الحفل كثير من قذف الطعام والشراب، ومن الضحك والمرح، وقد كان شائعًا وسط هذا الاحتفال الجامح أن ترى أحد الأعيان يمارس الحب مع إحدى الجواري على ملء النظر من زملائه.
    أمام هذا المنظر، استدرت وقلت: استغفر الله. فضحك رجال الشمال كثيرًا على ارتباكي، وقد ترجم لي أحدهم أنهم يعتقدون أن الله ينظر بعين الرضا إلي المسرات المفتوحة، وقال لي: إنكم يا معشر العرب، مثل عجائز النساء، توجفون وترتجفون أمام منظر الحياة.
  • مراسم الموت والدفن.
    من أغرب ما شاهده ابن فضلان عند أهل الشمال الإسكندنافيين، ووصفه في رسالته وصفًا دقيقًا، مراسم الموت ودفن الميت عندهم، فقد تصادف أثناء وجوده بينهم أن مات واحد من رجالهم الأجلاء، يدعى ويغليف، وقد حاول ابن فضلان الاستئذان للسفر إلا أنهم رفضوا طلبه وهددوه بالخناجر، مصرين أن يحضر الجنازة، لذلك جاء وصفه كشاهد عيان لهذه المراسم الغريبة العجيبة بالنسبة لابن فضلان المسلم متذكرين أنها تصدر عن قوم ما زالوا وثنين في ذلك الوقت. كيف كانت مراسم الموت والدفن تلك؟ حسب وصف شاهد العيان ابن فضلان، ولكن بلغتنا المعاصرة، فقد كانت تلك المراسم كالتالي:
    عندما يموت رجل جليل منهم، أو أحد رؤسائهم يقومون بوضعه في قبره ويقفلون عليه القبر لمدة عشرة أيام، حتى يفرغوا من تفصيل وحياكة الملابس اللازمة لهذه المراسم، مراسم حرق الميت، ومن ضمن هذه المراسم أن تحرق معه إحدى جواريه.. من منكن يموت معه؟
    وافقت واحدة منهن طائعة راضية بمحض إرادتها، فهذا حسب معتقداتهم شرف لها، ومن لحظة موافقتها، تسهر بقية الجواري علي خدمتها في كل أمور حياتها ومتطلباتها، لدرجة أنهن يغسلن رجليها بأيديهن وهم يستعدون لتفصيل وحياكة الملابس اللازمة للحرق ( والجارية في كل يوم تشرب وتغني فرحة مستبشرة ).
    ولما كان اليوم الذي سيحرق فيه الميت وجاريته، تقوم الاستعدادات لذلك أمام النهر الذي ترسو فيه سفينته، التي يجري إعدادها بشكل فائق الجودة والبذخ بما فيه السرير الذي سوف يمدد عليه الرجل /الرئيس المتوفى، وتشارك في هذه المراسم، امرأة عجوز شمطاء، تسمي عندهم ملك الموت وهي التي تتولي قتل الجارية التي وافقت على الموت مع سيدها.
    وفي اللحظة المحددة يخرجون الميت من قبره، ويلبسونه سراويل جديدة، وخف له أزرار من ذهب ويجعلون علي رأسه قلنسوة من ديباج ويضعونه في الخيمة التي علي السفينة، ويجلسونه وقد أسندوه بالمساند، ووضعوا أمامه الفاكهة والريحان والنبيذ والخبز واللحم والبصل، ثم يقطعون كلبًا نصفين ويلقونه في السفينة، ويضعون جنب المتوفى جميع سلاحه، ثم يجيئون بفرسين، يذبحونهما بعد الغرق ويقطعون لحمهم بالسيف ويلقونه بالسفينة، ثم يفعلون الشيء ذاته ببقرتين وديك ودجاجة.
    وفي أثناء ذلك تقوم الجارية التي ستحرق معه بالمرور داخل الخيم المنصوبة علي شاطئ النهر أمام السفينة، فينكحها كل صاحب خيمة ويقول لها: قولي لمولاك إنما فعلت هذا حبًا به. وبعد حركات متعددة تقوم الجارية أمام الحضور، ومع العجوز (ملك الموت) تصعد إلى السفينة، فتشرب النبيذ، قدحًا بعد قدح، وملك الموت تقتلها بخنجر عريض النصل، والرجال يضربون بالخشب علي التراس، لئلَّا يسمع صوت صراخها، فتجزع بقية الجواري، فلا يوافقن بعد ذلك على الموت مع أسيادهن، ثم يتم حرق السفينة بكل ما فيها: الرجل السيد المتوفى وجاريته المتوفاة، وكل الأشياء والحاجات التي تم جمعها في السفينة، أثناء تلك المراسم العجائبية.
    أما المفارقة الأغرب فهي مقارنة أحد الإسكندنافيين بين مراسمهم هذه، ومراسم العرب في الدفن، فقد قيل لابن فضلان عبر المترجم: أنتم معاشر العرب حمقى، إنكم تعمدون إلى أحب الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب وتأكله الهوام والدود، ونحن نحرقه بالنار في لحظة فيدخل الجنة من وقته وساعته، هل هي نفس الخلفية الفلسفية التي تحكم مسألة حرق الميت حتى اليوم عند الهندوس في الهند؟ ربما لأن بعض الهنود في زمن مضى، كانوا يحرقون مع الميت زوجته، إنها نفس المراسم تقريبا، عند الإسكندنافيين القدامى تحرق الجارية التي توافق طوعًا محبة في سيدها المتوفى، وعند الهندوس زوجته التي توافق طوعًا لمحبتها له.
    تبدو مراسم الموت والدفن هذه العابقة برائحة النبيذ والجنس والنار غريبة ذات طابع عجائبي، لذلك سارع ابن فضلان لتفسيرها استنادا لعادات أهل اسكندنافيا ومعتقداتهم فقال: لا يجد هؤلاء الإسكندنافيون سببًا للحزن على موت أيّ إنسان، ولا فرق في ذلك أن يكون الميت فقيرًا أو غنيًا، وحتى موت شيخ العشيرة لا يثير حزنهم أو دموعهم. ففي مساء اليوم الذي أقيمت فيه مراسم جنازة الزعيم (ويغليف)، كانت هناك وليمة عظيمة في ردهات الشماليين، وقد لاحظنا أن ولائمهم طافحة دومًا بالخمر والجواري والجنس العلني أمام أعين الجميع.

اترك رد