حماية السلاح غير الشرعي بالفتنة

عبد الوهاب بدر خان

أصبح المسار بالغ الوضوح: تقوم السلطة بحماية رموزها بما تيسّر لها من قمع واندساس في “ثورة 17 تشرين”، ويدفع “حزب الله” ببلطجيته الى الشارع ليصطنع فتنة طائفية – مذهبية محميّة بسلاحه غير الشرعي. السلطة تراهن على مفتعلي الشغب و”الحزب” يراهن على الترهيب، وبين تحرّكيهما تداخل وتنسيق، على أن يتولّى الجيش في النهاية إطفاء الحرائق أو منع امتدادها، في انتظار المواجهة التالية… على رغم أن أحداث السبت الماضي أثارت مخاوف من عودة أشباح الحرب الأهلية، وفقاً لتهديدات مبكّرة أطلقها الأمين العام لـ “حزب الله”، إلا أنها لم تكن سوى عيّنة بسيطة مما تعتزمه ميليشيا “الحزب الحاكم” لإخماد أي نقاش يمسّ سلاحها الذي فقد شرعيته منذ زمن، في بيروت (7 أيار 2008) ثم في سوريا (بدءاً من أواخر 2011).
لم تُحدّد بدقّة هوية الفريق الذي استبق موعد تجديد “الثورة” (6/6) وتظاهر داعياً الى تطبيق القرار الدولي 1559، فقد يكون صادقاً وعفوياً أو مدفوعاً من جهةٍ ما، وهي الجهة التي بنت على تحرّكه لتستمد ذريعة “حماية السلاح” الذي يدعو القرار (منذ 2004) الى نزعه لبسط سلطة الدولة. ومع أن ثورة “17 تشرين” وضعت “حزب الله” ورموزه في سلّة “كلّنيعنيكلّن”، إلا أن عدم جهرها برفض سلاحه غير الشرعي لم يعنِ أنها تجهل خطورة هذا السلاح على الوضع اللبناني برمّته، بل أنها أعطت الأولوية لمطالب الإصلاح سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً. ومن شأن هذه الإصلاحات إذا تمّت، وهي مطلوبة الآن بإلحاح وصرامة من صندوق النقد الدولي وغيره، أن تفكّك منظومات الفساد والتسيّب التي أتاحت لهذا السلاح أن يتحكّم بحاضر البلد ومستقبله.
كان الذهاب الى افتعال الفتنة من أجل هدف محدّد: ضرب “الثورة” ووضع القوى المدنية والأحزاب المحرّكة لها أمام خطر الاقتتال الأهلي إن هي حاولت تجديد احتجاجاتها في المدى القريب وما بعده. هذا ليس منطق استبداد فحسب بل أيضاً منطق تدمير وتخريب تعتمده منظومة الفساد لتبقى في السلطة، لكن من أجل ماذا؟ ليس بين حلفاء الحكم من يستطيع الادّعاء بأنه يرتكب ما يرتكبه من أجل مصلحة لبنان واللبنانيين، ولا مصلحة نظام سوري “حليف” يتضاعف اهتراؤه يومياً، ولا مصلحة “محور الممانعة” الذي لن يتقرّر مصيره ببقائه في لبنان… كلّ ما في الأمر أن “حزب الله” يجد في هذه المرحلة فرصة مؤاتية لتفكيك الدولة وخنق صوت اللبنانيين لئلا يحمّلونه مسؤولية الأزمة الحالية.
كيفما قُلّبت الأزمة تبدو مقفلة: افلاس الداخل لا يُعالَج إلا من الخارج، وللخارج شروط لا تُلبّى إلا بإصلاحات، وهذه لا يمكن أن تكون “حقيقية” وفاعلة إلا برفع تسلّط “حزب الله” وسلاحه على الدولة. والأكيد أن إغراق الأزمة في حرب أهلية لا يعالجها ولا يحمي السلاح غير الشرعي.

اترك رد