الأسد وصراع القَيصرين

أيام ويبدأ سريان مفعول قانون قيصر الذي يُشدد العقوبات على نظام الأسد وكل من يدعمه ويتعامل معه، وهو ما يعني استهداف المصالح الروسية بشكل مباشر كونها الداعم الأول لنظام يعاني الموت سريريًا منذ سنوات التدخل الروسي.

بوتين نفسه يعرف ماذا يعني فرض العقوبات من قبل الولايات المتحدة على بلد ما، فموسكو ترزح تحت وطأة عقوبات غربية بقيادة الولايات المتحدة هي بالأساس تهدف للاحتواء والتصدي أكثر منها للهجوم والتدمير، وتخشى تدهور الأوضاع في مزرعتها الشرق أوسطية مع تفعيل قانون قيصر الذي عُدَّ خصيصًا للضغط على المؤسسات والهيئات الحكومية ورموز النظام بهدف إجباره على قبول المسار السياسي في حل المسألة السورية.

خطوات القيصر الروسي في مواجهة القيصر الأمريكي اتخذت منحيين، الأول التحرك على الأراضي السورية بقوات عسكرية جديدة، وإعطاء الهيئات الروسية ضوءًا أخضر لحصد المزيد من المكاسب الاقتصادية، وفتح قواعد عسكرية جديدة، والتوسع في شرق الفرات بتنشيط الدوريات الروسية في المناطق الأمريكية، ومحاولة ربط مناطق الأسد بعجلة الاقتصاد الواقعة تحت النفوذ الأمريكي كونها مستثناة من فرض العقوبات من خلال فتح الطرق السريعة معها، ومحاولة بناء كيانات عسكرية تضمن روسيا بولائهم مصالحها.

وكذلك نجد أن روسيا أوقفت آلتها الإعلامية وكفَّت عن مهاجمة الأسد مع تعيين بوتين مبعوثه (ألكسندر يفيموف) برتبة سفير فوق العادة التي اعتادها الأسد مع السفراء الآخرين، حيث لم يكد (يفيموف) يطأ دمشق إلا وتم منح استثمار محطة سكة الحجاز لشركة روسية بسعر بخس، وتلاه أمس إقالة الحكومة التي لم يبقَ من عمرها الافتراضي كثيرًا، حيث شُكلت حكومة جديدة قبل موعد انتخابات مجلس الشعب التي يعتزم الأسد إجراءها في تموز القادم، وهو ما يعقبه بالعادة تشكيل حكومة جديدة، إلا أن قصر النظر الروسي لا يزال يرى في الحكومة شيئًا وفي الأسد شيئًا آخر، فالمندوب الروسي يحاول بتعليماته تبريد صفيح السويداء الساخن عبثًا.

أما المنحى الآخر فهو الحراك الدبلوماسي الذي تواريه موسكو منذ زمن خلف أجندتها العسكرية، الذي كشف عنه علنًا نائب وزير الخارجية الروسي (سيرغي ريابكوف) باستعداد روسيا للحوار مع واشنطن حول سورية، بالإضافة إلى ذلك فإن الإعلان عن لقاء روسي إيراني على مستوى وزراء الخارجية قبل يوم من تفعيل قانون قيصر، هو إما أن يكون للانطلاق بسياسة جديدة تهدف لاحتواء العقوبات وبحث ما يمكن تقديمه من تنازلات، أو هو اجتماع للمغامرة بالنظام السوري ومواجهة العقوبات على طريقة الأسطوانات الإيرانية المشروخة.

خيارات بوتين والأسد في مواجهة قيصر تكاد تكون معدومة، ولا يمكن الإمساك بأي جبهة لمواجهة هذه العقوبات، فالداخل يستقبل قيصر بأهازيج السويداء المناوئة للأسد التي قد تتسع عدواها للمناطق الموالية قبل تلك التي أُخمد نيرانها ومازالت تتقد تحت الرماد تنتظر فرصة جديدة.

بينما الدول المجاورة للنظام التي اعتمد عليها لسنوات ليست بحال أفضل منه، فلبنان ستطاله صفعات قيصر بسبب حزب الله الذي نهب بنوك بيروت ليشارك في إيقاف نزيف ليرة الأسد، بينما ينشغل كل من العراق والأردن باقتصاده الداخلي مع انصياع تام لقرارات ترامب المُمهِّدة لاستقبال قيصر جديد يجثم على رقبة الأسد.

رَغم ما سيطال السوريين من تأثير بسبب هذا القانون، يبقى هذا الخيار أهون ما يخيرنا به الأسد بين كأس حياة يسقينا إياه بذُل، وبين كأس حنظل نشربه بعزّ نكابد مراره حتى ننال حريتنا.

غسان الجمعة – صحيفة حبر

اترك رد