الريف والمدينة في مهب التفريق والعنصرية

محمد الحجي حميدي  |

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في سورية جدلاً واسعًا بعد تصريحات عنصرية تنمَّر فيها البعض على سكان الريف، فدب خلاف بيزنطي عنصري حتى وصل الأمر بأحدهم أن يؤكد فشل الثورة؛ لأنها تريفت (أي شارك بها سكان الريف) بل وزاد على ذلك حين قال: “إن أساليب الريف في الثورة هي السلاح فقط” متناسيًا المظاهرات التي خرجت في كل سورية ريفًا ومدينةً قبل أن يجبر النظام السوري سكان المدينة قبل الريف على حمل السلاح لصد قواته عن المدنيين العزل.

كما لا أعتقد بأنه من الصحيح أن نطلق لفظ التنمّر على ما يحصل، إذ بقولنا هذا أثبتنا أن سكان الريف أضعف من سكان المدينة، فالتنمّر هو شكل من أشكال الإساءة والإيذاء موجه من قِبل فرد أو مجموعة نحو فرد أو مجموعة (تكون أضعف).

لا أحد في هذا العالم يستطيع تقرير واختيار مكان ولادته أو حتى مماته، فالبقعة الجغرافية ليست غاية ولا وسيلة، إنما هي مكان يعيش الإنسان فيه ويحقق استقراره النفسي؛ بتكيفه مع البيئة التي يشعر أنه ينتمي إليها ويرتاح فيها، ويحقق مطامحه وأهدافه فيها.

فلا عيب أن تكونَ راحة المرء في صخب المدينة، وحيويتها المفرطة، حيث يجد نفسه إنسانًا فاعلاً له أهداف ومرامي يطمح لتحقيقها، كأن يكون تاجرًا ماهرًا أو صانع حرفة مميز.

وليس عيبًا أيضًا أن يكون المرء بمطامح بسيطة، ومتواضعة، حيث يفضل أن يعمل في الزراعة مثلاً أو تربية المواشي.

في النهاية كل من النموذجين يساهم في نتاج اجتماعي معين شاء أم أبى.

لقد أخطأ وأمعن في الخطأ من وضع ميزان الريف والمدينة للحضارة والرقي، فالعمران والتقدم في الصناعة لا يعد حضارة، كما لا تعد بساطة الريف ونسماته النقية تخلفًا ورجعية، مقياس التحضر والرقي هو أخلاق الإنسان، وصدقه، ونظافة يده؛ لأن هذه هي الأمور التي يختارها ويكون مسؤولاً عنها، وغير ذلك سفاهة منقطعة النظير.

في القيم والأخلاق يصبح العبد الذي يرعى الإبل في الصحاري والقفار سيدًا في نظر ابن عمر؛ لأنه رفض بيع نعجة، والكذب على صاحبها الذي استرعاه عليها.

وفي القيم والأخلاق يصبح المدير سارقًا دنيئًا إذا تجاهل إعادة القلم الذي وقّع فيه للموظف الذي ناوله البريد الصباحي.

بل إن الأمر عام وشامل يمتد ليتسع للثورات والانتفاضات، فابن المدينة مهما ارتفع شأنه وذاع صيت أسرته وحَسَبها، بمجرد أن يمد المجرمين والقتلة بكلمة تأييد ينحدر من أعين الجماهير ريفًا ومدينةً.

وكذلك الأمر فإن امرأة قروية واحدة بموقف بطولي ضد طاغية سيخلدها التاريخ على أنها مناضلة تُرفع لها قبعات الساسة والأمراء لجميل صنيعها.

لا أريد من القارئ الكريم أن يظن أن مقالي هذا انتصار للريف من المدينة؛ بل هو إنصاف لكلّ طرف وتسوية لصراع كاد أن يكون أشبه بصراع حق وباطل.. أبيض وأسود.. مدينة وريف.

صحيفة حبر

اترك رد