الانتصار العسكريّ لا يهزم الأمم

د. محمد عادل شوك |

نعم قد تنتصر دولة ما، أو هيئة سياسية حاكمة، عسكريًا، ولكنها تفتقر إلى النصر الحضاري، تمامًا كما حصل في حروب الأندلس.
فلقد خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضدّ الأندلسيين بانتصار كبير، لكنّها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة، وبعد مئة عام من التنصير القهري والاضطهاد والنهب، لم يستطع القشتاليون إقناع الأندلسيين أنّ كاثوليكيتهم أفضل من الإسلام، وأنّ اللغة القشتالية أكثر تعبيرًا من العربية، وبأنّ لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأنّ السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأنّ مسح المؤخّرة بورقة أفضل من زيادة غسلها، لقد اعترفت قشتالة بهزيمتها في نهاية المطاف، فلجأت إلى الأسلوب الذي تعرفه جيّدا وهو القضاء العضوي على الخصوم، فقد كانت قشتالة كتلة ضخمة من الجبروت العسكري، فيما كان الأندلسيون أقزاما، لكنّها كانت قزمًا حضاريًا جديرًا بالاحتقار في عيون الأندلسيين الذين نظروا دائمًا إلى قشتالة كمستعمرين احتلّوا أرضهم ولم يتمكّنوا من غرناطة إلاّ بالخديعة والمكر، والتصفية الجسدية عن طريق محاكم التفتيش المعيبة بحق الإنسانية، كما يذكرعادل سعيد بشتاوي، في كتابه: الأمّة الشهيدة، تاريخ مئة عام من المواجهة والاضطهاد بعد سقوط غرناطة.
قيل لأحد المؤرّخين الأوروبيين حين حضرته الوفاة ما هو الكتاب الذي ودِدت تأليفه لو أنّ العمر قد امتدّ بك أكثر، قال: كنت أوّد أن أكتب عن دور الغباء في التاريخ.
ويمكننا القول كما يقول د. خضير شعبان، أحد العلماء الجزائريين: لو قُدِّر لمثل هذا الكتاب أنّ يظهر لكان نصف فصوله عن الإسبان. تأسّست في الأندلس حضارة عظيمة شامخة، ساهم فيها الأندلسيون الأصلاء من إيبيريين وفينيقيين، ومن المغاربة والمشارقة، والمولّدين والمسيحيين واليهود، صنعت دولة كانت أقوى دول أوروبا وأكثرها سكّانًا ومهابة، وأنجبت أعلامًا فطاحلة في مختلف فروع المعرفة، أغنوا العالم بآلاف المخطوطات، ونشروا المعرفة على نطاق واسع، حتّى لم يبق في الأندلس أمّي واحد، كما يؤكّد ذلك دوزي المستعرب الهولندي، ثمّ تفرّقوا في أوروبا فنهضوا بها من الجهل والتخلّف، وأحدثوا الثورات الكبرى التي غيّرت وجه العالم.
وعوضًا من أن يتمسّكوا بها، ويعضّوا عليها بالنواجذ، انساقوا وراء عصابات القشتاليين الذي هدموا كلّ ما بنته الأندلس وإيبيريا، وجعلوا أبناء تلك الحضارة يتفرقون شذر مذر في دول الجوار، وفي جبال الألب السويسرية، وحتى أنّه قيل إنّ نسبة منهم قطعت بحر الظلمات (الأطلسي)، ووصلوا إلى العالم الجديد، قبل أن يصل إليه المستكشفون الغربيون، عن طريق (كريستوفر كولومبوس)، الذي أبحر في المحيط الأطلسي، لأول مرة في: 3/ آب/ 1492م (898هـ)، بثلاث سفن، تحمل العلم الإسباني وبـ (120) بحارًا، انطلاقًا من بلدة بالوس، بعد أن أقنع الملكين فرناندو وإيزابيلا بنجاح مشروعه، ليصل في: 10/ تشرين الأول/ من السنة نفسها، إلى جزر الأنتيل في أمريكا الوسطى، معتقداً أنه دخل بعض الجزر الآسيوية القريبة من الهند، لذلك سموها في البداية بجزر الهند الغربية؛ إلى أن سافر إليها فيما بعد البحار الفلورنسي (أمريكو فسبوشي)، ليعلن لأوروبا أن كولمبوس، قد اكتشف عالمًا جديدًا، أطلق عليه فيما بعد اسم (أمريكا).

اترك رد