التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية(عرض)

الآراء الواردة ضمن هذا العرض المستفيض للكتاب لا تمثل بالضرورة آراء مركز حرمون للدراسات المعاصرة، بقدر ما تمثل آراء مؤلف الكتاب.

 فهرست

1 – مرور تاريخي سريع

2 – موجة الهجرات الأولى باتجاه الجزيرة السورية  1915 – 1946

2 – 1 – هجرة الأرمن

2 – 2 – هجرة السريان والآشوريين إلى الجزيرة السورية

2 – 3 – الهجرات الكردية

2 – 4 – نشوء مدن وبلدات الجزيرة

2 – 4 – 1 – الحسكة بدلًا من ماردين

2 – 4 – 2 – القامشلي بدلًا من نصيبين

2 – 4 – 3 – رأس العين

2 – 4 – 4 – بلدات أخرى

2 – 5 – فشل قيام كيان كردي كلدو آشوري في الثلاثينيات

2 – 6 – الجزيرة تندمج مع الدولة السورية 1943

2 – 7  – تزايد سكان الجزيرة بسبب الهجرات

3 – من الهجرة الكردية الثانية إلى الحزام العربي

3 – 1 – استمرار تدفق الأكراد المهاجرين من تركيا إلى الجزيرة السورية

3 – 2 – الإحصاء الاستثنائي 1962

3 – 3 – برنامج الحد من تسلل الأكراد إلى المنطقة 1962

3 – 4 – الجزيرة في فترة حكم البعث الأولى بعد 1963حتى نهاية السبعينيات

4 – موجة الهجرة الثالثة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين

4 – 1 – حزب PKK المدعوم من الأسد

4 – 2 – الضغوط التركية

5 – القوى السياسية الكردية وموقفها من استقلال “كردستان”

6 – كلمة أخيرة حول الكتاب “رؤية نقدية”

مدخل:

قدّم الباحث جمال باروت بحثًا حول الجزيرة السورية، وهو بحث جدير بالقراءة، لما فيه من توثيق ورصد لمجرى الوقائع على الأرض بنظرة موضوعية، وقد قال لي جمال عنه “إنه أهمّ بحث أنجزته في حياتي”. المشكلة الوحيدة هي ضخامته، فقد نُشر في كتاب يزيد عن نيف وألف صفحة، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، وتحتاج قراءته إلى جَلد ووقت، في زمن تعوّد فيه الناس سرعات (تويتر) و(فيسبوك) وثقافتهما، وهي أدوات لا تخلق وحدها سوى معرفة سطحية بالأمور.

تعتمد هذه المادة بكليتها على ما جاء في الكتاب، إمّا نقلًا أو استخلاصًا، وهي أشبه بخلاصة للكتاب، عدا آخر فقرة “كلمة أخيرة، رؤية نقدية”، فهي ملاحظتي الشخصية على الكتاب.

1 – مرور تاريخي سريع:

يعطي باروت فكرة عن تاريخ الجزيرة منذ الفتح العربي، حيث كانت قبائل عربية عديدة تدين بالمسيحية، مثل: نظير وقضاعة وتغلب وغسان وتنوخ وربيعة، وكانت جميعها على مذهب الكنيسة الأرثوذوكسية “اليعاقبة”، وهم من أطلق على عمر بن الخطاب لقب “الفاروق”، وتعني بالسريانية “المخلّص”، لأنه خلّصهم من حكم بيزنطة. وكانت نصيبين والرها وسلوقية أهم مراكزهم. وقد فتح العرب الجزيرة السورية، ثم فتحوا فارس بمساعدة السريان والقبائل العربية المسيحية.

يستعرض باروت -بعجالة- الخراب الذي حلّ بالجزيرة السورية، بسبب جحافل هولاكو 1228 التي ألحقت بالجزيرة أول نكبة كبيرة. وينقل عن ابن الأثير الجزري، وهو ابن “جزيرة ابن عمر”، ما كتبه عن غزوة هولاكو: “لو قال قائل إن العالَم، مذ خلقه الله سبحانه إلى الآن، لم يُبتلَ بمثلها؛ لكان صادقًا… فقد نهبوا ودمّروا ديار بكر والجزيرة، بما في ذلك الخابور وسنجار، وأعملوا السيف بأهلها”.

ثم بسبب جحافل تيمورلنك 1394 – 1401 التي ألحقت بها دمارًا هائلًا أكبر مما لحقها بدمار هولاكو، حيث دمّر تيمورلنك الجزيرة الوسطى (السورية اليوم) ودمّر تجمعاتها البشرية الحضرية العامرة، ودمّر نُظم الري التي بُنيت منذ أيام الساسانيين والرومان والبيزنطيين، ووجّه ضربات قاسية للمسيحيين، في ديار بكر وماردين والموصل وطور عابدين، وذبح كثيرًا من اليعاقبة، وسوّى الكنائس والأديرة بالأرض في أواخر القرن الرابع عشر؛ فتصحرت الضفة اليسرى لنهر الفرات، وهُجر الإقليم، وخلا تمامًا من أي توطّن فلاحيّ متحضر، ولم تقم للجزيرة قائمة بعدها حتى القرن العشرين.

وبعد سيطرة العثمانيين على المنطقة، في القرنين 16 و17؛ سعت الدولة العثمانية لتنمية الجزيرة، ولكن لم يُكتب لمسعاها النجاح، وبقيت الجزيرة أرضًا شاسعة تجول فيها عشائر بدوية. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، هاجرت عشائر عربية من الحجاز ونجد، واستقرت في الجزيرة، مثل شمّر وطي وعنزة والجبور وغيرها. وبحلول عام 1815 أصبحت العشائر العربية مسيطرة تمامًا على ضفتي الفرات ودجلة وعلى البادية. ويُظهر تقرير العقيد تشيني Cheseny 1835 – 1827 أنه لم يكن في الجزيرة قرية واحدة عامرة في وادي الفرات، سوى بلدة صغيرة تدعى “دير الزور” نسبة إلى الدير العتيق. ولم يتجاوز عدد سكانها 4000 نسمة. ولم تنشأ في الجزيرة حواضر عمرانية، إلى حين وقوع سورية تحت السيطرة الفرنسية. وبقيت الجزيرة السورية حتى عام 1922 أرضًا شاسعة قليلة السكان، تجول فيها عشائر بدوية غير مستقرة.

بُنيت قرى وبلدات الجزيرة، في عمرانها الأخير بعد 1925، فوق المدن التاريخية القديمة أو إلى جوارها، في سهل وادي الفرات والخابور؛ حيث بُنيت دير الزور فوق أو قرب الدير العتيق أو “لافا” الأمورية و “أزورا” الرومانية، وبُنيت منبج في نقطة “هيرابوليس”، وأحييت مسكنة في نقطة “بالس” القديمة، وجرابلس قرب “كركميش” عاصمة الحثيين القديمة، وبُنيت الرقة في الموقع الذي كانت تقوم فيه مدينة “نيقوفوريون”، وبُنيت الميادين فوق “رحبوب” الآرامية، وبُنيت العشارة فوق “تفا”، وبُنيت البصيرة مكان “قرقسياء” على الضفة اليسرى للفرات، وبُنيت نويات رأس العين مكان مدينة “كبارا” المندثرة على منابع الخابور، التي كانت في العصر العباسي مركزًا تجاريًا ومصيفًا للخلفاء.

يرصد الكتاب ويوثق ثلاث هجرات أو ثلاث فترات للهجرة: الهجرة الأولى 1915 – 1946، وارتبط معظمها بمرحلة الانتداب الفرنسي، أي بين عامي 1920 و1946؛ والهجرة الثانية منذ منتصف الأربعينيات حتى السبعينيات من القرن العشرين؛ والمرحلة الثالثة هي المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

2 – موجة الهجرات الأولى باتجاه الجزيرة السورية 1915 – 1946

بعد احتلال الفرنسيين لسورية، ومنها الجزيرة؛ شجّعت السلطات الفرنسية إعمارَ الجزيرة، وقامت بتشجيع هجرات الآشوريين والسريان والأرمن والأكراد من الأراضي التركية اليوم، ومن عرب دير الزور، للهجرة إلى الجزيرة، واعتبرت كلّ من يُصلح أرضًا ويزرعها باستمرار مدة خمس سنوات مالكًا لها. وقد خلق هذا مزاحمةً بين العشائر، لبناء القرى في مناطق ترحالهم، وسجلوها ملكًا عقاريًا باسم شيخ العشيرة، وخلق هذا ملكيات كبيرة لشيوخ العشائر، وسنغطي هذا في سياق هذه المراجعة لهذا الكتاب، الذي يتناول إعمار الجزيرة اقتصاديًا أيضًا. وبدأت عملية تحوّل العشائر من راحلة إلى مستقرة (الجبور، شمر، طي، عنزة، البكارة، إلخ) وبدأ الانتقال من الخيم وأكواخ القصب والزلّ، إلى البيت الطيني.

بسبب الهجرات الأرمنية والسريانية والآشورية والكردية، من شمال خط سكة الحديد (خط الحدود السورية التركية) إلى جنوبها؛ نشأ بين عامي 1926 و1940 نحو 1240 قرية. وكانت المدن والبلدات التي نمت مسيحية وأرمنية ويهودية، بدرجة أساسية. وكان العرب المسلمون في هذه المدن والبلدات ينحدرون من المدن السورية الأخرى، لا من الأصول البدوية المحلية، أو من أعيان العشائر المحلية ورؤسائها، بينما كان الريف المستقر كرديًا، في حين كانت السهوب عربية مؤلفة من بدو أنصاف حضر.

2 – 1 – هجرة الأرمن

جاءت الهجرات الأولى نحو الجزيرة السورية، ضمن عمليات تهجير الأرمن التي تمّت خلال الحرب العالمية الأولى، في العامين 1915 – 1916، حيث تم نقلهم من موطنهم الأصلي، في ولايات الأناضول الشرقية السبع (ديار بكر، كررت، فان، بدليس، أرضروم، سيفا، حزوب) إلى الولايات الأخرى. وقُدّر عدد المهاجرين الأرمن إلى سورية بين عامي 1919 – 1940 بنحو 157 ألف مهاجر أرمني، استقر قسم منهم في الجزيرة، كما استقر قسم آخر في مدن أخرى وخاصة حلب، وهاجر بعضهم إلى خارج سورية. وبلغ عددهم في الجزيرة وحدها، في عام 1943، نحو 9788 نسمة من أصل 146 ألف نسمة، هم إجمالي عدد سكان الجزيرة آنذاك. وبدورهم قام الفرنسيون باستكمال عمليات التهجير، ونقلوا 14 ألف أرمني آخر من لواء إسكندرون، إلى بيروت وحلب. أدى المهاجرون الأرمن دورًا كبيرًا في توفير المهن الحرة والأطباء والمحامين والصيادلة، وأدخلوا المهن الحرفية إليها، كالميكانيك والسياقة والحدادة، فضلًا عن نشاطهم في التجارة، وبرز ازدهار القامشلي ومدينة الحسكة، من خلال شدة جذب المحافظة للأرمن.

2 – 2 – هجرة السريان والآشوريين إلى الجزيرة السورية

جاءت موجة الهجرات نحو الجزيرة السورية، ضمن توجه تركيا لتخفيض عدد المسيحيين فيها. وكان عددهم عام 1926 يُقدر بـ 4.5 مليون (أرمن، سريان، آشوريين، يونانيين، بلغار) يعيشون في الأناضول. ولم يكن عدد سكان تركيا يتجاوز عشرة ملايين آنذاك. وقررت الحكومة التركية خفض عدد المسيحيين إلى 5%. وقد تم تهجير الأرمن والسريان إلى سورية، وهجرت الآشوريين إلى العراق، بينما هجرت نحو مليوني يوناني، كانوا في القسم الغربي من تركيا، إلى اليونان ضمن تبادل سكاني. وفي عام 1955 بقي في تركيا نحو 260 ألف مسيحي فقط، بين جيورجيين وأرمن وبلغار ويهود ويونان، وكان من بينهم 47 ألف أرمني. وفي مؤتمر أرضروم، قرر أتاتورك تجريد المسيحيين من الحقوق والامتيازات، وحرم الروم الأرثوذوكس، من السوريين المهاجرين من تركيا إلى سورية ولبنان، من استعادة أملاكهم، بحسب ما نصّت الاتفاقية التركية الفرنسية، حيث عدّتهم يونانيين.

سياسة التتريك التي انتهجها أتاتورك، لطرد الأرمن والسريان والأكراد من مناطق إقامتهم التاريخية في الجزيرة السورية العليا، إلى داخل سورية الانتدابية وإلى ما بعد خط الحدود الذي تم رسمه في اتفاقية أنقرة الأولى سنة 1921 بين فرنسا والأتراك، تلاقت مع سياسة فرنسا التي أرادت إعمار الجزيرة ذات الأراضي الشاسعة قليلة السكان، والتي تتوفر فيها المياه، لتكون منطقة لزراعة القطن، ولتكوين كيانات اثنية ضمن سياستها في الجزيرة، في مواجهة القوى الوطنية في دمشق وحلب، وقد ازدادت موجات الهجرة بخاصة بين عامي 1922 و 1939.

بسبب التهجير، انتقل المسيحيون، من ديار بكر والرها ونصيبين وماردين وقراها المحيطة، مثل بنيبيل والقصور ومعسرته وقلث وقلعتمرا والمنصورية وغيرها، إلى الجزيرة السورية. مثلًا بحلول أواخر العشرينيات، كادت نصيبين تخلو من أهلها، بسبب هجرتهم إلى مدينة القامشلي المحدثة، ومع قدوم 1935، فرغت قلعتمرا من سكانها السريان الذين هاجر معظمهم إلى الحسكة الوليدة. وبعد إخفاق تمرد الآشوريين (النساطرة) في العراق، بعد تحريض البريطانيين لهم ثم تخليهم عنهم؛ تم تهجيرهم إلى الجزيرة السورية، وتم إسكانهم على ضفاف نهر الخابور بين رأس العين والحسكة.

وبينما اتجهت الهجرة الأرمنية في غالبها إلى المدن الداخلية السورية، وخاصة إلى حلب، فقد اتجهت الهجرات السريانية والآشورية إلى الجزيرة واستقروا فيها. وقد بلغ عدد المسيحيين في الجزيرة السورية عام 1943 نحو 41552 نسمة، من أصل 130 ألف هم مجمل سكان الجزيرة في ذلك التاريخ. ويصف جكرخوين، في مذكراته، الحال في الجزيرة: “كانت زمام الأمور في بلدات الجزيرة بأيدي المسيحيين، الجندرمة والضباط كلهم كانوا من المسيحيين، كل الموارد الاقتصادية والتجارية وسواها كانت تحت سيطرتهم”.

2 – 3 – الهجرات الكردية إلى الجزيرة السورية

نشأ المجتمع الكردي في الجزيرة السورية، مثله مثل المجتمع السرياني والأرمني، نتيجة الهجرات من شمال خط سكة الحديد إلى جنوبها، بعد ترسيم الحدود بين سورية وتركيا، بحسب الاتفاق الفرنسي التركي، حيث تنازل الجنرال غورو للأتراك، في اتفاقية فرانكلان بويون (تشرين الأول 1921) عن مساحات واسعة من الأراضي كانت قد دخلت ضمن حدود سورية التي وضعت في معاهدة سيفر.

جاءت أولى موجات الهجرة الكردية إلى الجزيرة السورية، بين عامي 1925 و1939. وقد حدثت خلال هذه الفترة نحو 17 ثورة ضد الدولة التركية، بدأت بثورة الشيخ سعيد بيران سنة 1925، وانتهت بإخماد ثورة سيد رضا 1938 في درسيم. نتج عن هذه الثورات تدفق هجرات جديدة كردية إلى الجزيرة السورية؛ حيث ارتفع عدد الأكراد في الجزيرة، من 6000 نسمة عام 1927 إلى 47000 نسمة ربيع 1932، وإلى 54340 عام 1939، من أصل 111300 نسمة يمثلون 50.6% من إجمالي سكان الجزيرة، وبمعدل نمو سنوي 20.5%. ووقع الحجم الأكبر لهذه الهجرات بين عامي 1933 و1938، مع بدء الحكومة التركية تطبيق برنامجها بنقل السكان الأكراد وإعادة توطينهم في الولايات الأخرى، حيث اجتاحت القوات التركية عام 1934 المناطق الكردية في ساسون، واضطر قادة العشيرة الأكبر فيها إلى اللجوء إلى سورية، من أجل مواصلة المقاومة. وكان القمع التركي يعني بالضرورة هجرة كردية جديدة إلى الجزيرة السورية.

شكّل نقص اليد العاملة الزراعية في الجزيرة، إلى جانب التهجير من تركيا، عامل جذب للعمالة الكردية الرخيصة من تركيا، وخاصة في الأربعينيات والخمسينيات، فجاؤوا بكثرة للعمل في الزراعة، وخاصة زراعة القطن التي تحتاج إلى كثافة اليد العاملة، حيث كانت أسعار اليد العاملة الكردية متدنية.

أثارت الهجرات الكردية المتزايدة ردات فعل في الأوساط السورية، فقد تخوفت الأوساط الوطنية من الهجرة الكردية أكثر من الهجرة السريانية، بسبب وجود مشروع قومي كردي، لإنشاء كيان قومي مستقل من جهة، ولكون أعداد الأكراد كبيرة في تركيا والعراق المجاورتين، مقارنة بالسريان محدودي العدد، الذين لا يطمحون إلى مشروع قومي مستقل. ولذلك بدأت الحكومة السورية في وقت مبكر إثارة مسألة المهاجرين الأكراد إلى الجزيرة بخاصة. وقد زار وزير المعارف في الحكومة السورية محمد كرد علي، وهو من أصول كردية، الجزيرةَ السورية عام 1931، وقدّم تقريرًا لرئيس الحكومة تاج الدين الحسيني، حذّر فيه من أخطار الهجرة من تركيا إلى الجزيرة السورية، على أمن سورية، وقال: “إن جمهرة المهاجرين في الحقيقة هم أكراد نزلوا الحدود، واقترح إسكانهم في أماكن بعيدة من حدود كردستان، لئلا تحدث من وجودهم في المستقبل القريب أو البعيد مشاكل سياسية، تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة أو معظمها من جسم الدولة السورية؛ لأن الأكراد إن عجزوا اليوم عن تأليف دولتهم، فالأيام كفيلة بأن تنيلهم مطالبهم، إذا ظلوا على التناغي بحقهم، والإشادة بقوميتهم”. وأشار كرد علي إلى “أن المهاجرين يتوطنون على ضفاف دجلة والخابور وجغجغ والبليخ والفرات، ويقتطعون من شطوط تلك الأنهار ما يروقهم من المساحات، ولا يبعد أن يجيء يوم تتملك فيه تلك الشواطئ، مع أن أكثرها ملك للدولة”.

2 – 4 – نشوء مدن وبلدات عديدة في الجزيرة

ارتفع عدد القرى في الجزيرة، من 1240 قرية عام 1940، إلى 1800 قرية عام 1945، توزعت على 590 قرية في قضاء الحسكة، و935 قرية في قضاء القامشلي، و275 قرية في قضاء ديريك، وفي منتصف الأربعينيات، وصف وصفي زكريا توسّع القرى، بأن كثيرًا من أكراد بلاد الترك صار يتهافت نحو المنطقة العربية في الجزيرة، ويتسابق إلى إحياء القرى وإنشاء المزارع. ولكن النمو الأسرع جاء للبلدات الرئيسية التي تحوّلت إلى مدن، مثل الحسكة والقامشلي وديريك/ المالكية وغيرها.

2 – 4 – 1 – الحسكة بدلًا من ماردين

المهجرون من سكان مدينة ماردين والقرى السريانية التي كانت تحيط بها، مثل قلعتمرا والمنصورية والقصور وتل أرمن ومديات وقلت وغيرها، اختاروا الحسكة. وكان عدد سكان ماردين بحلول الحرب العالمية الأولى نحو 50 ألف نسمة، نصفهم من المسيحيين، ونصفهم الآخر من المسلمين. وكانت الحسكة حتى 1922 عبارة عن برية موحشة وأرض واسعة، تجول فيها قبائل بدوية، مثل شمر وطي وعنزة والبكارة والشرابين والمعامرة وغيرها، وكانت خالية من العمران، باستثناء بناء عسكري صغير غير مأهول بُني في عهد السلطان عبد الحميد، وتنحصر السلطة فيه بفرقة “البغالة” التي تتولى ضبط الأمن بين العشائر. ثم بنى الفرنسيون فيها ثكنة عسكرية عام 1923، فأصبحت محور جذب للمهاجرين السريان الأوائل من ماردين وقلعتمرا ومناطقها من الفارين من حملة التجنيد التركية. ثم وضع الفرنسيون عام 1924 المخطط التنظيمي الأول للمدينة. وفي عام 1925، أصبح عدد سكان الحسكة 234 عائلة، تضم 500 نسمة من المسيحيين المهاجرين من ماردين وقلعتمرا. ثم تم بناء جسر على نهر الخابور عام 1926، فتوطدت الحركة التجارية مع دير الزور لشراء المنتجات البدوية. وغدت الخضار تنقل من ماردين إلى الحسكة بعربات خشبية لم تكن معروفة في الجزيرة آنذاك. عام 1927 أصبح سكان الحسكة نحو 1200 نسمة، وقفزت عام 1930 إلى 5000 نسمة. ونشأ فيها قضاء مدني صغير مزود ببعض الخدمات العصرية. وفي عام 1929 تم تزويدها بالكهرباء، وعام 1931 افتتحت فيها أول مدرسة ابتدائية، وكانت تضم 20 تلميذًا. وعام 1938 أصبح فيها 20 مدرسة، وعام 1935 كان جميع سكان قلعتمرا قد انتقلوا إلى الحسكة، وعام 1939 بلغ عدد سكانها 15 ألف نسمة، معظمهم من المسيحيين السريان. وقد أنعش نشوء الحسكة بلدات صغيرة، مثل بلدة رأس العين الوليدة، التي شُرع ببنائها عام 1926، وتم ربطها بطريق ترابي بطول 80 كم مع الحسكة.

2 – 4 – 2 – القامشلي بدلًا من نصيبين

كانت القامشلي حتى أواخر العهد العثماني عبارة عن بادية، يخترقها نهر الجغجغ (هرماس سابقًا)، وتكثر فيها المستنقعات الآسنة الممتلئة بالقصب وببعوض الملاريا. ولم يكن في القامشلي أي بناء، سوى طاحونة ماء على نهر الجغجغ ومزرعة لقدور بيك (مزرعة زهرات خزنة)، وكانت تعرف بمنطقة “كرو”. وفي عام 1926 تأسست نواة المدينة الأولى في صورة مخفر عسكري، حين انتقلت القوات الفرنسية إلى المنطقة. وبعد ترسيم الحدود بين سورية وتركيا، بموجب اتفاقية 1921 بين فرنسا وتركيا، بدأ الانتقال من نصيبين، التي أصبحت في الأراضي التركية، إلى القامشلي السورية. في تشرين الأول/ أكتوبر 1926، وُضع المخطط التنظيمي للمدينة وفق رؤية الكابتن تيرييه. وتواصل الفرنسيون مع العائلات المالكة للأراضي (عائلة قدور بك وعائلة نظام الدين)، وطلب المفوض الفرنسي من العائلات المالكة للأراضي في منطقة مخطط القامشلي أن يتنازلوا عنها بدون مقابل، لبناء المنشآت العامة للقامشلي، وقد تنازلت عائلات قدور بيك وعائلة نظام الدين، بينما رفض الشيخ محمد عبد الرحمن شيخ عشائر طي التنازل بدون مقابل.

كان ميشيل دوم وقدور بيك هما أوّل من بنى بيتًا في القامشلي. ونشأت حول بيت قدور بيك حارةٌ عُرفت بحارة قدور بك (حي الناصرة اليوم). ثم سكنها رجل يُدعى سيد حسن عبد الرزاق حمو وشقيقه سليمان، ثم عبد الرزاق كوزي. وبدأ الفرنسيون يمنحون الأراضي لرجالهم الأوفياء؛ حيث منحوا المترجم ميشيل دوم (من ماردين، سريان كاثوليك)، وجورج معمارباشي (من ماردين، سريان كاثوليك) متعهد تزويد الجيش الفرنسي بالقطيع، وطاهر آغاتين تازا، رئيس عشيرة بيناز علي الكردية التركمانية من نصيبين. وكانت 13 قرية من قرى هذه العشيرة تقع داخل الأراضي السورية، و13 قرية في الأراضي التركية.

شكّل الفرنسيون الكتيبة الكلدو آشورية الأولى في إطار “جيش الشرق”. وقد قامت هذه الكتيبة بشق الطرقات واستصلاح الأراضي وبناء البلدات، وكان تصميمها على النمط الفرنسي، وكان جنود الكتيبة مندمجين بالمجتمع، وكان لهم ملكياتهم وأعمالهم في التجارة والزراعة. وامتصت القامشلي سكان نصيبين، حيث تدفق إليها سريان نصيبين وجوارها من الكرد. وعام 1931 كان سريان نصيبين قد هاجروا جميعًا إلى القامشلي، وأصبح عدد سكانها 12 ألف نسمة، وعام 1936 أصبح 50 ألف نسمة، وعام 1950 أصبح 63 ألف نسمة. وكانت القامشلي مدينة منظمة ومشجرة ومنارة بالكهرباء. وفي أوائل الثلاثينيات أقيم فيها مقصف كربيس الصيفي وملهى (تياترو) وفندق بناه معمارباشي، وأصبحت مركزًا اقتصاديًا للمنطقة، وعزز دورها ارتباطها بمدينة حلب، عبر سكة القطار.

القامشلي 1920 الحامية الفرنسية تبني القجلة
القامشلي 1950

2 – 4 – 3 – رأس العين

كانت رأس العين، وهي تسمية معربة عن السريانية “ريشعينا”، وفيها يجتمع النهران اللذان يشكلان نهر الخابور، مركزًا حضريًا طوال العصور الوسطى، بفضل وقوعها على طريق الموصل – حلب التجارية المهمة، المارة إلى بلاد الشام عبر نصيبين إلى منبج وحلب والباب، إلى أن دمّرها تيمورلنك في أواخر القرن 14، وبقيت خربة مهجورة حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر. حيث أحيا السلطان عبد الحميد الثاني عام 1877 البلدة، بتوطين المهاجرين الشيشان في المناطق الواقعة بين رأس العين، عند منبع نهر الخابور حتى قرب مدينة الحسكة، وكان عددهم كبيرًا، إذ بلغ حين توطينهم نحو 5000 بيت. عشية الحرب العالمية الأولى، وبسبب إنشاء محطة للسكة الحديدية فيها، تحولت رأس العين، في السنوات الأخيرة للدولة العثمانية، إلى مقر إقامة وكيل الوالي، وبنى فيها ثكنة عسكرية استخدمتها القيادة العثمانية الألمانية في الحرب العالمية الأولى. وشهدت البلدة تضخمًا كبيرًا، بسبب موجات المهجرين الأرمن الأولى الذين اقتلعهم برنامج الترانسفير العثماني 1915 – 1916 من موطنهم. وارتفع عدد المهاجرين السريان والأرمن في رأس العين والذين جاؤوا من ماردين، من 300 مهاجر سنة 1915، إلى نحو 40 – 50 ألف في آذار/ مارس 1916، وقد توفي منهم نحو 16 ألف بسبب الجوع.

2 – 4 – 4 – بلدات أخرى

نشأت عامودا منذ قرون عدة، على شكل قرية سهلية في سهل خصيب واسع يتاخم الحدود التركية لاحقًا. ويعود تطورها إلى إنشاء الحكومة العثمانية مركزًا للناحية فيها. وازداد عدد سكانها في خمسينيات القرن 19 إلى نحو 70 بيتًا، وهي قرية كردية. أما عفرين التي تقع في غرب حلب، فلم تستقبل هجرات كردية كبيرة، فحتى عام 1933 كان عدد سكانها نحو 2400 نسمة، منهم 800 أرمني. وفي عام 1957 أصبح عدد سكانها 4500 نسمة، وعام 1960 أصبح 5730 نسمة، بينما كان عدد سكان إعزاز عام 1930 نحو 5000 نسمة، ثلثهم من الأرمن، وأصبح عددهم عام 1960 نحو 12800 نسمة. كما نشأت بلدات أخرى مثل الدرباسية وعين ديوار وديريك التي تم تبديل اسمها إلى المالكية.

2 – 5 – فشل قيام كيان كردي كلدو آشوري في الثلاثينيات

شجع الانتداب الفرنسي على إقامة كيان اثني كردي كلدو آشوري، في الجزيرة، على خط الحدود مع تركيا في ديريك وإعزاز وعفرين. ففصلوا قضاء جرابلس عن حلب، وجعلوه قضاءً مستقلًا، ونقل إليها الفرنسيون مجموعة من المهاجرين الأرمن للعمل في سكة الحديد. وقد أدخل الأرمن مفهوم الحرفة إلى نواة بلدة جرابلس التي أقيمت على أنقاض المدينة القديمة كركميش. كما أوجد الفرنسيون قضاء كردطاغ المستقل في منطقة عفرين، وشكلوا لواء الجزيرة.

عشية المفاوضات السورية الفرنسية عام 1936، وبتشجيع من ضباط الاستخبارات الفرنسيين، تم توجيه “مضبطة أعيان الجزيرة” برفض الوحدة مع سورية، والمطالبة بدولة مستقلة ذاتيًا في الجزيرة تحت إمرة حاكم فرنسي، على غرار دولتي الدروز والعلويين. وكان حاخام القامشلي قد انضم إلى حملة الضغط هذه، ووجّه رسالة إلى الرئيس الفرنسي ليون بلوم، بوصفه يشترك معه في الدين وليس بوصفه اشتراكيًا، بأن يتم منح الجزيرة “وضعًا مشابهًا” لوضع لواء إسكندرون في اتفاقية 1921. وقد حملت هذه المضبطة تواقيع: نائب الجزيرة إبراهيم خليل باشا الملي، ونائب الجزيرة سعيد إسحق السرياني الأرثوذوكسي، وثلاثة من قادة جمعية (خويبون) يمثلون قوتها العشائرية، وهم قدري جميل باشا، ومحمود إبراهيم باشا الملي، وحاجو آغا، وعدد من رؤساء عشائر طي والجبور وشمر الزور وغيرها.

بعد توقيع اتفاقية 1936، حرضت المخابرات الفرنسية السريان والأرمن والأشوريين والأكراد وبعض القبائل العربية، على المطالبة بالاستقلال النسبي للجزيرة وبقائها تحت الانتداب الفرنسي، وبانفصالها عن دمشق، أسوة بجبل الدروز واللاذقية. وجرى عصيان في الجزيرة ضد الحكومة الوطنية 1937، بتحريض من الفرنسيين بقيادة إلياس مرشو ومباركة المطران حبي. ولكن تركيا اعترضت وقالت: لا كيانَ كرديًا ولا سريانيًا في الجزيرة السورية.

لكن مكونات الجزيرة في الواقع انقسمت إلى قسمين: قسم مؤيد للحكومة الوطنية بدمشق والاندماج مع سورية، وأيدوا اتفاقية 1936 بين الحكومتين السورية والفرنسية؛ وقسم مؤيد للانفصال بدعم من الفرنسيين وتحريضهم. فقد أيّد بعض السريان مع بعض الأكراد وبعض العشائر العربية الحكمَ الوطني بدمشق والانضمام إلى سورية، وبالمقابل أيّد بعض السريان وبعض الأكراد وبعض العشائر العربية الاستقلالَ وبقاء الانتداب الفرنسي، وعارضوا اتفاقية 1936.

2 – 6 – الجزيرة تندمج مع الدولة السورية 1943

في عام 1943 اندمجت الجزيرة بالدولة السورية نهائيًا، وعيّن لها محافظ يتبع دمشق، هو غالب ميرزا، وقبلها كان قد تم تسوية وضع جبل العلويين وجبل الدروز، وأصبحا جزءًا من سورية. وفي أيلول/ سبتمبر 1945 عيّنت الحكومة السورية الحقوقي الدمشقي عبد القادر الميداني محافظًا للجزيرة. وسعى هذا المحافظ لإعمار الجزيرة والنهوض بها. ففرش عددًا من الطرق الترابية بين الحسكة والقامشلي، وبين القامشلي وعامودا، بالإسفلت، ومهد طريق القامشلي ديريك، وبنى مدرسة تجهيز، وتوسع في بناء المدارس الابتدائية ومدارس محو الأمية للكبار، وأقام بعض الحدائق، ودعم تأسيس مشاريع الكهرباء الأهلية الخاصة. وارتفع عدد المدارس -على مختلف مراحلها وأنواعها- من 64 مدرسة تضم 5430 تلميذًا عام 1945-1946، إلى 144 مدرسة تضم 10462 تلميذًا عام 1949 – 1950، أي تضاعف عدد التلاميذ تقريبًا. وتمكّنت الجزيرة في عهده من القضاء على الجراد لأول مرة في تاريخها.

استمرت المطامع التركية في الجزيرة وشمال سورية؛ فمصطفى كمال أتاتورك كان يؤمن أن حق تركيا في سورية يمتد إلى المناطق التي كانت توجد فيها القوات التركية في لحظة توقيع الهدنة عام 1918، ودعمت تركيا حركةً في الجزيرة تطالب بضم الجزيرة إلى تركيا، حيث بقي لتركيا أتباع في سورية، يدعون للاتحاد معها، مثل الدادا باقرجبلي (شيخ الطريقة المولوية). كذلك حرضت تركيا ودعمت حركة المريدين الكردية في عفرين، وزعيمها الشيخ إبراهيم الخليل (شيخ الطريقة النقشبندية)، وأصله تركي جاء إلى سورية 1929. إذ حرضت تركيا أكراد عفرين على الدعوة والسعي للانضمام إلى تركيا. وكان القوميون الأكراد ينظرون إلى الشيخ إبراهيم الخليل، كضابط خدمات خاصة تركي كمالي دخل الجبل متنكرًا في زي زعيم كردي، تحت اسم إبراهيم الخليل، ليثير الشقاق. عادت المطامع التركية في الجزيرة السورية خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت بريطانيا تؤيد هذه المطامع. وفي 18 شباط/ فبراير 1939، قامت تركيا من جانب واحد بضم لواء إسكندرون عبر صفقة أبرمتها مع فرنسا، فانسحبت القوات الفرنسية من إسكندرون، لتخلي مواقعها لدخول القوات التركية، وجعلت اللواء تحت السيطرة التركية.

2 – 7 – تزايد سكان الجزيرة بسبب الهجرات

نتيجة الهجرات المتتالية منذ العشرينيات؛ تزايد عدد سكان الجزيرة، فأصبح نحو 105513 نسمة عام 1938. وقد أصدرت الحكومة السورية في آب/ أغسطس 1939 مرسومًا فتَح الباب لمدة ستة أشهر، من أيلول 1939 حتى شباط 1940، لتسجيل المكتومين والحصول على الجنسية السورية. وكان عدد هؤلاء نحو 40 ألف نسمة. وكان الفرنسيون قد قدروا سكان الجزيرة المقيمين، بحسب الكاداسترا، سواء أكانوا مسجلين أم غير مسجلين في السجلات الحكومية، لعام 1938 – 1939، بنحو 141390 نسمة. وبعد قرار الحكومة السورية، ارتفع عدد المسجلين في السجلات الحكومية، من 105513 عام 1938 إلى 146001 عام 1943. ومع هذا التقدير، يتبين أنه لم يبق عدد غير مسجل (مكتوم) من المقيمين في الجزيرة في ذاك التاريخ. وقد توزع سكان الجزيرة عام 1943 إلى 99665 مسلم، ونحو 42 ألف مسيحي بمختلف طوائفهم، و1938 يهودي، و1473 يزيدي.

بسبب استمرار الثورات الكردية، وبسبب قيام تركيا بنقل أكراد من ولايات ديار بكر وهكاري وماردين وأورفة إلى غرب الأناضول، فإن كثيرين من الأكراد فضلوا اللجوء إلى سورية وإعمار القرى وإنشاء المزارع، بعد أن كانت فرنسا قد اتبعت سياسية تسجيل توسعية لسكان الجزيرة المكتومين أو المهاجرين المسجلين على باب المكتومين، وقد شجع ذلك على قدوم أعداد أكبر من الأكراد، وبدلت الحكومات السورية هذه السياسة بعد 1943، واتبعت سياسات تقييدية تجاه تسجيل الأكراد في السجلات المدنية، وبدأت تضع قيودًا على تسجيل الفارين من تركيا إلى سورية. وللتحايل على هذه الإجراءات التقييدية، نشأ ما يعرف بمشكلة الأسماء المستعارة والهويات المزورة؛ اذ لجأ كثير من الأكراد إلى شراء/ استصدار هويات مزورة لهم، بأسماء سورية مستعارة غير أسمائهم الحقيقية. وكان النواب من زعماء العشائر يتوسطون لتسجيل المكتومين من بدو وأكراد وافدين في السجل المدني، ومنحهم بطاقات هوية سورية، كي يصوتوا لهم في الانتخابات. وكانت دوائر الشرطة الفاسدة الطريق المضمون للتسجيل والحصول على هوية سورية. وارتفعت رشوة الحصول عليها آنذاك من 20 – 25 ليرة إلى 200 ليرة سورية. وكانت هويات الأكراد تصدر بأسماء عربية سورية، لا بأسمائهم الحقيقية، إذا كان الاسم كرديًا. وقد دفع هذا الوضع حكومة ناظم القدسي إلى استصدار هويات جديدة في سورية، للقضاء على الهويات المزورة، وصدر قانون بإجراء الإحصاء في الجزيرة، ولكنه لم ينفذ حتى عام 1961.

كانت جميع العائلات الكردية والشخصيات الكردية المعروفة التي لعبت دورًا بارزًا في الجزيرة، وفي السياسة السورية عمومًا، هي عائلات مهاجرة من الأراضي التركية أو الأراضي السورية التي تم ضمها إلى تركيا، بحسب اتفاقية أنقرة الأولى 1921. مثل قدري جميل باشا، وحاجو آغا، والبدرخانيين، وعلي يونس، وقدور بك، وعائلة نظام الدين، وجكرخوين، وعائلة زازا، ومحمود إبراهيم باشا الملي، وغيرهم. مثلًا عائلة علي يونس (البدرخانيون) هم لاجئون من تركيا عام 1937 إلى الجزيرة، من منطقة ساسون التابعة لولاية سيرت. وكان علي يونس قائمقام نصيبين، وكان شقيقه عبد الرزاق نائبًا عن ماردين في المجلس الوطني التركي الكبير، وكان يرتبط بعلاقات وثيقة بمصطفى كمال. وعائلة قدور بيك تنتمي إلى أعيان عشيرة المحلمية الكردية، وقد جاءت من نصيبين، كذلك عائلة نظام الدين، فهي تنحدر من نصيبين. وحاجو آغا 1880-1940 من زعماء الهويريكية في منطقة ماردين وطور عابدين، فرّ سنة 1926 إلى العراق، بعد فشل ثورة النورسي سنة 1925. ثم انتقل بعدها إلى الجزيرة السورية وأقام في قبور البيض. وعائلة زازا، ومنها نور الدين زازا (1919 – 1988) الذي ترأس الحزب الديمقراطي الكردي في سورية منذ تأسيسه 1957، ثم تلاه أخوه الدكتور أحمد نافذ، الذي كان من أقطاب جميعة (خويبون)، هم في الأصل من أعيان مدينة مادين في ديار بكر في تركيا، وجاءت العائلة إلى سورية مطلع الثلاثينيات. والشاعر المعروف جكرخوين (ملا شيخموس) وهو ملا، أي شيخ، تخلى عن ثوب المشيخة، وتنحدر أصوله من قرى عشيرة هكار الكردية في منطقة مديات. ويعدد جكر خوين في مذكراته أسماء عائلات كردية عديدة، هاجرت من تركيا إلى الجزيرة بعد فشل ثورة النورسي سنة 1925، مثل كور حسين باشا، حاج موسى بك خني، أمراء خرزة، أمراء بالو، دارهين، عائلة الشيخ سعيد، شيوخ جاني، شيوخ خربوت، شيوخ بدر الدين حاج علي، إسماعيل أحمد، عائلة جتو، عائلة علي يونس، توفو، أحمد سليمان، يوسف أوصمان وغيرهم.

 3 – من الهجرة الكردية الثانية إلى الحزام العربي

3 – 1 – استمرار تدفق الأكراد المهاجرين من تركيا إلى الجزيرة السورية

استمر الصراع بين الأكراد والحكومة التركية. ونتيجة أحداث 1955 في تركيا؛ تدفق كثير من الأكراد الهاربين إلى الجزيرة السورية. واستمرت الاضطرابات في تركيا عام 1959 حتى 1961، وكانت نتيجتها أن فرّ كثيرون من الأكراد من الأحكام الصادرة بحقهم، إلى الجزيرة السورية. كما استمرت الهجرة من ديار بكر إلى الجزيرة طوال النصف الأول من الستينيات، بسبب الصراع في تركيا بين الأكراد والحكومة التركية التي أرادت تتريكهم. وقد حدثت الزيادة الكبيرة الثانية في عدد الأكراد بين 1952 و1959، ثم بدأ التزايد في التراجع.

إضافة إلى الأحداث التركية التي دفعت أعدادًا كبيرة من الأتراك إلى الهجرة إلى سورية، فقد شكّل نمو الحاجة إلى اليد العاملة لزراعة القطن في الجزيرة، والعمل في المشروعات الاستثمارية الكبيرة لشركة أصفر ونجار ومعمارباشي وأبوراسين وغيرها، شكلت نقطة جذب لهجرة الأكراد من الطرف التركي من الجزيرة السورية إلى الطرف السوري، لسد نقص اليد العاملة، خلال مرحلة النمو في الأربعينيات والخمسينيات، كما شكلت موجة الهجرة الكبيرة الثانية لأكراد تركيا إلى الجزيرة السورية.

إضافة إلى العاملَين السابقين، الصراع في تركيا وجاذبية المشروعات الزراعية، فقد شكّل منح الإصلاح الزراعي للأكراد أراضي واسعة في الجزيرة السورية، الذي جرى في عهد الوحدة السورية المصرية (1958-1961) ثم منتصف ستينيات القرن العشرين، شكّل العامل الثالث الذي وطّد الوجود الكردي في الجزيرة، حيث لم يتم التفريق بين عرب وأكراد، وبين أكراد مجنسين، أو أكراد غير مجنسين. وفي سنة 1959 قامت الحكومة ببناء قرى نموذجية على أملاكها المستولى عليها بموجب قانون الإصلاح الزراعي، ووزعت الأرض على الفلاحين الفقراء، وخاصة من كان يعمل بها، وكان في عدادهم كثير من الفلاحين الأكراد الذين يحملون الجنسية السورية، أو من غير المقيدين في السجل المدني (أجانب تركيا). وقد ساهم الإصلاح الزراعي، ونزع الملكية من ماليكيها العرب في الجزيرة السورية وتوزيعها على الفلاحين، وجزء كبير منهم أكراد وافدين، في تجذر الأكراد في الجزيرة وتقوية وجودهم فيها.

نتيجة لهذه الهجرات؛ قفز عدد سكان الجزيرة من 146001 نسمة عام 1943، إلى 162145 نسمة عام 1952، ثم إلى 239140 عام 1959، بمعدل زيادة 8.8% سنويًا، ثم أصبح عام 1963 نحو 316145 نسمة، بمعدل زيادة 6.3%، وذلك بسبب الهجرة الكردية المستمرة من تركيا، وبخاصة من ديار بكر من عشائر المليّة والهويركية والكيكية والدقورية والشيتية وبينار علي، وأكبر هذه المجموعات الكردية هي الملّية والهويكرية، لأنهم المجموعة الكردية الأكبر في الطرف التركي. وقد قدّر عادل ميري، محافظ الحسكة (الجزيرة) يومئذ عدد موجات التدفق، بأنها كانت تُعدّ بالآلاف وليس بالمئات.

في عام 1956، قال النائب في البرلمان عبد الكريم زهور عدي، في إحدى جلسات البرلمان، إن الأجانب، ويقصد الأكراد الوافدين من تركيا، تملّكوا ما يقارب نصف مليون دونم في الجزيرة، وإن منطقة الجزيرة تعاني وضعًا خطيرًا.

خلق هذا الوضع قلقًا لدى الحكومات السورية في وقت مبكر. وكان الرئيس أديب الشيشكلي قد أصدر مرسومًا عام 1952 للحيلولة دون تسجيل أراضي المناطق الحدودية، باسم أشخاص لهم أسماء غير أسمائهم الحقيقية (وكان هذا موجهًا ضد الأكراد)، ونصّ المرسوم على ألّا تُسجل الأرض بدون موافقة رئيس الجمهورية. وسعى الشيشكلي لـ “تسنين” الجيش، أي التخلص من ورثة الفرنسيين لجيش تسيطر عليه الأقليات (المسيحيون في الشؤون المالية، ثم الأكراد والجركس والعلوية والدروز والمرشديين في تركيبة جيش المشرق). وكان عدد الجيش السوري قبل اندلاع حرب 1948 نحو 7000 جندي. وبسبب الحرب، ارتفع العدد إلى 14000. وهنا تسرب إلى الجيش مئات الجنود الأكراد، بهويات مزورة وأسماء مستعارة. وبعد الحرب ارتفع العدد إلى 30-35 ألف جندي. وكان “جيش الإنقاذ” قد تشكل في حرب 48 من أفواج يغلب على كل منها لون مذهبي معين، وكانت تسمى صراحة، بفوج الأكراد، وفوج العلويين، والفوج الدرزي.. وهكذا.

مطلع الستينيات، كانت صورة الجزيرة وفق الشكل التالي: تنتشر القرى الكردية على طول الشريط الحدودي الشمالي الشرقي للجزيرة محاذية للحدود السورية التركية، ومن منطقة رأس العين غربًا حتى حدود منطقة المالكية شرقًا، حيث يتكاثف التجمع في المناطق الخصبة، بينما كان معظم أبناء العشائر العربية يعيشون في المنطقة الجنوبية من المحافظة، حيث لا تتعدى نسبة الأمطار 200 ملم سنويًا.

3 – 2 – الإحصاء الاستثنائي 1962

بسبب المخاوف التي أثارها تزايد هجرة الأكراد من الأراضي التركية إلى الجزيرة السورية؛ أصدرت حكومة بشير العظمة، في أيامها الأخيرة (17 نيسان 1962 حتى 2 أيلول 1962) قرارًا بإجراء إحصاء في الجزيرة. ولكن حكومة خالد العظم (2 أيلول 1962 – 7 آذار 1963) هي من نفذ الإحصاء، بعد ثلاثة أسابيع من مباشرتها. وقد جرى الإحصاء في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1962، وقام على قاعدة: أن السوري هو كل من كان مسجلًا في السجلات المدنية قبل عام 1945، على أساس أن كل من حاز هوية وسجّل بعد هذا التاريخ لا يعتد به، لأنه أجرى تزويرًا.

تمخضت عملية الإحصاء عن تسجيل 85 ألف مقيم في الحسكة، بصفة “أجانب أتراك”، لم يكن لهم سجلات مدنية رسمية، وهو ما يعادل 27.5% من سكان الجزيرة المسجلين في سجلات الأحوال المدنية، والبالغ عددهم آنذاك 309279 نسمة، وشكل هذا الرقم نحو 53% من عدد الأكراد في الجزيرة السورية، وفق التقديرات الأمنية للعام 1963، المقدر بنحو 160 ألف نسمة. أي بلغت نسبة جميع الأكراد المقيمين في الجزيرة، سواء أكانوا بحكم السوريين أم بحكم أجانب تركيا، نحو 41% من إجمالي سكان الجزيرة.

3 – 3 – برنامج الحد من تسلل الأكراد إلى المنطقة 1962

وضعت حكومة خالد العظم عام 1962 برنامجًا لإصلاح الجزيرة، كانت غايته المضمرة إدماج الأكراد في المجتمع السوري. فقد أعلن العظم مشروع تنمية الجزيرة، على أن يكون هدفه الحد من تسلل الأكراد الأتراك إلى سورية، وإنهاء مؤامرة تهدف إلى توطين بعض الفئات غير العربية، ضمن المثلث البترولي السوري. تضمّن البرنامج بناء بعض المؤسسات التنموية، مثل بناء بعض المدارس في المناطق الكردية تدرّس بالعربية، واستخدام رجال الدين لنشر اللغة العربية، كما تضمّن أيضًا تشكيل لواء حدودي للشرطة، موثوق قوميًا، للحيلولة دون استمرار عملية تسرب أكراد تركيا إلى الجزيرة السورية، وشجّع العشائر العربية على السكنى في المناطق التي فيها أكراد، وحفر آبار المياه لتسهيل إقامتهم، وكذلك عمل على تعطيل قانون الإصلاح الزراعي، لمنع تملك الأكراد للأراضي. غير أن مشروع إصلاح الجزيرة بقي محدود التأثير، ولم ينفّذ فعليًا، إذ توقف بعد ذهاب حكومة العظم، بعد انقلاب 8 آذار 1963، وقدوم حكومة حزب البعث.

3 – 4 – الجزيرة في فترة حكم البعث الأولى بعد 1963حتى نهاية السبعينيات

اتسمت سياسة البعث، فور تسلمهم السلطة، بموقف قومي متشدد ضد هجرة الأكراد من تركيا إلى سورية من جهة، ومن جهة أخرى، شُمل الأكراد بالإصلاح الزراعي ولم يُحرموا، انطلاقًا من موقف اجتماعي طبقي لا يفرق بين عرب وأكراد، وقد عزز ذلك الوجودَ الكردي في الجزيرة.

قدّم ضابط الأمن السياسي في الحسكة الملازم أول محمد طلب هلال مقترحًا، باسم فرع الحسكة لحزب البعث، للمؤتمر القطري الذي عقد في أيلول/ سبتمبر 1963، يتناول شؤون الجزيرة والأكراد فيها. وقد جاء هذا البرنامج كردة فعل على ثورة البرزاني في العراق وبدء أكراد الجزيرة برفع العلم الكردي على المدارس، وتوزيع خريطة كردستان علنًا. وقد أرسل النظام السوري آنذاك لواءً للقتال إلى جانب الجيش العراقي، بهدف إخماد ثورة البارتي “البرزاني”، وذلك في حزيران/ يونيو 1963. وقد اتسم برنامج هلال بالموقف المتزمت ضد توافد الأكراد إلى الجزيرة وحصولهم على الجنسية وانتفاعهم بأراضي الإصلاح الزراعي، وكان يرى في هذا خطرًا على الجزيرة، ويرى في وجود الأكراد في شمال العراق وسورية خطرًا يشبه الخطر الصهيوني. ويتضمن برنامج هلال لتعريب الجزيرة عشر نقاط، تستهدف الوجود الكردي في الجزيرة، ولكن مؤتمر حزب البعث رفض مناقشة خطة هلال؛ لأن مناخ المؤتمر كان يساريًا يؤيد الفلّاح المتوسط والصغير بمنظور طبقي لا بمنظور قومي، ولا يفرّق بين العرب والأكراد طبقيًا، ومن جهة أخرى، اتخذ المؤتمر قرارًا بإنشاء مزارع للدولة على الحدود السورية التركية بعمق 10 كم وطول 50 كم، وهو ما عرف بـ “خط العشرة” الذي أثار عليه الأكراد ضجة سياسية كبرى. ومن جهة أخرى، تم توزيع أراضي الإصلاح الزراعي على الفلاحين دون تمييز قومي بين عربي وكردي، وقد شمل ذلك الأكرادَ المهاجرين الذين لا يتمكنوا من الحصول على بطاقة شخصية، مثل قرى تل جمالة وغور قافيق وغور زيادة.

بعد إنشاء سد الفرات وملء بحيرة السد، حيث غمرت البحيرة التي امتدت بطول 80 كم وعرض 12 كم أراضي واسعة وقرى عديدة تعود لعشائر “الولدة”، وكانت العائلات المغمورة تشكل نحو 22 ألف عائلة، يُقدر عدد أفرادها بـ 122 ألف نسمة؛ قررت الدولة نقل جزء من الفلاحين المغمورين إلى قرى نموذجية على ضفاف بحيرة السد (20 قرية) في منطقة البليخ والفرات، ونقل جزء آخر من العائلات المشمولة بالغمر وتوطينهم في خط العشرة، ولكن غالبية هؤلاء الفلاحين رفضوا الانتقال إلى هناك، وفضلوا الانتقال إلى مناطق قريبة تبقيهم قريبين من مواقع عشيرتهم، أو انتقلوا إلى مدينة الرقة.

لم يزدد عدد العرب الذين وطّنتهم الحكومة في منطقة “خط العشرة” عن 24 ألف نسمة (4000 أسرة أُسكنوا في نحو 40 قرية)، وهو عدد يقارب عدد الأكراد المقيمين في منطقة خط العشرة الذين لا يحملون الجنسية السورية. وقد امتدّ ما عرف بـ “الحزام العربي” من جنوبي المالكية (ديريك) شرقًا، إلى قرية جليلة وراجان غربًا. وبلغت مساحة خط العشرة نحو 3001911 دونمًا، كان يقطنها مهاجرون أكراد، معظمهم من تركيا والعراق، وكان من بينهم نحو 25 ألف ما زالوا مسجلين كأجانب، ولم يكونوا قد حصلوا على الجنسية السورية بعد، ومع ذلك لم يكن هناك تهجير لأي منهم خارج مشروع خط العشرة. ولذلك لم يؤثر نقل 24 ألف نسمة إلى خط العشرة كثيرًا في التركيبة السكانية للجزيرة، إذ كانوا يشكلون عام 1974 نسبة 5.6% فقط، من إجمالي سكان الجزيرة المسجلين البالغ عددهم 441901 نسمة، مع ملاحظة وجود نحو 90 ألف كردي لم يكونوا مسجلين في السجلات، وكانت غاية هذا الفعل إحلالَ نوع من التوازن السكاني بين العرب والأكراد، في منطقة “خط العشرة”، حيث لم يُطرد أي كردي منها، وكانت هناك عملية تعريب “صورية” لأسماء بعض القرى الكردية، لكن الأسماء السابقة للقرى ظلت متداولة. وبالتالي فإن ما أطلق عليه “الحزام العربي” كان ذا أثر محدود في تغيير التركيبة الأقوامية للجزيرة. وقد كان الحجم الديموغرافي والتسييس القومي والأيديولوجي أسطورةً أكثر من كونه حقيقة، ولكن اسمه الطنان بقي يضخ الحكايات الأيديولوجية، ويُذكي أوارها.

نتيجة الهجرات والتزايد الطبيعي؛ قفز عدد سكان الجزيرة من 299,543 عام 1960، إلى 351,910 عام 1970، ثم إلى 441,901 عام 1974، بحسب المجموعات الإحصائية. وبحسب إحصاء 1974 الذي أجري في الجزيرة، بلغ عدد السكان المقيمين في الجزيرة 532 ألف نسمة، وقد شمل ذلك الإحصاء جميع المقيمين من المسجلين حاملي الجنسية السورية، إضافة إلى المكتومين، ومن يُعدّون أجانب تركيا. أي كان نحو 91 ألف نسمة من الأكراد الوافدين غير مسجلين بعد.

4 – موجة الهجرة الثالثة، ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين

4 – 1 – حزب PKK المدعوم من الأسد

ترتبط الموجة الثالثة لهجرة أكراد تركيا إلى الجزيرة السورية، بحزب العمال الكردستاني PKK وزعيمه عبد الله أوجلان، والصراع المرير الذي جرى بين الحزب والسلطات التركية، على مدى نحو عقد ونصف من الزمن. فقد تأسس الحزب عام 1978 من رابطة الطلاب الأكراد، برئاسة عبد الله أوجلان رئيس الرابطة في كلية العلوم السياسية، وتبنى النهج الماوي، وانضم إليه نشطاء حزب العمل التركي TIP. وجد الأكراد في حزب PKK بخطابه اليساري الشعبي ونجاحاته، تعويضًا عن إخفاقات الحركة الكردية في الثمانينيات، فاندفعوا ينخرطون في صفوف الحزب. كان الحزب يملك قاعدة متبرعين واسعة في أوروبا، تصل حتى نصف مليون متبرع. وكانت مناطق نشاط الحزب في تركيا هي المناطق التي اقتُلع منها الأكراد الذين قدموا إلى سورية واستقروا فيها.

بعد حملة الاعتقالات؛ هرب أوجلان من الملاحقة التركية إلى سورية، وتدرب في معسكرات البقاع ولقي رعاية خاصة من حافظ أسد، بسبب توتر العلاقات السورية التركية 1983. وقد قامت سورية بتدريب وتسليح عناصر PKK لاستخدامهم للضغط على تركيا. ودعم حافظ أسد جماعة PKK، ووثق بأوجلان وأحبّه شخصيًا، وكان يناديه “يا بني”. واستفاد الحزب من دعم النظام السوري، فتوسع في نفوذه وهيمنته على المجتمع الكردي في الجزيرة، ولم يتورع PKK عن استخدام أساليب الإكراه لفرض سيطرته. وكانت سيطرته على عفرين أكبر وشبه مطلقة. ضمن تحالف الأسد مع أوجلان ضد تركيا؛ وجه الأسد عام 1985 بتجنيس 29682 كردي سوري، ممن يسمون “مكتومين”، بموجب إبراز وثائق من أي نوع تثبت أنهم سوريون.

قام الحزب بأول عملية له في 15 آب/ أغسطس 1984. وفي عام 1985 أقامت تركيا شبكة أسلاك شائكة على طول الحدود مع سورية. وتصاعد الصراع بين PKK والدولة التركية، وفرض الأتراك منطقة أحكام عرفية على الولايات الكردية. واستطاع حزب PKK أن يقيم منطقة محررة في جزيرة ابن عمر، وهي ملاصقة لمنطقة منقار البطة السورية، وأواخر الثمانينيات غدت نصيبين، وهي تبعد عن القامشلي مسافة قصيرة فقط، تحت سيطرة PKK، فشنّ الجيش التركي حملة بثلاث فرق عسكرية. ومن المعروف أن شن عمليات من هذا النوع ينتج هجرة أعداد كبيرة.

اجتذب حزب PKK الشبان السوريين الأكراد إلى صفوفه، ويُقدّر أن عدد الشباب الأكراد السوريين الذين قُتلوا في عمليات الحزب في تركيا، أواسط التسعينيات، بلغ نحو 4000 – 5000 مقاتل. وكانت القامشلي قاعدة انطلاق عمليات PKK في الأراضي التركية. وقد أدمج حزب PKK الفتيات في الحزب، ومنحهن دورًا مماثلًا للذكور. وعندما زار راندل قاعدة PKK في شمال العراق، وجد أن نصف المقاتلين من الفتيات، وكان عددهن 1300 مقاتلة.

4 – 2 – الضغوط التركية:

عام 1987، زار رئيس الوزراء التركي توركوت أوزال سورية، ووقع بروتوكولًا مع حافظ أسد تضمّن تعاونًا أمنيًا، مقابل تمرير 500 م3 في الثانية من مياه الفرات في نقطة دخول النهر إلى سورية، إضافة إلى قطع سورية لدعمها لحزب PKK ضمنًا، إذ نصّ البروتوكول على “اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع نشاط الجماعات والأفراد الذين يضمرون نية التخريب ضد أمن واستقرار البلدين”.

رفضت تركيا توقيع اتفاق حول تقاسم مياه الفرات مع سورية والعراق، وبدأت ببناء سد بيراجيك الضخم، على حدود أورفة – الرقة. وقطعت تركيا مياه نهر الفرات بين 13 كانون الثاني و13 شباط 1990، من أجل ملء بحيرة سد أتاتورك، فبدأت العلاقات بين البلدين بالتوتر، وردّت سورية بمزيد من الدعم لحزب PKK، كما تشكلت، بإيعاز منها، “الجبهة الشعبية لتحرير تركيا” فرع لواء إسكندرون، في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1993، ووعدت بالقيام بعمليات بطولية. ولكن لم يكن لها أي نشاط فعلي على الأرض.

مع تصاعد التوتر بين البلدين، هدد الأتراك بقصف وادي البقاع اللبناني، حيث معسكرات PKK. وأرادت تركيا التنسيق مع إسرائيل لاختطاف أوجلان، ولكن إسرائيل لم تفعل، لأنها كانت تحضّر لمفاوضات مع سورية. عام 1992 وقع اتفاق سوري تركي، وقعه عن الجانب السوري اللواء عدنان بدر حسن (رئيس شعبة الأمن السياسي)، وهو من كان يتولى الترتيبات مع حزب PKK ويتولى الترتيبات مع تركيا، بينما كان محمد ناصيف يمسك بالملف الإيراني. ولكن هذا الاتفاق لم يؤد إلى تحسّن في الأوضاع، وكانت قضية تركيا الرئيسية مع سورية هي دعمها لحزب أوجلان. في أيلول/ سبتمبر 1998 حشدت تركيا نحو 10000 عسكري على الحدود السورية، في بلدة الريحانية التي لا تبعد عن الحدود السورية سوى 3 كم، مهددة سورية بأنها ستتخذ الإجراءات المناسبة. فاضطر الأسد إلى الرضوخ، وأبعد أوجلان إلى روسيا، حيث انتقل من هناك إلى ايطاليا، ثم إلى كينيا، وهناك اختُطف من قبل الأمن التركي، في 16 شباط/ فبراير 1999، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى المؤبد، بعد أن ألغت تركيا أحكام الإعدام في قوانينها، من ضمن تحضيراتها للدخول إلى الاتحاد الأوروبي.

بدأت مفاوضات أضنة بين الجانبين السوري والتركي، وانتهت بعقد اتفاقية أضنة، في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1998. بعد هذا التاريخ، تراجع نفوذ PKK، ولا سيما بعد إلقاء القبض على أوجلان، وبدأت عملية ضبط الأجهزة الأمنية السورية لنشاطات الحزب واعتقال أعضائه، استجابةً للتقارب مع تركيا.

5 – القوى السياسية الكردية وموقفها من استقلال “كردستان سوريا”

بسبب الهجرات المستمرة، منذ عشرينيات القرن العشرين حتى نهايته تقريبًا؛ نشأ في الجزيرة السورية مجتمع كردي كبير. ويلخض جمال باروت موجات الهجرة الكردية إلى الجزيرة بقوله: “عبر ثلاث موجات من الهجرة، تحوّل الوجود الكردي في الجزيرة السورية، من عشرات القرى الواقعة على شريط الحدود السورية التركية، إلى آلاف القرى الكردية وعدة بلدات وعدد من المدن، ولكن لا تتوفر وثائق تبيّن الحجم السكاني الكردي في سورية اليوم. ويتمركز الأكراد في مناطق العاصمة دمشق (حي ركن الدين، حي جبل الرز في مشروع دمر) وفي حلب (الأشرفية، الشيخ مقصود، وادي المعز، قرى في ريف حلب)، وفي منطقة عفرين ومنطقة عين العرب، وريف محافظة الحسكة الشمالي الشرقي ومدينة الحسكة. وقد قدرت مجموعة حقوق الأقليات الصادرة في لندن أن عدد الأكراد في سورية سنة 1985 بلغ نحو 743000 نسمة، من أصل 9.2 مليون نسمة، هم إجمالي سكان سورية، أي نحو 8% لكل أكراد سورية. وإذا كانت نسبة نموهم السكاني 2% سنويًا؛ فإن عددهم عام 2010 سيكون 1.21 مليون نسمة أي 5.9% من إجمالي سكان سورية، وإذا كانت نسبة نموهم 3% سنويًا؛ فإن عددهم عام 2010 سيكون 1.55 مليون نسمة، أي 7.6%”.

سكان الجزيرة (محافظة الحسكة)
سنة193819431952195819591960
سكان مسجلون105513146001162145282655239140299534
مكتومون      
سنة196119621963197019742011
سكان مسجلون3050853092793161453519104419011477
سكان مكتومون85000   91000 

مع نمو أعداد الأكراد في الجزيرة السورية، وتركزهم في منطقتي منقار البط وعين العرب، إضافة إلى عفرين؛ بدأ الأكراد يستشعرون قوتهم المجتمعية والسياسية، وتحت ضغوط الحركة القومية الكردية، في كل من العراق وتركيا، بدأ المجتمع الكردي السوري يتحول إلى مجتمع نشيط سياسيًا، وخاصة أكراد المناطق الشمالية القريبة من الحدود مع تركيا والعراق. وكانت مسألة حقوق الأكراد السوريين ومسألة استقلال “كردستان سوريا”، والموقف منها، من القضايا الأساسية في صياغة أهداف وشعارات التنظيمات السياسية الكردية السورية.

سياسيًا، مرّ المجتمع الكردي في سورية بثلاث مراحل:

  1. مرحلة جمعية (خويبون) 1927 – 1945 واعتمدت على النشاطات ذات الطابع العشائري. كانت جمعية (خويبون) لا تدرج أي جزء من أراضي سورية ضمن خرائط كردستان الكبرى، ولا تعدّ سكان سورية الأكراد من بين سكان كردستان، بل كانت تعدّهم بين الأكراد الذين يقيمون في بلدان أخرى، وقد أصدرت الجمعية تقريرها بذلك، عام 1948. في تقديرات عصبة الأمم 1925 لعدد الأكراد، حُصر عددهم في كل من كردستان العراق وإيران وتركيا فقط. تظهر الخريطة التي قدّمها القوميون الأكراد عام 1948، أنه لا يدخل في كردستان سوى جيب صغير جدًا في منطقة جبل الأكراد بعفرين المتاخمة للحدود السورية التركية، بينما لا يظهر أي حضور للجزيرة السورية في الخريطة. لم يكن قدري جميل باشا، وهو من قادة جمعية خويبون، يعدّ الجزيرة السورية جزءًا من كردستان الكبرى، بل كان يرى أن الأكراد السوريين أقلية من حقها أن تتمتع بحقوق الأقليات الممنوحة لها في فترة الانتداب الفرنسي. وقد قال، في إحدى المقابلات معه، ردًا على محاولة الفرنسيين استغلال الحركة القومية الكردية: “إننا شعب مضطهدٌ، أتينا إلى هذه البلاد كلاجئين سياسيين، وعارٌ علينا أن نساعد الغاصبين ضد شعب مضطهد مثلنا يناضل من أجل حقوقه”.
  2. مرحلة الحزب الديمقراطي الكردي “البارتي” الذي تأسس عام 1957، وقد شهدت الفترة حتى 1975 نهوض الحركة القومية الكردية. كان اسم الحزب الأول الذي تأسس عام 1957 هو “الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا”، بينما كان الاسم في العراق “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، في إشارة إلى كردستان الكبرى، وقد اختلف أعضاء حزب البارتي حول تعريف “كردستان”، وكان غالبية الحزب وقيادته يعتبرون أن الأراضي التي يقيم عليها الأكراد في سورية وعين العرب وعفرين هي جزء من كردستان الكبرى، وأن غاية الحزب هي الاستقلال وتحقيق حلم الدولة. وكان إبراهيم صبري، أحد قادة الحزب، أول من أدخل مفهوم “كردستانية” المناطق الكردية في سورية، وذلك أمام محاكمات 1961، بينما كان نور الدين زازا، وهو أحد قادة الحزب ومؤسسيه، يمثل توجهًا آخر، يعدّ المناطق التي يقيم فيها الأكراد السوريين جزءًا من الوطن السوري، ويرى أن للأكراد حقوق الأقليات وحقوقًا ثقافية. وظل هذا الموضوع يشكل نقطة خلاف كبرى بين الأحزاب الكردية.
  3. مرحلة الأبوجية، نسبة إلى عبد الله أوجلان الملقب بـ “آبو”، أي مرحلة حزب PKK، التي ترافقت مع قيام إقليم كردستان العراق (شبه المستقل) منذ 1992، فتعززت النزعة الاستقلالية عند الأكراد.

اليوم، مع قيام إقليم كردستان العراق تحت الحماية الأميركية، وتحوله إلى إقليم شبه مستقل، نمت النزعة الاستقلالية بين الأحزاب الكردية، وهي تتخذ من وضع إقليم كردستان العراق نموذجًا يُحتذى في سورية. ويبرز اليوم في الحركة السياسية والثقافية الكردية اتجاهان: الأول يعدّ مناطق الأكراد في سورية جزءًا من كردستان الكبرى، ضمن مشروع استقلال كردستان الكامل والناجز، وأن أكراد سورية يقيمون على “أرضهم التاريخية”، ولا يعترفون بأن معظم أكراد الجزيرة إنما قدموا من المناطق الكردية في تركيا؛ والاتجاه الثاني، وهو أكثر واقعية، يعدّ هذه المناطق جزءًا من الأراضي السورية، ويطالب بحكم ذاتي أو لا مركزية سياسية واسعة، على غرار إقليم كردستان العراق، وأصبح التوجه الذي يعتقد أن للأكراد حقوقًا ثقافية فقط ضعيفًا، مع نمو الروح القومية لدى الأكراد، التي تبلغ لدى البعض حد التعصب الشوفيني الكردي، كمقلوب للتعصب الشوفيني العربي.

إن كون معظم أكراد الجزيرة مهاجرين من الأراضي التركية، منذ عشرات السنين، لا يمنُعهم اليوم من أن يكونوا مواطنين سوريين يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات، كبقية المواطنين السوريين. لكن المفارق في الأمر أن بعض أحفاد هؤلاء المهاجرين المتزمتين قوميًا يصرّون اليوم على أنهم على “أرضهم التاريخية”، ويسمّونها “كردستان الغربية”، ويدعون إلى اقتطاع هذا الجزء من الجزيرة السورية، ليكون جزءًا من “دولة كردستان” العتيدة التي يأملون باستقلالها القريب، بعد أن أصبحت كردستان العراق شبه مستقلة. وقد بدأ حزب PYD، بالتنسيق مع النظام في دمشق، باتخاذ إجراءات واسعة في هذا الاتجاه.

6 – كلمة أخيرة “رؤية نقدية”

يشكّل كتاب جمال باروت (التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية) وثيقة بحثية مهمة، في تاريخ الجزيرة السورية الحديث، حيث يوثق فيه موضوعات اجتماعية وسياسية وقضايا أساسية في هذه المنطقة من سورية، وهو كتاب جدير بالقراءة، وبخاصة في هذه الأيام، على الرغم من ضخامته، إذ يتجاوز حجمه 1000 صفحة. ويسلّط الكتاب الضوء على مسألة سياسية حاضرة، تتعلق بالوجود السرياني والآشوري والكردي في الجزيرة السورية، وتؤسس للحقوق التي يمنحها هذا الوجود، والتي يطالب بها بعض الأطراف بتطرّف.

ويبيّن الكتاب أن سكان الجزيرة السورية، من سريان وآشوريين وأكراد، قد جاؤوا من الأراضي التي تقع في الأراضي التركية، منذ 1916 حتى نهاية القرن العشرين، إذ توقفت الجزيرة السورية، بسبب الإهمال الذي تعانيه، عن أن تكون جاذبة للسكان، بينما بدأت تركيا تشهد ازدهارًا اقتصاديًا وباتت توفر فرص عمل من جهة، وتمت تهدئة صراع الأكراد مع الدولة التركية من جهة أخرى؛ فلم يعد الصراع يُنتج أعدادًا من المهاجرين، كما كان من قبل.

يختلف مستوى توثيق الكتاب بين التوثيق الجيّد لمرحلة ما قبل سيطرة حزب البعث في 8 آذار/ مارس سنة 1963، حيث توجد مراجع ودراسات ووثائق يمكن وصول الباحث إليها، وقد عرضنا نتائج هذا التوثيق الممتاز في المادة السابقة عن الكتاب، وبين التوثيق الضعيف لمرحلة ما بعد آذار/ مارس 1963 وسيطرة حزب البعث، حيث تندر الدراسات، ولا يتاح وصول الباحث إلى الوثائق الخاصة بهذه الفترة التي يسودها التعتيم.

لا يوثق الكتاب تدفق موجات الهجرة الكردية من تركيا إلى الجزيرة السورية، خلال عقود الستينيات حتى تسعينيات القرن العشرين، وخاصة في الثمانينيات والتسعينيات منه، حيث نشأ حزب PKK، وكان صراعه مع الحكومة التركية على أشدّه، وتم تهجير نحو 2000 قرية كردية في مناطق الأكراد في تركيا، بسبب هذا الصراع. ولا شك في أن جزءًا كبيرًا منهم قد توجه نحو الجزيرة السورية، خاصة أن الحكومة السورية قد جعلت الجزيرة ملاذًا آمنًا للأكراد الفارّين من تركيا، في فترة التعاون مع حزب PKK، إذ سمحت له أن يجعل من القامشلي محطة ونقطة انطلاق لعملياته، إضافة إلى معسكراته في لبنان. وكان الأمن السياسي، برئاسة اللواء عدنان بدر حسن، هو المسؤول عن التنسيق مع حزب PKK، كما لعب فرع المخابرات العسكرية في الحسكة (الجزيرة) دورًا بارزًا في التنسيق والتسهيل. ولم يتطرّق الكتاب إلى فساد أجهزة الأمن التي سهّلت تدفق أكراد تركيا، ويسّرت عملية استقرارهم في الجزيرة وتملكهم للعقارات، وهو فساد مشهود.

لا يوثق الكتاب أيضًا أيًا من موجات الهجرة، من إقليم شمال العراق “كردستان العراق”، إلى الجزيرة السورية، في أثناء اشتداد الصراع بين الأكراد والحكومة العراقية، بين ستينيات القرن العشرين وثمانينياته، قبل أن تصبح منطقة شمال العراق منطقة شبه مستقلة منذ 1991 تحت الحماية الأميركية، بالرغم من أن صراعات من هذا النوع تخلق موجات من الهجرة قد تصل إلى الآلاف في كل مرة. ولم يكن ثمة ملاذ أو منفذ، للأكراد الفارين من الصراع من شمال العراق، سوى الجزيرة السورية.

لم يوثق الكتاب على نحو كاف هجرة السريان والآشوريين إلى خارج الجزيرة، في الثمانينيات والتسعينيات، ولم يتطرق إلى تحليل العوامل التي دفعتهم إلى الهجرة، كعوامل ضاغطة محلية أو جاذبة خارجية، ولم يوثق ماذا حلّ بقراهم وممتلكاتهم. ولا يوثق الكتاب سعي الأكراد لتوسيع وجودهم في الجزيرة، عبر دفع أثمان مرتفعة لشراء العقارات من السريان والآشوريين، وعملهم على تكريد مناطق واسعة، وتغيير أسماء القرى السريانية التي هجرها أهلها إلى الخارج. حيث ترافقت فترة الصراع بين حزب PKK والجيش التركي، خلال الثمانينيات والتسعينيات، مع تزايد هجرة السريان والآشوريين من الجزيرة، إلى خارج سورية، وبيع أراضيهم وبيوتهم ومحالّهم التجارية لمشترين أكراد دفعوا أسعارًا مغرية للحصول عليها. ويمرّ الكتاب على هذا الموضوع ببضع جمل لا غير، على الرغم من أن هناك أسواقًا وأحياءً في المدن الرئيسية في الجزيرة، مثل الحسكة والقامشلي والمالكية/ ديريك ورأس العين والدرباسية وغيرها، إضافة إلى مئات القرى التي كانت للسريان والآشوريين، تحوّلت إلى ملكيات للأكراد، بالرغم من القوانين التي تقيد نقل الملكية، وتم تغيير أسماء مئات القرى إلى أسماء كردية. وقد ساعد الفساد الكبير المنتشر في أوساط دوائر الحكومة، وخاصة الأمن العسكري، في نقل ملكية عشرات آلاف البيوت والعقارات إلى أيدي مالكين جدد، جلّهم من الأكراد، في سياق ما كان يعدّه البعض عملية استكمال سيطرة على مناطق واسعة من الجزيرة، وخاصة في منطقة شمال شرق سورية ومنطقة منقار البط ومنطقة عين العرب. كانت النتيجة المتوقعة لهجرة السريان والآشوريين أن يأتي الإحلال الكردي مكانه، فطالما أن السريان والآشوريين قد غادروا أرضهم، فالنتيجة هي إحلال الأكراد الراغبين في هذا الأمر والمستعدين له.

لم يوثق الكتاب توثيقًا وافيًا مسألة إهمال نظام البعث تنمية الجزيرة، وترك هذه المنطقة من أكثر مناطق سورية تخلفًا، على الرغم مما فيها من طاقات نموّ وعوامل تطوّر، ويمرّ الكتاب على هذه المسألة مرورًا سريعًا، مع توثيق ضعيف، على عكس التوثيق المسهب والغني بالوقائع والتفاصيل، في موضوع إعمار الجزيرة السورية منذ العشرينيات حتى الخمسينيات، مما أعطى الدراسة حيوية أعادت إحياء الأحداث بما يساعد في فهم أعمق لتلك الفترات السابقة، فلم يوثق الكتاب الوضع التنموي الاقتصادي والاجتماعي لمنطقة الجزيرة، ولا سياسات الدولة منذ الستينيات تجاه هذه المنطقة، وإهمالها من قبل برامج التنمية الحكومية، بالرغم من أن جزءًا مهمًا من الدخل الوطني كان ينتج فيها، ولكن قيمته كانت تضخ إلى دمشق لتنفق على أجهزة الدولة، وخاصة الأمن والجيش المتضخمين، أو كانت تُنفق على تنمية المناطق الغربية في سورية الواقعة على خط المدن: حلب درعا، وإلى الغرب منه. وقد كان هذا السببَ الرئيس للهجرة المعاكسة من الجزيرة السورية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

وبناء على ما سبق؛ نرى أن هناك ثلاثة عوامل قد لعبت دورًا في ضعف التوثيق والتحليل، منذ استيلاء البعث على السلطة عام 1963:

الأول: ضعف الوثائق المتاحة حول هذا الموضوع، وموقف النظام السوري منذ 1963 المعارض لإجراء أي دراسة، أو توفير أي وثيقة عن هذه الموضوعات الثلاث: (1-غض طرف النظام عن تدفق مزيد من الأكراد من الأراضي التركية إلى الجزيرة، 2- هجرة السريان والآشوريين إلى الخارج وإحلال الأكراد مكانهم، 3- ضعف تنمية منطقة الجزيرة وسياسة الدولة تجاه هذه المنطقة)، أي سياسة التعتيم المعروفة في سورية.

الثاني: أن فترة إعداد الكتاب قد بدأت قبل انطلاق انتفاضة الشعب السوري في آذار 2011، واستُكملت بعدها، وربما لم يمكّن ذلك الأمر الباحثَ من استكمال بحثه بالطريقة التي تجعله يستطيع التوثيق، ولو عبر زيارات ميدانية للجزيرة والاجتماع بشخصيات سياسية وثقافية وباحثين من أبناء الجزيرة، وخاصة من كبار السن، من مختلف الطوائف، وتدوين شهاداتهم الحية عن تلك الفترة، وخاصة منذ الستينيات حتى 2010. ولعل هذه المهمة تبقى أمام الباحث لاستكمالها في تتمة بحثه القيّم هذا.

الثالث: الموقف الشخصي للباحث باروت، الذي يتجنب الخوض في نقد سياسات السلطة السورية.

لا شك في أن جمال باروت، في بحثه هذا، كمَن يخوض في حقل ألغام، وسيلقى هذا البحث التقدير ممن يتسمون بنظرة موضوعية، ويُتوقع أن يقابل بعدم التفهم والهجوم من المتزمتين قوميًا؛ ذلك بأن القضية الكردية اليوم تُطرح بقوة في دول المنطقة بين العراق وسورية وتركيا؛ فتركيا تسعى لإيجاد حلّ ينهي حالة الصراع طويل الأجل مع الأكراد، وهي تحقق تقدمًا ملموسًا. بينما يؤجج قيام إقليم كردستان العراق، كإقليم شبه مستقل منذ حرب الخليج الثانية 1991، المشاعرَ القومية الكردية في كل المنطقة، ويدفع مواقف القوى السياسية والشعبية الكردية في كامل المنطقة باتجاه التطلع القوي نحو قيام “كردستان الكبرى المستقلة”، وقد بات القوميون الأكراد يطلقون على الجزيرة السورية إقليم “كردستان الغربية”، ويروّجون أن الأكراد في هذه المنطقة يقيمون على “أرضهم التاريخية”، ويتطلعون إلى حق تقرير المصير، أي الحصول على الاستقلال التام، والوصول إلى تكوين “دولة كردستان الكبرى” التي تمتد في مناطق الوجود الكردي، بين إيران وتركيا والعراق وسورية. وقد بدأ حزب PYD، بالتنسيق مع النظام في دمشق، باتخاذ إجراءات واسعة في هذا الاتجاه. ولا شك في أن هذا الشعار وهذه الإجراءات يؤديان إلى تصاعد الصدام بين القوى الكردية في كل بلد، وبقية القوى الوطنية، ومنها سورية.

وعلى الرغم من أن الكتاب يبيّن أن معظم أكراد الجزيرة السورية هم مهاجرون من الأراضي التركية منذ عشرات السنين، فإن هذا لا يمنعهم اليوم من أن يكونوا مواطنين سوريين بكامل الحقوق والواجبات، كبقية المواطنين السوريين، بعد أن عاش منهم جِيلان على هذه الأرض.

إن هذا الوضع يوجب خلق حوارات عميقة بين جميع القوى الوطنية في سورية، من مختلف مكونات الشعب السوري، عربًا وأكرادًا وتركمانًا وغيرهم من القوميات المختلفة، ويجعل من الضروري الوصول إلى فهم وطني سوري مشترك، ينصف الأكراد ويمنحهم حقوقهم المشروعة ضمن وحدة سورية، أرضًا وشعبًا، بعيدًا عن أي مسعًى لاقتطاع أي جزء من سورية مستقبلًا.

مركز حرمون للدراسات المعاصرة

اترك رد