“عهد” الفشل والانهيار.. لكنّ الرئيس رئيس

صدر أمس بيان موقّع من شخصيات لبنانية مارونية، كما قالت، تطالب فيه الرئيس ميشال عون بالاستقالة. جاء هذا البيان، على الرغم من عنوانه وتبنّيه الطائفي، ليكسر الجمود الحاصل تجاه قصر بعبدا وساكنه منذ أشهر. ليست الدعوة إلى استقالة رئيس للجمهورية سابقة من نوعها طبعاً، فقد حصلت في العهود السابقة الثلاثة الأخيرة مع كل من الرؤساء ميشال سليمان وإميل لحود والراحل إلياس الهراوي. لكن بقيت هذه الدعوات مجرّد شعارات.. من دون تنفيذ ولا مطالبة جديّة. حتى تحالف قوى 14 آذار، في عزّ قوّته الشعبية والسياسية وغطاءاته الخارجية، وقف عند سور بعبدا عام 2005 ولم يتقدّم فشخةً واحدة إضافية تجاه القصر. ولو أنّ لحود حينها كان رمزاً للمنظومة وفسادها وتواطؤها وعمالتها للنظام السوري، وظلّ ولا يزال على حاله. لكن أن يصدر بيان باسم “شخصيات مارونية” يأتي وكأنه يعطي نوعاً من الغطاء للمطالبة برحيل عون. يكسر الهالة الفولاذية التي لم يقوَ أحد على الاقتراب منها لاعتبارات طائفية وكنسية ودستورية، وما في الأخير عن ملاحم الرمز والرمزية والوحدة الوطنية والعيش المشترك. حتى المعارضات المسيحية المتنوّعة والمتعددة منذ 1990 إلى اليوم لم تطرح يوماً الإطاحة برئيس للجمهورية. تهاجم الدستور والتركيبة والنفوذ، لكن تقف مجدداً عن مدخل القصر ولا تطأه. تبقى المطالبة شيء، والتنفيذ شيء آخر. وبناءً على الواقع المكرّس، يبقى الرئيس على كرسيّه إلى أنّ يمضي العهد.

الرئيس رئيس
وبناءً عليه أيضاً، يبقى أن على اللبنانيين التعامل مع الوقائع والأرقام والأحوال مهما تدهورت. لا يمكن للتغيير أن يشمل رمز البلاد، أياً يكن، حتى لو سقطت الاتفاقات والمصالح والصفقات التي أتت به. حتى لو سقطت منظومته برمّتها، بما فيها من رموز أمنية وقضائية وسياسية. يبقى جاثماً على صدر اللبنانيين كأنه يؤدي وظيفة إلهية. كأنه مكرّس كنسياً، ولا قوّة على الأرض تهزّه. تجارب ما بعد الطائف تؤكد ذلك. والتجارب الرئاسية في الحرب الأهلية أيضاً، وحتى قبلها. فإقالة رئيس من منصبه، تاريخياً، استوجب تدخلات عسكرية، أكان في أيلول 1958 أو تشرين الأول 1990. أو مدخلاً للاغتيالات والانقلابات كما حصل عام 2004. فتقول التجربة اللبنانية إنّ الرئيس رئيس إلى حين انتهاء ولايته.

لغة الأرقام
الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا، وباقٍ فيه. وما علينا إلا التعامل مع الانهيار والانحدار. حتى أنه بات الانهيار فعلاً يومياً، نكاد نلمسه كل ساعة. قبل الأزمة الاقتصادية والمالية التي نعيشها اليوم، اعترف الرئيس بنفسه أنّ “أزمة البطالة وصلت إلى 45%”. كان ذلك عام 2018. أما اليوم فلا أرقام بعد ولا إحصائيات دقيقة، لكن جيوش العاطلين عن العمل تتمدّد. ومن بين ما علينا التعامل معه أيضاً، ما لخّصه لنا منشور متداول على مجموعات واتساب للتواصل، عن واقع لبنان العام اليوم، وما كانت عليه الحال قبل وصول الرئيس عون إلى الحكم. وليس الاقتصاد، وسعر صرف الدولار وانهيار الليرة وأسعار المواد الغذائية والأساسية وكل الأمور الأخرى التي نلمسها يومياً مؤشراً على الفشل الحاصل فقط. فإنّ مؤشرات الواقع القضائي تراجعت من 68 إلى 96 (بحسب WJP). وتراجعت مرتبة لبنان على مستوى الفساد عالمياً من 123 إلى 137 (بسحب Transparency International). وحرية الصحافة من 98 إلى 102 (بحسب مراسلون بلا حدود). وقوة جواز السفر اللبناني من 126 إلى 143 (بحسب Henley&Partners). أما الآفاق الاقتصادية والتوقّعات فانخفضت من 0.9 إلى 10.9- (البنك الدولي).

أرقام قد تبدو صادمة ولو أنّ الفترة التي مرّ بها لبنان قبل تشرين الأول 2016، سبقها عامان ونصف من الفراغ الرئاسي وما يعنيه ذلك الفراغ من اضطراب ولا استقرار ونزعات من الترنّح السياسي وأزماته. فحصلت التسوية الرئاسية بين بيت الوسط ومعراب مروراً بالرابية. رافقتها حينها فرق العزف والتطبيل لمستقبل مشرق، وكيل لمعارضي الصفقة اتهامات تنقص من وطنيّتهم. لكن العهد باقٍ، ولو أنه من مؤشراته يُعرف فشله.


مقبلون على “قانون قيصر”، وإخوانه من قوانين أخرى من العقوبات، باقتصاد منهار وبلد مفلس. لكنّ الرئيس رئيس. وهو سبق أن دعا اللبنانيين إلى الهجرة. وبناءً عليه أيضاً، الحكومة حكومة. البرلمان برلمان. وحاكم المصرف حاكم المصرف. لا شيء من كل ما سبق يدعو أياً من في السلطة إلى التفكير في تعديل سياسي واقتصادي، حتى ولو رمزي. باقون هؤلاء في مناصبهم ومجالس القرار. يستخدمون ما فيهما من أدوات لمنع أي تغيير. يوظّفون التهديد بالحرب الأهلية والفتنة حيثما يريدون.

“إذا لم يعجبهم أحداً آدمياً في السلطة، يروحوا يهاجروا”، قال الرئيس عون للناس في تشرين الثاني الماضي. لكنه قال أيضاً “وليبقوا معي إذا أعجبهم، وإذا لا سأرحل أنا”. لكن الرئيس لن يرحل. هو رئيس، والرئيس رئيس. سيبقى كذلك لحين انقضاء الولاية. سيبقى رئيساً رغم الانهيار والإفلاس وكل مؤشرات الفشل. الرئيس رئيس، ولو أنّنا تدهورنا من إنجاز إدخال لبنان إلى النادي النفطي إلى إنتاج بيض الفرّي في بيروت-الأولى.

المدن

اترك رد