حل وسط آخر مؤلم بشأن المساعدات الإنسانية في سوريا

حين جدّد مجلس الأمن الدولي مع بعض التأخير آلية توفير المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا في 11 تموز/يوليو، كانت النتيجة قراراً مخففاً استدعى إجراء مفاوضاتٍ مؤلمة تخلّلها اعتراضان (“فيتو”) من بكين وموسكو ورفض مسودتي اقتراحَ روسيتين كانتا حتى أكثر إشكالية. وفضّلت الولايات المتحدة وأوروبا والغالبية العظمى من أعضاء مجلس الأمن الآخرين تجديد المعابر الحدودية من تركيا (“باب الهوى” و”باب السلام”) وإعادة فتح معبر “اليعربية” من العراق، الذي أعاق إغلاقه منذ عملية التجديد في كانون الثاني/يناير الرد على جائحة “كوفيد-19” في سوريا. ومع ذلك، كان المسؤولون الروس والصينيون غير راغبين في القبول بأي شيء أكثر من تجديد العمل عبر معبر “باب الهوى”. كما طالبوا بتقرير من الأمين العام للأمم المتحدة حول كيفية تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية على الوضع الإنساني.

وفي النهاية، كانت الوسيلة الوحيدة لتجنب جولة “فيتو” ثالثة هي اعتماد قرار جديد من قبل مجلس الأمن (رقم 2533) ينصّ على قبول “باب الهوى” كمعبر وحيد لمساعدات الأمم المتحدة على مدى الاثني عشر شهراً المقبلة وإغلاق “باب السلام”. وبذلك سيبقى معبر “اليعربية” مغلقاً، وكذلك معبر “الرمثا” الأردني الذي أُغلق أيضاً في كانون الثاني/يناير.

وعلى الرغم من أن تجديد معبر “باب الهوى” أمراً ضرورياً، إلا أنه سيتعين الآن على المجتمع الدولي التحرك بسرعة لإيجاد الحلول اللازمة للوصول إلى 1,3 مليون مدني سوري يعتمدون على “باب السلام” لتلبية احتياجاتهم الأساسية – خاصة في الوقت الحالي بعد التأكد من تسجيل الحالات الأولى من الإصابات بوباء “كوفيد-19” في شمال غرب سوريا. كما يجب حل قضية الوصول إلى شمال شرق البلاد بالنظر إلى بقاء معبر “اليعربية” مغلقاً.

لماذا كانت هذه المفاوضات مهمة للغاية

في الواقع، لا يزال أكثر من نصف سكان سوريا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، من بينهم 2.8 مليون شخص على الأقل في المناطق الشمالية الغربية من البلاد التي يسيطر عليها الجهاديون أو الجماعات الموالية لتركيا، و 1.8 مليون في المناطق الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» المتحالفة مع الولايات المتحدة.  ومنذ بدء الحرب، ابتلت آليات الاستجابة الإنسانية الدولية [بآفة] المركزية المفرطة في دمشق والميل اللاحق لوكالات الأمم المتحدة لقبول الشروط التي حددها نظام بشار الأسد. ويتطلب القانون الدولي التنسيق مع الحكومة الوطنية، لكنه يحظر أيضاً على المسؤولين السوريين عرقلة المساعدة، وهو ما فعلوه مراراً وتكراراً على نطاق واسع. وبناء على ذلك، تم إنشاء الآلية العابرة للحدود في عام 2014 لكي تتمكن وكالات الأمم المتحدة من تقديم المساعدات مباشرةً من الدول المجاورة، مع إبلاغ دمشق بها ولكن دون انتظار موافقتها.

وأثبتت هذه الآلية حيويتها. فكما هو موضح في تقارير الأمم المتحدة وخرائطها، دخلت أكثر من 30.000 شاحنة مساعدات إلى سوريا عبر المعابر الأربعة المعتمدة منذ عام 2014، وزاد عدد الشاحنات التي تقدم المساعدة من تركيا بنسبة 130 في المائة منذ عام 2019. وكان معبر “اليعربية” وحده بوابة لمزيد من أكثر من 40 في المائة من جميع الأدوية التي تستخدمها عمليات المنظمات غير الحكومية في شمال شرق سوريا قبل إغلاقه.

التناقضات والقصور

تؤكد نتيجة التصويت في مجلس الأمن التفكيك المتواصل للآلية العابرة للحدود. فقد ادعت روسيا منذ سنوات افتقار هذه الآلية إلى الشفافية رغم قيام الأمم المتحدة بإنشاء نظام مراقبة قوي. وقد تمكنت موسكو الآن من إغلاق معبر “باب السلام” على أساس هذه الحجج الواهية، وذلك بعد أشهر فقط من منع التجديد لمعبرَي “اليعربية” و “الرمثا”. وعندما يحين موعد التجديد مرة أخرى لمعبر “باب الهوى” في غضون اثني عشر شهراً، من المرجح أن تسعى روسيا إلى إغلاقه أيضاً.

وتموّل أوروبا والولايات المتحدة 90 في المائة من المساعدات الإنسانية المخصصة لسوريا، بينما تموّل موسكو أقل من 1 في المائة منها، إلا أن روسيا تتمتع بصلاحية نقض هائلة فيما يتعلق بتحديد شروط المساعدات الإنسانية. وبالنسبة للمانحين الرئيسيين، الذين خصصوا مؤخراً 7.7 مليار دولار أخرى للتخفيف من المعاناة السورية، فإن ذلك يثير السؤال حول من يتحكم بالضبط في الأموال التي يقدمونها. وقد سبق أن أشار المسؤولون البريطانيون إلى أنهم لن يعيدوا تخصيص الأموال إذا لم يتم تجديد آلية المساعدات عبر الحدود؛ والآن بعد أن تم تخفيف هذه الآلية بشكل أكبر، من غير الواضح كيف سيكون ردّ لندن وعواصم الدول المانحة الأخرى.

ومن جهتهما، أثبتتا الصين وروسيا أنهما قادرتان على الإصرار بشكل انتقائي على بعض المبادئ الدولية (مثل السيادة الوطنية، والحاجة إلى التنسيق بين السلطات المحلية وسلطات الأمم المتحدة) ورفض مبادئ أخرى (مثل الوصول دون عوائق للحصول على المساعدة الإنسانية). وغالباً ما يتّبع المسؤولون الروس المقاربة نفسها تجاه تقارير الأمم المتحدة. فخلال النقاش الأخير، اختاروا أرقاماً معينة دون سواها من إحصائيات الأمم المتحدة للادعاء بأن قوافل المساعدات الإنسانية المتجهة من دمشق إلى شمال شرق البلاد آخذةٌ في التزايد، حتى بينما كانوا يضغطون من أجل قيام الأمم المتحدة بالتحقيق بشأن العقوبات. وفي الوقت نفسه، رفضوا النتائج الأخرى التي توصلت إليها الأمم المتحدة، من بينها الاستنتاج الذي توصلت إليه التحقيقات والذي أكّد الضربات الجوية للنظام على العاملين في المجال الإنساني، وتقييمات مختلفة بشأن الاحتياجات الإنسانية في شمال غرب سوريا، والعديد من التقارير حول النظام الذي يعرقل وصول المساعدات الإنسانية.

وعلى نطاقٍ أوسع، لا تزال الأولويات الروسية في سوريا مختلفة تماماً عن أولويات الجهات المانحة. وربما تكون موسكو قد وافقت على تجديد العمل بمعبر “باب الهوى” كخطوةٍ تكتيكية لتفادي كارثة إنسانية يمكن أن تؤدي إلى موجة جديدة من الهجرة إلى تركيا – والتي هي أحدث طريقة للحفاظ على علاقة موسكو مع أنقرة. وفي الوقت نفسه، كان حق النقض الروسي متجذراً في دعم موسكو الأساسي لنظام الأسد، وهو الدعم الذي لم يتزعزع رغم التكهنات الأخيرة حول التوترات بين الحكومتين.

وبالنظر إلى كل هذه العوامل، لا تُعتبر الأخبار السارّة المنبثقة عن النقاش في الأمم المتحدة جيدةً بما فيه الكفاية. صحيحٌ أن مجلس الأمن توصّل إلى حل وسط لإبقاء أحد المعابر مفتوحاً، وبالتالي تجنب وقوع كارثة إنسانية.  لكن من المقلق للغاية أن أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية لسوريا لم تتمكن من ممارسة المزيد من النفوذ على روسيا والصين منذ إغلاق معبرَي “اليعربية” و “الرمثا” قبل ستة أشهر طويلة.

التداعيات السياسية

إن تبني قرار مجلس الأمن رقم 2533 لا يكشف عن ضعف قدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن المبادئ الإنسانية الأساسية فحسب، بل يظهر أيضاً محاولة روسيا الناجحة لإضفاء الشرعية على حكم الأسد وزيادة سيطرتها على المساعدات الإنسانية. وبما أن “باب الهوى” لا يكفي لتلبية الاحتياجات الإنسانية الحالية، فمن الضروري أن تفكر الدول المانحة في طرق بديلة لتأمينها:

إصلاح منظومة الأمم المتحدة في دمشق: يجب على الحكومات المانحة الرئيسية أن تفرض شروطها بشكل أكثر صرامةً على تمويلها لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي مقرها في دمشق وأن توزّع أموالها بشكل مختلف، اعتماداً على كيفية احترام المنظمات المعنية للمعايير الإنسانية. على سبيل المثال، إذا لم توضح “منظمة الصحة العالمية” علاقتها مع نظام الأسد، فيجب على المانحين أن يحوّلوا تمويلهم إلى وكالات أخرى، بما فيها المنظمات غير الحكومية خارج إطار الأمم المتحدة إذا لزم الأمر. وعندئذٍ يستطيع الأمين العام للأمم المتحدة أن يستغل هذا الشعور بالمنافسة لتعزيز آلية المساءلة الداخلية ومساعدة المنظمات غير الحكومية في التفاوض على معايير إنسانية أعلى مع دمشق.

إيجاد آليات تكمّل مساعي الأمم المتحدة: على الرغم من أنه لا يمكن لآلية بديلة تغطية العدد نفسه من المدنيين الذين يغطيهم الإطار الحالي للأمم المتحدة، إلا أن اقتران هذا الإطار بمساعٍ من خارج الأمم المتحدة قد يضاعف المساعدات بشكل حيوي للعديد من المنظمات السورية غير الحكومية. وبنفس الطريقة التي يدعم بها مركز المساعدات الإنسانية في مدينة غازي عنتاب التركية شمال غرب سوريا، بإمكان مختلف الجهات الفاعلة جمع الأموال خارج منظومة الأمم المتحدة لزيادة المساعدات المباشرة إلى الشمال الشرقي، باستخدامها أربيل العراقية كمركز للمساعدات وفيشخابور كمعبر.

تطوير أدوات مالية مبتكرة: يتم تمويل أبرز المساعدات المباشرة التي تستند على الاحتياجات التي يتلقاها السوريون من خلال التحويلات المباشرة من المغتربين السوريين في أوروبا والولايات المتحدة والخليج العربي. وكان استخدام أنظمة “الحوالة” لتحويل الأموال بشكل غير رسمي من أبرز الأدوات المعتمدة لمنع النظام من حرف وجهة هذه المساعدات، لكن دمشق تعمل على قمع هذه الأنظمة، كما تميل البنوك الدولية المهتمة بمخاطر العقوبات إلى منع المزيد من التحويلات الموحدة إلى سوريا. وبناءً على ذلك، يجب على الدول الغربية العمل على أدوات مالية هادفة تستطيع المنظمات السورية غير الحكومية في أوروبا والولايات المتحدة استخدامها لدعم الأسر والمجتمعات السورية بشكل مباشر.

تحسين التواصل والإدارة فيما يتعلق بالإعفاءات من العقوبات: يتضمن “قانون قيصر” والقوانين الأمريكية الأخرى من العقوبات عدة استثناءات لأغراض إنسانية، إلّا أن العديد من المنظمات الأجنبية غير الحكومية لا تملك معلومات كافية عن آلية تطبيق هذه الاستثناءات. وعلى النحو نفسه، تثير الحملات الدعائية لنظام الأسد حيرة الكثير من السوريين كونها تُلمح إلى أن الغرب مسؤول بشكلٍ أو بآخر عن الانهيار الاقتصادي الحالي، بينما تحوّل اللوم بعيداً عن فساد النظام نفسه والتدمير المنهجي للبنية التحتية الاقتصادية. وبالتالي، يجب على المسؤولين الغربيين أن يكونوا أكثر استباقية في وضع آليات التنسيق مع المنظمات غير الحكومية لضمان عدم إعاقة أعمالها بسبب العقوبات.

الاستعداد للمفاوضات المقبلة: أظهر التصويت على القرار 2533 أن حماية المبادئ الإنسانية على المدى المتوسط يستلزم رأسمال سياسي كبير. لكن التقييمات الإنسانية والصفقات المبرمة في اللحظة الأخيرة لا تكفي لتحقيق حصيلة أفضل في مجلس الأمن، خاصة وأن روسيا تراهن على خضوع كبار المانحين للإرهاق السوري. ومن أجل تنفيذ الخيارات الموضحة أعلاه وتجنب المزيد من التدهور في النظام الإنساني، من الضروري أن ينخرط وزراء الخارجية في الحكومات المعنية في القضية بشكل مباشر ومتواصل.

وقد يكون الخيار الأسوأ في هذا الصدد هو السماح للأسد بالتمادي في تلاعبه بوكالات الأمم المتحدة. كما أن منع النظام من تحويل أموال المساعدات هو الاختبار الأول لقدرة المجتمع الدولي على الاستفادة من وعود إعادة الإعمار في المستقبل.

تشارلز ثيبوت – معهد واشنطن

اترك رد