كم بقي من “أستانة”؟

أُعلن بداية شهر يوليو/ تموز الجاري عن مؤتمر قمة ثلاثي يجمع رؤساء دول مثلث تفاهمات أستانة (يناير/ كانون الثاني 2017)، فعقد قادة كل من روسيا وتركيا وإيران لقاءً (عن بعد) يحافظ على توصيات منظمة الصحة العالمية بالتباعد، للتباحث مجدّدا في القضية السورية.. توقفت العملية السورية الروسية العسكرية عند حدود منطقة سراقب، وفشل تسيير الدوريات على طريق جسر الشغور اللاذقية، وهدأت الجبهة إلا من انتهاكاتٍ متقطعةٍ لم تُحدِث فرقا عسكريا محسوسا، بما يعني أن الوضع حول إدلب قد وصل إلى مرحلةٍ تشبه الركود، وحدث تثبيتٌ مؤقتٌ للحدود، استرخت فيه القوات على الجبهات، ونشطت داخليا، ففتحت الفصائل الإسلامية الموجودة في إدلب جبهات مواجهةٍ ضد بعضها، مستفيدة من الظرف الحالي، وبعض هذه المجموعات ترغب في توسيع نفوذها ضمن المنطقة.. الالتفات إلى الداخل لم يكن حكرا على إدلب، فقد بدأ النظام أيضا يسوّي بعض الأمور في مناطقه، وبين أقرب رجالاته، وغيَّر حكومته، بعد أن فطن إلى أن وضعه الاقتصادي يتدهور باضطراد، وتوحي هذه التحرّكات بشعور النظام والمعارضة المسلحة في إدلب بتثبيت الحدود، في الوقت الحاضر على الأقل.
يعطي البيان النهائي الصادر عن القمة الثلاثية لأطراف “أستانة” شعوراً بأن هؤلاء غير متعجلين لإحداث فارق جوهري في الوضع السائد حاليا، ولكل طرفٍ أسبابه الخاصة، فلدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استحقاق تغيير دستور بلاده، وتكريس نفسه قيصرَ لروسيا، وهو بحاجة إلى وقت ليجعل الشعب الروسي يبتلع مادته الدستورية الجديدة. وتركيا تركز اهتمامها باتجاه ليبيا. أما إيران فيلزمها وقت طويل لتلعق جراحها بعد التفاقم الكبير لمرض كورونا وتفشّيه الفادح في مدنها، الأمر الذي أسهم في تدهور اقتصادها مجدّداً، ولكن بيان الدول الثلاث عكس رغباتٍ كامنة لكل دولة عبّرت عنه بطريقة واضحة أو مستترة، فأرادت أن ترسل رسالة ما، أو تكرس موقفا.. دان البيان هجمات إسرائيل على سورية، كما رفض استيلاء أميركا على النفط السوري، فروسيا تعتبر ذلك تعدّياً أميركيا على موردٍ تعتقد أنه من حقها، وتلمح تركيا إلى رفضها للتحالف الأميركي مع الكرد، وهم الجانب المسيطر على النفط والمكلف بحمايته. وكرّر البيان كل كلاسيكيات البيانات السابقة، مع التأكيد على الحفاظ على الوضع هادئا، وهو البند المهم الذي يجعل المنطقة أقل سخونة.
أخذ مسار أستانة على عاتقه حل الصراع، خصوصا أنه يضم الأطراف الفاعلة الثلاثة على الأرض، واكتفت أميركا بالمراقبة من بعيد، ولم تبدِ رأيا قاطعا فيه، لكنها تؤكّد مرارا على تمسّكها بالحل الدولي.. التجمع الثلاثي لم يبدُ جادّا تجاه المسألة السورية برمتها، بل كان اهتمامه منصبّا بقدر أكبر على وضع الشمال السوري، وكل إنجازاته الفعلية كانت اتفاقات وتفاهمات حول مدينة إدلب. أما مؤتمرات السلام التي عقدها النظام والمعارضة تحت رعاية أستانة فلم تحرز شيئا، على الرغم من أنها تكرّرت عدة مرات، من دون وجود لأميركا ولممثلي الأمم المتحدة. 
قد تعاود أطراف أستانة اللقاء، ولكن المسار نفسه أضحى من الماضي، ولم يعد أمام الأطراف الثلاثة إلا إنجاز الوضع النهائي لمدينة إدلب، وهو استحقاقٌ يمكن تسويته من دون الحاجة إلى ذكر مسار أستانة نفسه، وقد يكون تعيين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبعوثه إلى سورية، جيمس جيفري، في أغسطس/ آب الماضي، إشارة إلى أن هذا المسار الذي جرّبت فيه روسيا كسب الوقت لم يعد فعالا، ولكنها محاولة أميركية، كانت متردّدة، وما زالت، للقول نحن هنا، مع الحرص على إبقاء أوراقٍ في يدها يمكن أن تُحدِث تغييرا.

العربي الجديد- فاطمة ياسين

اترك رد