مسيحيو سوريا.. بين الهوية الوطنية والهوية الكنسية-1

أسامة آغي |

مقدمة:

تعتبر سوريا في نموذجها المعاصر تكثيفاً حيوياً لمفهوم التعايش الاجتماعي والسياسي بين مكوناتها المختلفة. ويندرج المكوّن المسيحي ضمن هذه اللوحة الفسيفسائية، التي يغلب عليها طابع الثقافة العربية الإسلامية. هذا الطابع لم يكن ذا بنية دينية مغلقة، بل كان منفتحاً على بقية المكونات الاجتماعية والدينية، ضمن رؤيةٍ كانت تتبدل مع تبدّل الحال السياسية حسب المرحلة.

ويُعتبر مسيحيو سوريا مكوّناً من مكوّناتها التاريخية، ويتوزع وجود هذا المكوّن على غالبية المحافظات السورية. ولكن، نسبة هذا الوجود بالنسبة إلى عدد السكان العام في البلاد، كانت تختلف من مرحلةٍ إلى أخرى، تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية التي تمرّ بها سوريا. هذه النسبة ذات اتجاهين، أحدهما من الداخل إلى الخارج، أي الهجرة نحو خارج سوريا، وتشمل هجرة المسيحيين السوريين نتيجة أوضاعٍ سياسيةٍ، أو اقتصادية. وثانيهما هجرة من الخارج إلى الداخل السوري، كما حصل مع هجرة الأرمن إلى سوريا مطلع القرن العشرين، وتحديداً بعد المذابح التي تعرضوا لها عام 1915م. وكذلك مع هجرة الآشوريين من مناطق سنجار في العراق إلى رحاب منطقة شمال شرق سوريا، التي يُطلق عليها اسم منطقة “الجزيرة”.

ويُسجّلُ للمسيحيين السوريين دورهم في حياة سوريا السياسية والثقافية والفكرية في مئة السنة الأخيرة. أي بعد انحسار حكم الدولة العثمانية عن بلاد الشام عموماً، وعن سوريا خصوصاً، وصولاً إلى مرحلتنا الحالية. هذه الفترة هي موضوع بحثنا حول المكوّن المسيحي في سوريا.

ويمكن القول إن مسيحيي سوريا عملوا مع باقي المكونات السورية ضدّ الانتداب الفرنسي للبلاد ما بين عامي (1920-1946 م). وقد برزت خلال هذه المرحلة وما بعدها قامات وطنية مسيحية، اختلفت اتجاهاتها الفكرية، فكان منهم المفكّر الماركسي إلياس مرقص، ومنهم أحد مؤسسي حزب البعث السوري ميشيل عفلق. إضافة إلى فارس الخوري، وهو القامة الوطنية، الذي كان في مقدمة رافضي الاحتلال الفرنسي، وأحد رجالات الدولة السورية بعد الاستقلال.

تبعيات المسيحيين السوريين المذهبية والقومية:

لعلّ من الضروري بيان “أن سكان سوريا من أوائل الشعوب التي اعتنقت الديانة المسيحية، حيث اعتنق الآراميون (السوريون القدماء) الديانة المسيحية، وكانت الآرامية لغة السيد المسيح. كما اعتنقت بعض القبائل العربية التي استوطنت سوريا الديانة المسيحية، كالغساسنة في حوران وفي جنوب سوريا، وبني تغلب الذين قطنوا حلب ومنطقة الجزيرة من عصر ما قبل الإسلام “(1).

إن البحث في المكوّن المسيحي السوري، يتطلّب البحث بكلّ تقسيماته الكنسية المختلفة، من أجل الكشف عن العلاقة بين الهوية الوطنية السورية والهوية الكنسية. ويمكن القول إن المكوّن المسيحي يتشكّل إثنياً من الأقوام القديمة (السريان – الآشوريون – الآراميون – الكلدانيون)، إضافةً إلى المسيحيين المنحدرين من أصول عربية والمنحدرين من أصول أرمنية وافدة إلى البلاد في العقد الثاني من القرن العشرين.

وقبل البحث في التقسيمات الكنسية، يمكن الإشارة إلى أنّ مجمل من يعتنق الديانة المسيحية من السوريين، يشكّلون عبر مجمل طوائفهم وإثنياتهم نسبة 10.5% من عدد سكان البلاد. وهناك من يقدّر هذه النسبة ما بين (10%-12%) من إجمالي عدد السكان الحالي البالغ 23 مليون نسمة(2).

ويتوزع المكوّن المسيحي السوري على طوائف متعددة، ذات جذورٍ دينيةٍ تعود إلى المذاهب الرئيسية الثلاثة للديانة المسيحية، وهي المذهب الأرثوذكسي، والمذهب الكاثوليكي، والمذهب البروتستانتي. وتتوزع الطوائف المسيحية السورية على عددٍ من التبعيات الإثنية، ولهذا “فإنّ المسيحيين السوريين ليسوا كتلةً واحدةً ذات صوتٍ سياسي واحد، بل هم عبارة عن مجموعاتٍ وأطراف متعددة، تحمل كلٌ منها مخاوف ومصالح تتحكم بموقفها السياسي”(3).

ويمكن القول أنّ المكوّن المسيحي في سوريا يتكوّن من تبعياتٍ طائفية/قومية متعددة، هي طائفة الروم الأرثوذكس، وتعني كلمة أرثوذكس، الإيمان المستقيم. أما كلمة رومان أو روم فقد أُطلقت على رعايا الكنائس الخمس القديمة (روما – القسطنطينية – الاسكندرية – انطاكية – أورشليم)(4).

إن تعداد كل طائفة من الطوائف المسيحية السورية قد بلغ في العام 2000م بموجب إحصائية تقريبية الأرقام التالية حسب تسلسل الطوائف كالتالي:  طائفة الروم الأرثوذكس هي أكبر الطوائف المسيحية في سوريا عدداً، إذ يتجاوز تعداد أفراد هذه الطائفة أكثر من 545250 ألف نسمة. يليهم طائفة الأرمن الأورثوذكس. والأرمن هجروا مناطقهم بسبب الظروف السياسية في مرحلة الحرب العالمية الأولى في العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً منذ عام 1915م. حيث تعرضوا لمذابح “إذ كانوا من سكان مناطق الأناضول في أرمينيا الغربية، إضافة إلى أرمينيا الحالية”(5).. ويبلغ تعداد طائفة الأرمن الأرثوذكس 342123 ألف نسمة. أما طائفة الروم الكاثوليك فيأتي ترتيب تعداد أفرادها في المرتبة الثالثة. حيث بلغ تعداد هذه الطائفة التقريبي 180372 ألف نسمة. أما السريان الأورثوذكس فقد احتلوا المرتبة الرابعة عددياً بين الطوائف المسيحية، وقد بلغ عددهم قرابة 166029 ألف نسمة. وبلغ تعداد طائفة السريان الكاثوليك 62148 نسمة، وبلغ تعداد الأرمن الكاثوليك لنفس الفترة 61911 نسمة، أما الموارنة فقد بلغ عددهم 57873 نسمة، أما البروتستانت فكان تعدادهم  37605 نسمة، وكان عدد الآشوريين في العام ذاته يبلغ 35280 نسمة، أما اللاتين فقد كان عددهم 21237 نسمة، وبلغ تعداد الكلدان الكاثوليك 17169 نسمة، وهم أقل الطوائف عدداً. ونذكّر أنّ هذه التعدادات مأخوذة من احصائية تقريبية في العام 2000. هذه الإحصائية قدّرت عدد المسيحيين في سوريا آنذاك بحدود مليون ونصف المليون نسمة، يتوزعون على كنائس على مستوى العالم، وهي بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأورثوذكس، وبطريركية انطاكية وسائر المشرق للسريان الأورثوذكس، وبطريركية أنطاكية والقدس والاسكندرية للروم الملكيين الكاثوليك. وبحسب كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، انخفضت أعداد ونسب المسيحيين بسبب الحرب الأهلية السورية، والتي أدّت إلى هجرة وتهجير المسيحيين. ففي حين كان تعدادهم في منتصف عام 2010م قرابة 2.3 مليون نسمة، أي حوالي 11.2% من عدد سكان البلاد آنذاك. انخفض تعدادهم ليبلغ في منتصف عام 2018 حوالي 1.9 مليون نسمة، أي أن نسبتهم 10.9% من مجمل السكان.

لقد خضع المسيحيون السوريون مثلهم مثل باقي المكونات الدينية والاثنية لنظام “الملل العثماني”، والذي كان مطبّقاً في الإمبراطورية العثمانية منذ بواكير عهود قيامها. نظام الملل العثماني لعب دوراً في “تحوّل ظاهرة الطائفية من كونها ظاهرة دينية إلى ظاهرة سياسية. تزامن استخدامها السياسي الكثيف مع دخول السلطة مرحلة الانحدار والتفكك”(6).

هذه الظاهرة رسّخت فعلياً سلطة كهنوت الطوائف المسيحية، باعتبارها سلطةً ليست دينية فحسب، بل وسياسية. إذاً ارتبط الكهنوت المسيحي في الامبراطورية العثمانية بسلطات “الباب العالي” مباشرة. ومن هنا يمكن فهم لماذا تجمّع المسيحيون في قرى أو مناطق أو أحياء محددة. فهذا التجمع سببه الرئيسي نظام الملل. حيث تكون الملّة في منطقة واحدة، ومعها أعمالها ومدارسها وجمعياتها، وكل هذه الحالات الاجتماعية والثقافية تكون تحت إشراف الكنيسة الخاصة بالطائفة. وهذه الكنيسة هي مفتاح علاقة المسيحيين مع السلطة العثمانية. أي أنّ الكنيسة هي من يقوم بتحصيل (الجزية والخراج) وفق ما تحدده السلطة العثمانية ككتلة مالٍ واحدة. ولهذا نجد أنّ المسيحيين يسكنون متجمعين في مناطق محددة.

إنّ نظام الملل العثماني هو نظام كانت غايته في حينها إدارة شؤون المجموعات العرقية والدينية في الإمبراطورية العثمانية. ولكنّ هذا النظام ومع مرور الوقت رسّخ طائفية دينية وسياسية، سيكون لها ضرر كبير على صعيد بناء دولة المواطنة. هذه الحالة تسمح بفهم أثر السلطة الدينية المسيحية على رعاياها. وهي تفسّر لاحقاً كيف استطاعت القوى الدولية التدخل في شؤون البلاد من بوابة حماية الأقليات. وتحديداً حماية المسيحيين من منطلق التبعية الكنسية. فالروس مثلاً يعتبرون أن المسيحيين من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية وهم ممن تشملهم الحماية الروسية، نظراً لانتماء الروس للكنيسة الأرثوذكسية.

إذاً “كان نظام الملل العثماني هو ما تمّ إقراره للتصدي لهذا الوضع، ويقضي هذا النظام بتقسيم السكّان بحسب مللهم، وإعطاء كل ملة حقوق التصرف في شؤونها الخاصة، الدينية والتعليمية والطقوسية وقضايا الأحوال الشخصية”(7).

لذلك كان رؤساء الطوائف المسيحية على اختلافهم يتمّ تثبيتهم بقرارات تصدر عن سلطان الدولة العثمانية. هذه الحالة ساعدت رؤساء الطوائف على أن تكون قراراتهم ذات صيغةٍ قانونية، سواءً ما يتعلق بالشؤون الدينية أو المدنية.

إذاً يمكن القول، أن النظام الملّي العثماني لعب دوراً في ترسيخ قاعدة الانقسام الاجتماعي، من خلال ترسيخ الطائفية لدى المكونات السورية. وتحديداً المسيحية منها. فظهرت هذه الطوائف وكأنها مجموعات سياسية متمايزة، ذات مصالح قد تكون متعارضةً. هذا الأمر نسف عملياً قاعدة المواطنة، إذ أصبحت الطوائف أسيرة مصالحها الضيّقة وتبعيتها الطائفية في ظلّ غياب قوانين واحدة، تحترم حقوقها ومصالحها وثقافاتها ضمن مربع الوحدة الوطنية الواحدة.

المسيحيون في مرحلة الانتداب الفرنسي:

الظروف التي حاقت بسوريا قبل دخول الفرنسيين إليها، كانت ظروفاً صعبةً، تتمثّل بوجود مجاعة وهجرة، إضافة إلى إرهاب سلطة والي سوريا آنذاك جمال باشا السفّاح في البلاد. وهذا ما جعل البلاد غير قادرةٍ على مقاومة أي غزوٍ لأراضيها. وهكذا توجّه الجنرال الفرنسي “غورو” من بيروت على رأس قوّة عسكرية فرنسية، يريد السيطرة على دمشق عاصمة سوريا. لكنّ السوريين بقيادة يوسف العظمة وزير الحربية في حكومة الملك فيصل ومعه متطوعون، ذهبوا لملاقاة الجيش الفرنسي في منطقة ميسلون القريبة من دمشق. وكان يوسف العظمة يعرف تماماً أنّ من معه من رجال لن يصمدوا بوجه قوات دولة عظمى آنذاك، ولكنه آثر ألاّ يدخل الفرنسيون سوريا دون مقاومة من شعبها.

دخل “غورو” دمشق في الرابع والعشرين من تموز عام 1920. وبذلك بدأت في سوريا مرحلة الانتداب الفرنسي، بموجب اتفاقات دولية، صدّقت عليها لاحقاً عصبة الأمم المتحدة. لكنّ السوريين في دمشق وحلب خرجوا بمظاهرات، تطالب بالاستقلال، وشارك المسيحيون بقية الشعب في هذه المظاهرات بفعالية كبيرة. حيث رفضوا ادعاء الانتداب الفرنسي بأنهم جاؤوا إلى سوريا لحماية المسيحيين فيها. ما حدا بفارس الخوري إلى الصعود إلى منبر المسجد الأموي يوم جمعة، حيث قال: “إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هذا المنبر أقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله”.

هذا الموقف الوطني الصادر عن شخصيةٍ سوريةٍ تنتمي إلى الديانة المسيحية، فتح الباب لوحدة السوريين، كما كانت عبر تاريخها. ولعلّ هذا الموقف تجسّد بصورةٍ أوضح، حين أقيمت مأدبةٌ في قصر المهاجرين (القصر الجمهوري الحالي)، حضرها وزراء ثاني حكومة شكّلها الفيصليون، وحضرها عدد من وجهاء مدينة دمشق.

في هذه المأدبة، قال غورو بتهكم: أهذا هو القصر الذي سكنه الملك فيصل؟. فأجابه فارس الخوري “نعم يا صاحب الفخامة، هذا هو القصر الذي سكنه الملك فيصل، وقد بناه والٍ عثماني اسمه “ناظم باشا”، ثمّ حلّ فيه جمال باشا، ثم الجنرال “ألنبي”، والآن تحلونه فخامتكم. وجميع من ذكرتهم أكلنا معاً في نفس القاعة، وكلهم رحلوا وبقي القصر، وبقينا نحن”(8).

موقف فارس الخوري جسّد موقف السوريين من الانتداب الفرنسي بصورة عامة، وموقف المكوّن المسيحي بصورة خاصة. ورغم المظالم التي عاشها المكوّن المسيحي في المرحلة العثمانية، والتي كانوا بموجبها يدفعون الجزية والخراج، وكأنهم ليسوا من أهل البلاد.

أتى موقف فارس الخوري ليعبّر عن وحدة السوريين، وطموح المكوّن المسيحي لحرية البلاد، ومساواة أبنائها، وتضافرهم في كلّ الظروف.

إنّ خروج العثمانيين من البلاد بعد حكمٍ دام قرابة أربعمئة عامٍ، لا بدّ أنه رسّخ شروخاً في بنية المجتمع السوري، وتحديداً بين مكونيه الإسلامي والمسيحي.

يقول ضابط يدعى صبحي العمري، الذي خاض غمار الثورة العربية ضدّ العثمانيين، ومعركة ميسلون ضدّ الفرنسيين: “لقد كان المسيحيون بصورة عامة، لا يزالون تحت تأثير الماضي، لقد كان المسيحي في العهد العثماني مواطناً من الدرجة الثالثة، لا يشعر أنه مواطن، له حقوق، وعليه واجبات”(9).

هذه الحالة لم تذهب بالمكوّن المسيحي إلى مرحلة التعاون مع سلطات الانتداب الفرنسي، رغم أن الفرنسيين أرادوا منذ بداية انتدابهم لسوريا أن يفرضوا تقسيمات ذات اتجاه طائفي وجغرافي على البلاد. إذ قسّموا سوريا فعلياً إلى دولتين رئيسيتين، هما دولة حلب، ودولة دمشق. وعملوا على إقامة حكمين ذاتيين لمنطقتي جبال الساحل السوري “العلويون” وجبل العرب “الموحدون الدروز”. ولكنّ هذه السياسة اقترنت بضخّ أكاذيب كبرى عن إمكانية حدوث فتنةٍ ومذابح بحقّ “الأقليات” أي بحقّ باقي المكونات السورية من غير العرب السنّة. وتحديداً، تركّزت الأكاذيب حول احتمال حدوث مذابح بحقّ المكوّن المسيحي، فيما لو انسحبت فرنسا من سوريا. وفي هذا الباب، قال المندوب السامي الفرنسي الجنرال “مكسيم ويغان” عام 1923: “إنّ انسحاب فرنسا من سوريا لن يعني إلاّ فتح “أبواب الفتن” و “تذبيح المسيحيين”، وأنّ تحقيق الوحدة السورية التي يطالب بها بعض السياسيين، يضع تحت تأثير أكثريةٍ غير متصفةٍ بروح الهوادة أقليةً من السكان المسيحيين والعلويين، ما عدا الطوائف الأخرى التي يجب علينا حمايتها”(10).

إذاً أرادت سلطات الانتداب الفرنسي أن تستثمر هذه المخاوف عند المسيحيين، فقامت بتسليح المدنيين منهم في دمشق. ولعلّ الثورة السورية عام 1925، التي قادها سلطان باشا الأطرش، أقلقت بعض أوساط المسيحيين خوفاً من قسوة الدروز عليهم، وهذا ما حدا بسلطان باشا أن يرسل كتاباً إلى بطريرك الروم الأورثوذكس في دمشق قال فيه: “لا خطر ولا خوف على المسيحيين من الثورة، التي لا تقصد إيذائهم، ولا ترمي إلى إساءة معاملتهم”(11).

إنّ تبديد مخاوف المكوّن المسيحي في مرحلة الانتداب الفرنسي، ارتكز على إعلان الإخاء الوطني العام بين الطوائف، حيث تتّحد جميع المكونات السورية (سُنّة – دروز – مسيحيون – شيعة) اتحاداً وثيقاً قاعدته الإخاء الوطني.

في هذه المرحلة أعلن أنطون سعادة تشكيل حزبه المسمّى “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، وهو حزب أراد توحيد المنطقة (بلاد الشام) تحت مفهوم “الأمة السورية”. هذا المفهوم خلق راحةً عميقةً لدى مسيحيي سوريا ولبنان، حيث المراد بناء دولة (سوريا الكبرى)، أي سوريا التي تعتمد المواطنةُ فيها على مفهوم الانتماء الوطني السوري، وليس على أساس ديني أو طائفي.

إذاً يمكن القول إن مسيحيي سوريا عموماً كانوا يركّزون على الانتماء ما فوق الديني، أي الوطني. وقد عبّر عن ذلك مطران حماة “اغناطيوس حريكة” حيث شارك في مؤتمر بلودان عام 1937م، وأكدّ على فكرة الوحدة العربية، وألحّ على طابع التضامن الديني في مفهوم القومية العربية. وهو قام أيضاً بمؤازرة الحركة الوطنية ضدّ الاستعمار الفرنسي، من خلال مساندته الثورات التي قامت في حماة. “وألّف فرقةً اهتمت بحمل السلاح، وإسعاف الجرحى، ونقل المؤن والذخائر إلى المقاتلين”(12).

هذه المواقف الوطنية لمسيحيي سوريا لا تعني عدم وجود مواقف لفكرٍ يعود إلى مرحلة الدولة العثمانية. أي مرحلة التموضع الطائفي “نظام الملل”. إذ تشكّلت في حلب على هذه الأرضية عصبةٌ سياسيةٌ، أطلقت على نفسها اسم “عُصبة الشارة البيضاء”. وكانت تريد أن يحكم الانتداب الفرنسي منطقتي (حلب والجزيرة السورية). باعتبار أن فرنسا دولةٌ ذات دينٍ كاثوليكي. إن أوضاع المسيحيين في هذه المرحلة لم تكن أوضاعاً مستقرّة في البلاد، فخلال عشر السنوات الأولى من الانتداب الفرنسي، هاجر عددٌ كبيرٌ من مسيحي البلاد إلى الخارج، لتحسين أوضاعهم الاقتصادية في هذه البلدان، التي كانت تشهد نهضةً اقتصادية كبيرةً، وتحديداً في القارة الأمريكية.

ولكن كان “ثمة هجرة مسيحية إلى سوريا أيضاً، بدأت منذ عام 1915م، مع بدء المجازر بحقّ الأرمن من قبل الأتراك، ثمّ في عهد الفرنسيين، استقبلت سوريا عدة موجات من المهاجرين الأرمن واليونانيين، وهجرة الآشوريين من العراق عام 1932م، وتوطنهم في منطقة شمال شرقي البلاد “منطقة الجزيرة على ضفاف الخابور”(13).

المسيحيون في مرحلة الاستقلال:

يمكن القول إن عملية الدمج السكاني في سوريا مثّلت بعد الاستقلال مرحلةً جديدةً نتيجة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. إذ ظهرت في هذه المرحلة بوادر معالم الدولة الحديثة، التي بدأت منذ فترة الانتداب الفرنسي تتشكّل على قاعدة وحدة البلاد. وقد تفاعل مسيحيو سوريا مع هذه المرحلة، وعاشوا حالةً من السلام الوطني. ولكنّ هذه المرحلة لم تدم طويلاً. إذ أنّ صعود حزب البعث إلى السلطة بانقلاب عسكري في الثامن من آذار عام 1963م لعب دوراً سيئاً في استقرار مسيحيي سوريا، فالمسيحيون السوريون تأثّر نشاطهم الاقتصادي بصورةٍ كبيرةٍ نتيجة قيام البعث بما سُمي “الإصلاح الزراعي وتأميم المنشآت الصناعية الخاصة، وسحب التوكيلات التجارية”، وهي عملياً مجالات عملهم في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، ما دفعهم إلى الهجرة إلى الخارج مع أموالهم. كانت خطوة البعث في التأميم والاصلاح الزراعي استمراراً لخطوات دولة الوحدة بين مصر وسوريا، والتي لم تدم طويلاً.

تقول كارولين دوناني: إن نسبة المسيحيين في سوريا عشية الاستقلال 14% من سكان سوريا، وهي نسبة انخفضت عن نسبتهم عام 1918م، والتي كانت بحدود 30%. ويمكن أن نقول إنه “منذ منتصف القرن العشرين الماضي كان 75% من الشركات والوكالات الأجنبية بيد المسيحيين، كانت أراضيهم تفوق التصور، ثم تمّ تأميمها من قبل الدولة”(14).

إذاً نسبة المكون المسيحي السوري تتغيّر وفقاً لظروف الأمن والاستقرار وطبيعة الحياة السورية في البلاد. هذا المكوّن شارك بفعالية في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في البلاد بعد الاستقلال، فكان منهم أعيانٌ في المدن والقرى، وكذلك وجهاء في سوريا ما بعد الاستقلال. وتبيّن إحصائية أنه “كان عدد الضباط المسيحيين وفق إحصائية عام 1947 (68 ضابطاً) من أصل (279) ضابطاً، أي أن نسبتهم بلغت 27.3%”(15).

ولكن من الضروري بيان أن أيام الوحدة السورية المصرية لم تشهد تقلّد أي شخصية مسيحية في الإقليم السوري لأي منصب وزاري في هذا الإقليم. وهذا كان أمراً غير مفهومٍ، ويدفع باتجاه التمييز بين مواطني سوريا. وهو إحساس بالغبن الوطني والسياسي، سيدفع لاحقاً إلى ترحيب المسيحيين بسقوط دولة الوحدة، وكذلك تأييدهم لحكومة الانفصال عام 1961م. إذ أطلقوا على حركة الانفصال اسم “ثورة مجاهدة”. لأنهم عملياً تعرّضوا للطغيان السياسي والديني فيها.

ولكنّ مسيحيي سوريا في الفترة ما بين الاستقلال ووصول البعث إلى السلطة في البلاد كان يميلون سياسياً إلى حزمة الأحزاب ذات الطابع العلماني، والتي تنتمي إلى الفلسفة الليبرالية، أو الاشتراكية عموماً. فهم في هذه الأحزاب يجدون أنفسهم وثقافتهم ووطنيتهم. لهذا نجد أن الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه انطون سعادة، الذي أعدم في بيروت عام 1949م كان الحزب الأكثر صلة بالمكوّن المسيحي السوري، إذ أنه ينادي بالنهضة السورية القومية الاجتماعية، وهو فكر يجد المسيحيون السوريون أنه يلغي الفوارق الدينية، أو الطائفية، أو القومية. كذلك كان مسيحيو سوريا أقرب إلى الأحزاب الاشتراكية، مثل حركة “الاشتراكيين العرب” التي أسسها أكرم الحوراني، أو الحزب الشيوعي السوري، حيث شغلت شخصيات مسيحية كثيرة مناصب في هذه الأحزاب.

إن انقلاب البعث في سوريا عام 1963م سيدفع بظروف المكون المسيحي نحو تراجعات كبيرة على صعيد المشاركة في الشأن الوطني. ويمكن الاستدلال على هذا الإحجام من خلال معرفة أن الصراعات داخل حركة ضباط البعث السوري لم يكن فيها حضور للمسيحيين. ولكن يمكن ملاحظة أن رجال الدين المسيحي امتنعوا عن التدخل في السياسة الداخلية التي يمارسها البعث، وامتنعوا عن المشاركة في نقده، الذي برز في أوساط دينية واجتماعية سُنّية محافظة.

ولكن كان لظهور مقالٍ في مجلة “جيش الشعب” عام 1967م يتعرّض لفكرة الله والأديان، أن أثار الكثير من الاحتجاجات والمظاهرات، التي كان للمسيحيين حضورٌ فيها. فقد شارك رجال دين أورثوذكس في مظاهرات حماة المعادية للحكومة، وتدخل رؤساء الطائفة الكاثوليكية بدمشق للإفراج عن رجال الدين.

إن النكسة الحقيقية التي تعرّض لها مسيحيو سوريا في مرحلة الوحدة السورية المصرية كانت تتعلق بخطوات اقتصادية “فقد جرى تأميم جميع المدارس المسيحية مثل الفرنسيسكان، والأمريكان” ما سبّب في مغادرة الكثير من الكفاءات العلمية والثقافية المسيحية إلى خارج البلاد. ففي أيلول من عام 1967م أصدر البعث قرار تأميم المدارس الخاصة المملوكة لجهات أو مؤسسات دينية، وهو أمر كانت له ردود فعلٍ غاضبة ورافضة عند المسيحيين، وتحديداً لدى طائفة الكاثوليك، إذ اعتبرت الطائفة الكاثوليكية وباقي الطوائف المسيحية أن هذا القرار انتهاك للمؤسسات المسيحية، التي كانت محترمةً منذ فجر التاريخ المسلم.

لكنّ تدخلات البعثيين لم تتوقف عند هذه الحدود، وإنما اتسعت لتشمل انتخابات المطارنة، إذ جرى عام 1969م في تشرين الثاني احتجاجٌ مسيحيٌ من قبل الأورثوذكس السوريين، أثناء محاولة النظام التدخل في انتخاب مطران الأورثوذكس الشرقيين في حمص. هذه السياسات البعثية كانت حافزاً على نفور المسيحيين من حكم البعث، وابتعادهم عنه، وانضمامهم إلى الجهات التي تنتظر الخلاص منهم.

وقبل حكم البعث، كان مسيحيو سوريا يعتبرون مرحلة الوحدة السورية المصرية مرحلة نكبة. لأنها حملت إليهم سياسات التأميم، فقد كان المسيحيون يشغلون مواقع متعددة في الاقتصاد السوري، وكانوا يعتبرون الفترة التي سبقت حكم الوحدة سنوات عمل منتجة لهم وللمجتمع. فقد كان كثير من المسيحيين يمتلكون معامل ومؤسسات اقتصادية مختلفة، قام البعث بتأميمها، كذلك أثّرت عليهم قوانين الاصلاح الزراعي، التي خسروا بموجبها ملكيات أراضٍ زراعيةٍ ذات مساحاتٍ واسعة.

وينبغي ألّا ننسى أن نظام الوحدة السورية المصرية كان نظاماً بوليسياً بمعنى الكلمة. وكان خطاب هذا النظام يتجه أكثر فأكثر نحو مفاهيم قومية عربية، ذات طبيعة عصبوية. وهو أمر أثّر على كل المكونات الإثنية غير العربية في سوريا. هذه السياسات ساهمت في هجرة كثيرٍ من مسيحي سوريا إلى خارج البلاد.

ثبت بمراجع الجزء1:

1-                https://www.marefa.org  المسيحية في سوريا

2-                Ishtartv.com/viewarticle،43344html  المسيحيون السوريون نسبتهم وعددهم وقومياتهم وطوائفهم

3-                 https://carmegie-mec.org/ar-pob-63435  المسيحيون والثورة السورية – جورج فهمي 25/4/2016

4-                 https://ariorthodoxwiki.org  الروم الارثوذكس

5-                 Aletihadpress.com  ماذا تعرف عن الارمن في سوريا  3/11/2018

6-                https://middle-east-online.com  الدولة العثمانية – نظام الملل – الى الطائفية المتفجرة  4/1/2016

7-                https://www.aljumhuria.net/content  مسيحيو سوريا –  15أيلول 2017 أوراق: عبدو امين – إياد العبدالله

8-                www.maaber.org/independance/independance_4htm صفحات عن فارس الخوري  ندرة عبدالله اليازجي

9-                https://www.aljumhuria.net/content مسيحيو سوريا 15 ايلول 2015  أوراق: إياد العبد الله – عبدو أمين

10-            المصدر السابق

11-            المصدر السابق

12-            https://www.orthodoxlegacy.org

13-            https://www.aljumhuria.net/content  مسيحيو سوريا 15 ايلول 2017 أوراق: عبدو امين – إياد العبد لله

14-            Ishtartv.com/viewarticale،43344/html

15-            https://www.aljumhuria.net/content  مسيحيو سوريا 15 ايلول 2017 أوراق: عبدو أمين – إياد العبد الله.

نينار برس

اترك رد