من “القضية المركزية” الى الهزيمة المركزية”

عبد الوهاب بدر خان
عبد الوهاب بدر خان |


في الأول من تموز (يوليو) 2020، لن ينتظر التاريخ بل سيسجّل للعرب هزيمة جديدة وستكون النهائية في قضيّتهم التي لم تعد “مركزية”، لكنها ستبقى قضيتهم مهما حاولوا التملّص منها، فهي تختزل كل القضايا التي كشفتها انتفاضات شعوب عربية خلال العقد الماضي، لتصبح جميعاً “قضية الانسان العربي” أينما كان. نعم تختلف القضية الفلسطينية، بكونها مقاومة ضد احتلال اسرائيلي ومواجهة مع الولايات المتحدة التي عملت وتعمل على تثبيته وإدامته، لكن القضايا السورية والعراقية واليمنية والليبية واللبنانية وسواها أظهرت في أحيان كثيرة الى أي حدٍّ أمكن للأنظمة “الوطنية” أن تصبح بدورها سلطات “احتلال داخلي”، حتى أن ممارساتها العنفية اقتدت بالوحشية الإسرائيلية ونافستها، ولم تتوانَ عن استدعاء احتلالات أجنبية لتنقذها من شعوبها.
ولأنها “قضية الانسان العربي” فإن الأنظمة تحوّلت الى شهود لا دور لهم في وقائعها، تترك للآخرين التصرّف فيها، وترضى بأن يكون صمتها أكثر من موافقة وغطاء لتمرير إسرائيل (والولايات المتحدة) جريمتها علناً وبالبث المباشر. انها تسطو على الأرض جهاراً نهاراً، تستبد بمصير الشعب الفلسطيني حاضراً ومستقبلاً، تلغي الاتفاقات والتعهدات التي وقّعت عليها، تستهزئ بالقوانين والمعاهدات الدولي، ولا تخشى حرباً ولا أي نوع من المساءلة أو المحاسبة، لا عربية ولا دولية – فقط لأن دونالد ترامب وبنيامين نتانياهو أرادا، ولأنهما عقدا “صفقة القرن”.
وإذا كان الإسرائيلي نتانياهو يعرف جيّداً ما تعنيه تلك “الصفقة” من إنهاءٍ لصراع طويل بفرض المظالم والانتهاكات بالقوّة، فإن الأميركي ترامب لم يشأ أن يرى أبعد من طموحه لولاية ثانية في البيت الأبيض. في العادة كانت الإدارات الأميركية لا تعدم وجود أكثر من رأي، مهما بلغ انحيازها لإسرائيل، لكن ترامب جعل ملف “الصفقة” حكراً لصهاينة متعصّبين، مستبعداً أي صوت عقلاني، وأراد لخطّته أن تنبثق من رحم التطرف الصهيوني، أي بلا مبادئ ولا شرعية دولية، بل أن تكون متجاهلةً تماماً وجود شعب فلسطيني ومتطلّعة الى استئصاله.
أما العرب فلا شك أنهم مدركون تماماً ما تعنيه “الصفقة”، ومع أن أحداً لا يتوقّع منهم ولا يطالبهم بالمستحيل لإجهاضها فإنهم يحاولون تبرير تهاونهم بالضرورات التي تبرّر المحظورات، فالخوف على أنظمتهم أولاً من شعوبهم وثانياً من أميركا وإسرائيل أو إيران أو حتى من تركيا، هو ما يسوّغ لهم التحالف مع أي من هذه القوى الأربع مهما كانت الكلفة المعنوية والاخلاقية والسياسية. وكما كانت فلسطين قضيتهم “المركزية” فإنها في صدد أن تكون هزيمتهم “المركزية”، لأن ما عجز العرب يوم كانوا “متضامنين” عن تحقيقه لقضيتهم، أي لكل منهم وللجميع في آن، هو ما يجعلهم عاجزين اليوم وهم مشرذمون عن حل مشاكلهم الداخلية والتصالح مع شعوبهم.
في دراسة التقديرات والاحتمالات، كان الجانبان الأميركي والإسرائيلي يعرفان أنهما يُقدمان بصفقتهما، وبكامل وعيهما، على عمل عدواني، على جريمة بمصاف حرب، على قتل معلن لطموح شعب موجود على أرضه. لكنهما كانا تلقيا كل التطمينات التي يريدانها: لم تكن هناك اعتراضات عربية مسبقة وحاسمة على “الصفقة”، بل كانت طلبات ومقايضات لقاء السكوت. ولم تكن هناك مخاطر لنشوب أي حرب، فالعالم العربي لم يعد في “نكبة” 1948 ولا في 1956 ولا في 1973 ولا حتى في 1967 واللاءات الثلاث التي تلت “النكسة”. فالقاهرة اليوم كما الخرطوم، ودمشق كما بغداد، وصنعاء وطرابلس كما بيروت، تمرّ بمحن داخلية وتكاد معاناة شعوبها تلامس حدّ المجاعات عقاباً لها على عدائها لاسرائيل.
تبقى إيران، إذاً، وهي التي تتغنّى باختطافها “الملف الفلسطيني” من العرب وتستهتف شوارعها بـ “الموت لإسرائيل”، فهل تعتبر “صفقة القرن” فرصتها لتفجير حرب تستقطب بها الشعوب العربية؟ كان ذلك ليكون وارداً وممكناً لولا أن إيران ضُبطت وباتت مكشوفةً، فأقصى طموحها اليوم أن تبقي أتباعها يناوشون هنا وهناك، فقط لتبعد الخطر عن أرضها، أما النضال من أجل فلسطين فغدا الكذبة المتروكة لـ “حزب الله” ولم تعد كافية لإبعاد شبح المجاعة عن لبنان. ومع ذلك فإن “الخطر الإيراني” على “الصفقة” كان ولا يزال مرحّباً به لدى ترامب ونتانياهو ومريديهما من العرب، ففي أي مواجهة تحاولها إيران، عبر الجولان السوري أو الجنوب اللبناني، ستكون الفرصة التي تنتظرها واشنطن وإسرائيل لسيناريو مشابه لحرب 2006 بل أكثر اتساعاً وخطورةً منه.
يبقى خصوصاً أن عسكر اسرائيل أشاروا الى المخاطر الواقعية، فالفلسطينيون سيثورون على “ضمّ الأراضي” بما لديهم من إمكانات محدودة. قد يكون ترامب تساءل: ولماذا يثورون؟ ظناً منه أنه، بمعايير رجل الأعمال، يقدم إليهم عرضاً لا يمكن أن يرفضوه، إذ يشرعن سرقة أرضهم وحقوقهم ويتوقّع منهم أن يوقّعوا على الصكّ طالما أنهم لا يملكون القوة لتمزيقه. أما نتانياهو فطمأن شريكه الى أن إسرائيل تمرّست على جعل انتفاضات المقاومة الشعبية مقتلاتٍ ومجازر، كما اعتادت تحويل عمليات المقاومة المسلحة الى حرب مدمّرة في غزّة، فهذه هي المعادلة التي أقامها الاحتلال للحفاظ على بقائه ويُفترض أن تصبح دائمة: لا اعتدال الضفة/ “فتح” مقبول، ولا عنف غزّة/ “حماس” مقبول، وليس بينهما سوى الرضوخ للاحتلال، طالما أن انقسام الحركتين حادٌّ وكان لإسرائيل دور في صنعه وتغذيته ولبعض العرب دورٌ في تعميقه، بل أمكن اختباره كانقسام “نهائي” من خلال التلاعب بمحاولات المصالحة وتفشيلها.
ويبقى أخيراً أن المجتمع الدولي قد يكون مزعجاً بموقفه الواضح مما يسمّى “ضم الأراضي”، وكيف له أن يعترف بما يعتبره “استيلاءً بالقوة على أرض الغير” ينهى عنه ميثاق الأمم المتحدة، فليست هناك دولة، بما في ذلك اميركا وإسرائيل، تستطيع إجازة استيلاءٍ، وإلا لجاز التعميم دولياً. لكن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يكون معرقلاً، رغم أن الأمر الواقع الذي يعتزمه الإسرائيليون والأميركيون من شأنه بحسب التجربة أن يصبح واقعاً، فالدول تعارض بأعلى صوتها هذا السطو على الأرض لكنها تنظر في صون مصالحها، ولا يمكنها أن تكون أكثر عروبة من العرب. وإذ يبدو العرب مفرّطين بالأرض الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني، فإن استنكار الآخرين “ضمّ الأراضي” لأنه ينتهك القانون الدولي يبدو على الأقل محاولة للتبرّؤ من الجريمة المعلنة، لكن القول من دون الفعل لن يعفي أحداً من مسؤولية المشاركة في الجريمة.
بعد الاستيلاء على ثلاثين في المئة من الضفة الغربية، بما ينطوي عليه من تقويض لـ “حل الدولتين” ولأي سلام حقيقي، هل يمكن العالم القول إنه يحترم شيئاً اسمه القانون الدولي أو أن النظام الدولي بني على دروس الحروب والجرائم السابقة بنازيّتها وفاشيتها. استطراداً كيف يمكن بعدئذ تبرير رفض الضمّ الروسي لشبه جزيرة القرم والهيمنة على جمهوريات عدة، وكيف يمكن أن تُحاسب دولٌ أخرى كثيرة سواء لضمّها أقاليم وشعوباً مثل الصين أو لتمسكها بمستعمرات مثل دول أوروبية أو لتدخلاتها القاتلة في دول أخرى مثل تركيا وإيران أو لسعيها الى الاستيلاء على المياه مثل اثيوبيا… والأمثلة كثيرة. أي جريمة جديدة لا تجبّ ما قبلها، بل تضيف إليه وتُبقي العالم في صراعات دائمة.

اترك رد