سيعطونكم التديّن مضاعفًا!

ميشيل كيلو |

بُعَيد استقلال معظم الدول العربية، الذي تعرّض لاختبار الهزيمة في فلسطين وتعيّنت قيمته الحقيقية بقدرتها على استعادة قلب الوطن العربي الذي احتلته شراذم قليلة العدد من الصهاينة؛ بدا أن هناك موقعين معنيين بمواجهة الكارثة: الأول النخب العربية السياسية والاقتصادية والثقافية، الحاكمة والمعارضة، العاجزة أو العازفة عن امتلاك الوعي الضروري لمنح الأولوية في مواقفها لمشترك يحدّث ويجدّد بنى مجتمعاتها المفوتة التي لعبت دورًا حاسمًا في الهزيمة، ويبني ساحة وطنية وقومية تحصّن بلدانها ضد الاختراقات الخارجية؛ والثاني تيارات التقليد، ذات الوعي الماضوي والمحافظ.

وبينما اتسمت علاقات النخب بطابعها الذي ألحق الرد على الهزيمة بخلافاتها المحلية، بدلًا من إخضاع خلافاتها لما يقتضيه الرد على الهزيمة في مستوياتها الداخلية والعربية والدولية، تم الاكتفاء بتسييس المعركة ضد الوعي الماضوي والمحافظ، أو تبني مقولاته باسم أصالةٍ هي حاضنة رد العدو، وحماية الذات، المذهبية؛ فغاب بذلك الوعيُ بأهمية امتلاك روافع ثقافية مفعمة بالحرية، يُعاد إنتاج المجتمعات العربية في ضوئها وبدلالتها، وحلّ محله وعيٌ حزبيٌ، جزئي وتناحري، غابت عنه المهمة التي تجعل موضوعه تغيير الواقع ثوريًا، ومؤهلًا لعقلنة الوعي العام بحيث يغدو قادرًا على تغيير وتثوير الواقع.

بربط النخب ببرامج حزبية تغربت عن مهمة الثقافة في استباق ثورة الواقع بثورة في الوعي؛ قوض التحزب السائد ما يساعد في تجاوز الأمر المجتمعي والسياسي القائم، وضيّع فُرصَ عقلنة الشأن العام، وخدم من حيث لم يشأ بديلَه، أي الوعي الماضوي، المؤدلج والمغلق.

بقيت نخب الثقافة تابعة، باستثناء قلة قليلة جدًا، لأحزاب كان لبعض قادتها القول الفصل في الحقل الثقافي والأدبي، انطلاقًا من اعتبارات ومعايير سياسية، لذلك، وبدلًا من أن تعمل النخب الثقافية في الشأن العام الذي يتجاوز السياسات الجزئية، عمل الحزبيون في الشأن الثقافي انطلاقًا من برامجهم السياسية، وبدلًا من الإقرار بأهمية دور واستقلالية الثقافة ونخبها، احتووها أو حلّوا محلها؛ فغدت في الحالة الأولى جناحًا إعلاميًا لهم، وأزيحت في الثانية باسم ضرورات سياسية تكتيكية، احتج إنجلز ذات يوم عليها وصرخ في وجه قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني قائلًا: “من أخبركم أن ضرورات السياسة تعلو على حرية الفكر؟”.

وزاد الطين بِلّة سيطرةُ عقيدة التحرر على العقول، بحجة أن تحرر الأمة هو المعادل الموضوعي لحرية كل فرد فيها. وبذلك، غُيبّت الحرية كضرورة ثقافية، وتعاظم ضمور الوعي النقدي لدى المثقفين، وتعزز الوعي الحزبي المناكف، وبرزت أولوية الجماعة الحزبية كجماعة مذهبية من نمط جديد، لا تقرّ أو تبني كيانها الخاص على الفرد الحرّ، ورجحت في منظوراتها السلطة على المجتمع، والقائد على الشعب، والحزب على الوطن.

بهزيمة مشروع التغيير أمام “إسرائيل” ونواقصه وعيوبه؛ أغلق طريق التقدم العربي، ونشأ فراغ سياسي أسهم في تخلقه الانهيار الشامل الذي حدث منذ أن انهارت الوحدة المصرية السورية، ووقعت هزيمة حزيران، وما أعقبها من نقل البعث الطائفي المعركة مع عبد الناصر إلى داخل المجال القومي.

بالمقابل، تعهدت التيارات السياسية المذهبية ببناء “دولة إسلامية”، وكشفت بمعاركها ضد ما هو وطني وعلماني في الدولة القائمة مجتمعاتها أمام الخارج، وكبحت قدرة شعبها على إقامة أوضاع جامعة تخرجه من مآزقه الكثيرة والمعطلة، واعتبرت نقد التديّن السائد نقدًا للدين، بالرغم من تناقضه معه، وجعلت أمن وسلام المجتمع رهينة له، وفاتها -كما فات الأحزاب غير المذهبية- ما حذّر منه إلياس مرقص صديقًا له من مشايخ اللاذقية، بقوله في مطلع السبعينيات: “سيطالبكم الأسد والأميركان بمضاعفة تدينكم السائد، ليأخذوا منكم الدنيا”.

بهزيمة مشروع التغيير أمام “إسرائيل” ونواقصه وعيوبه؛ أغلق طريق التقدم العربي، ونشأ فراغ سياسي أسهم في تخلقه الانهيار الشامل الذي حدث منذ أن انهارت الوحدة المصرية السورية، ووقعت هزيمة حزيران، وما أعقبها من نقل البعث الطائفي المعركة مع عبد الناصر إلى داخل المجال القومي، وبدا لوهلة أن المشروع التقليدي، المتأسلم، خرج منتصرًا من صراعه ضد بذور النهضة الجنينية التي حملها المشروع الناصري. وزاد هذا الاقتناع بعد اقتصار المجال القومي على البعثَين السوري والعراقي، وبنائهما نظامين لا يشبههما أي نظام عربي في استبدادهما الفئوي الشديد الشراسة، الذي تركز على إخراج المجتمع من السياسة، وإخراج السياسة من المجتمع، وقوّض ما كان في مجتمعي سورية والعراق من تخلق وطني وقومي شعبي الحوامل.

بالتلازم مع هذا الارتداد “القومي”؛ انقسم الطرف المذهبي إلى تيارات متناحرة، اتصف الجهادي منها بسمتين جديدتين: الأولى هي رفض الدعوة إلى تعبئة قوى الأمة لمواجهة خطر السقوط تحت سيطرة الخارج الأجنبي؛ والأخرى هي رفض وإدانة أي تحديث وإصلاح في الواقع الإسلامي، استجابة لما طالب به جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حين كفّر كل أشكال التحديث، وتشدد في تبني ذلك الجانب من الموروث الذي جعل النصّ مرجعيته، وحصر جميع احتمالات وممكنات الواقع الإنساني به. وبما أن هذا التيار كان مصممًا على فرض قراءته، بصفتها صحيح الإسلام، فقد نقل المعركة إلى داخل الصف الإسلامي، فلم تعد معركة داخل ضد خارج، بل غدت معركة تدور حول أسلمة المجتمع المرتد، بقوة صادقي الإيمان من أتباعه. وبذلك؛ فتح “مجاهدوه” باب الاقتتال المذهبي بين المسلمين، وأضافوا بعدًا خطيرًا إلى واقعهم، تجلّى في إخراجهم من عصرهم، الذي شرع يفتك بهم ويشرف على اقتتالهم، ويبعدهم بدوره عن عبور هوة التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتقني، التي تفصله عنهم، ويعتقد هذا التيار أن جسرها لا يكون بغير حرب دينية شاملة ودائمة، ضد الآخر، لأنه علماني وكافر، وضد غالبية المسلمين، لأن ردهم إلى قويم الدين شرطُ الانتصار على العلمانية والكفر في العالم بأسره. 

 بذلك، تخلى هذا التيار عن الدنيا، التي شارك فشل المشروع التحديثي في ما آلت أوضاعها إليه، وقرر معالجة الواقع الراهن بمنهج لا علاقة له براهن العرب والمسلمين، وأسهم في تدميرهم، بما أشعله من حروب في كل بلد إسلامي انتشر فيه، بوضعه الدين في مواجهة الدنيا، وإخراجه منها، فهل فعل ذلك استجابة لمن قرروا إعطاء المسلمين التدين مضاعفًا، ليأخذوا منهم الدنيا، ويستمتعوا بمراقبتهم وهم ينظمون المجازر والمذابح بعضهم ضد بعض، بينما يوطد أعداؤهم نقاط ضعفهم بما كان ذات يوم نقطة قوتهم، بتسامحه وقبوله الآخر، وصولًا إلى انهيارهم الشامل بأيديهم، بعد أن قررت واشنطن أن تكون معركتها التالية في العالم الإسلامي، عبر استغلال تناقضاته، وخاصة تلك التي بين المؤمنين والكفار/ المشركين، والسنّة والشيعة، والأغلبية والأقليات، والمتقدمين والمتأخرين،  ذلك العالم الذي ستفككه الصراعات وتسقطه في جاهلية حقيقية، باسم إيمان معادٍ للمسلمين، سيهدم عالمهم على رؤوسهم، بينما يزداد العالم المتقدم تقدمًا، ويوسع هوة التقدّم والتحضّر بينه وبين دولهم، وخاصة العربية، التي تقوض هذه التيارات ريادتهم التاريخية للإسلام، كدين سماوي هم مادته، وتحوّل بلدانهم إلى ميدان صراع ديني كان يوحّدهم، وها هو ذا يمزقهم، ويدمّر قدرتهم على اللحاق بالمتقدمين، ويضعفهم إلى حد يضع مصيرهم بين أيدي الآخرين.

يهدد هذا المأزق دين العرب والمسلمين ودنياهم، ويربط مصيرهم بنهضةٍ ينجزها نهوض جديد يردهم إلى الدنيا ويردّها إليهم، دون أن يؤخذ منهم الدين، فهل تراهم ينجزون هذه المهمة من خارج الاحتجازين اللذين وردا في هذه المقالة؟!

حرمون للدراسات المعاصرة

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more