الجريمةُ طالتْ أظافرُها في الشمال السوريّ

د. محمد عادل شوك |

الجريمة في الشمال السوريّ، وفي إدلب على وجه التحديد، قد طالتْ أظافرُها، وهي تتجه لأنّ تكون منظمة، فما يومٌ يمرّ إلّا وأكثر من حادثة سرقة يتناقل الناس خبرها، ليس آخرها ما شهدته بلدة كللي قبل يومين، وما حدثني به أحد الأصدقاء عن أن زوجة الأستاذ صلاح زهري (63 سنة)، في بلدة الدانا، بين الحياة والموت بعد قيام مجموعة بسرقة بيتها، وطعنها عدة طعنات، وتشليحها الذهب من يديها.
بالطبع ليس الأمر عفويّا على إطلاقه، فهناك جهات تقف وراءه، مثلما هناك دوافع أملتها الحالة التي تعيشها المنطقة، بسبب الحرب الداخلية، التي توصف بأنّها أطول حرب أهلية بهذا العنف و الحدة.
هناك جهاتٌ لا تُبرّأ من دعمها الأطراف المنخرطة في هذا العبث الجنوني، الذي تشهده سورية منذ تسع سنوات، لا يروق لها أن تنشأ نماذج سياسية تكون نواة مشروع نظام بديل، يلفت الانتباه بضبطه ونجاحه، وهي تريد بكلّ الوسائل أن تشوش عليه، وتئده في مهده، وتجعل الناس تترحّم على الأيام الخوالي.
فضلًا على ذلك هناك التنوع المجتمعيّ الذي فرضته ظروف الحرب، والتهجير والتشريد، بشكل فاق كلّ التصورات. صحيحٌ أنّ الأمر لا يُعمّم، ولكن ومن خلال التجارب في حالات مشابهة في صراعات في دول الجوار، يمكن القول إنّ شريحة تتزايد من أبناء أولئك النازحين والمشردين، لا يعنيهم أن تدخل المنطقة في نفق الفوضى والفلتان، طالما أنّه هو لا يشعر بالأمان في خيمته، ولا أمل يلوح في الأفق بعودة سريعة له إلى بلدته وبيته وأرضه.
إنّ المنطقة لا يكفيها أن تعيش على المساعدات، على قلتها، فهي بحاجة إلى شيء من الأمن والاستقرار، الذي ينتج عنه مشاريع تنموية، هي بحاجة لأن تنمو اقتصاديًا كأخواتها في مناطق النفوذ التركية، حيث الكهرباء المنتظمة المستجرّة من تركيا، وحيث فروع الجامعات التركية، وحيث المشاريع التنموية تجد الترحيب والتشجيع من لدن الجانب التركي، الذي فرض على الفصائل التي تحت نظره، أن تهيّء كلّ الظروف لبقائها ونجاحها النسبيّ.
إنّ ضبط الأمر ليس صعبًا وعسيرًا على الجهات الأمنية، الممسكة بشؤون المنطقة، ودونها في ذلك حزمة من الأفكار:
ـ إنشاء خلايا استخباراتية، تتقصى الأخبار عن أولئك العابثين بأمن المواطن، مثلما هي الحال في الأجهزة الأمنية في عدد من دول الجوار، وعلى غرار الخلايا التي تتقصّى الشاردة والواردة ممّا يقال عن الهيئة، وعن أمنها، وعن رموزها في إدلب.
إلزام محلات الصاغة والمجوهرات، ومحلات بيع الأثاث المستعمل، ومعارض السيارات، بتسجيل المعلومات التفصيلية عمّن يبيع لها أيّ شيء في هذه الأوقات، وإبلاغ الجهات الأمنية بذلك، على شكل تقارير دورية، وتغريم و سحب الترخيص ممّن يتهرّب من الالتزام بذلك.
إيقاع أقصى العقوبات في الأشخاص، الذين يثبت تورطهم في حوادث ترويع وسرقات، فلا يكفي أن نقيم حدّ الحرابة والرجم والجلد والقتل للتصوير والدعاية الحزبية فحسب، الأمر ينبغي أن يعمّم وينشر، حتى يشكّل رادعًا لمن تسوِّل له نفسه، وإنّه من غير المقبول بأيّة حال أن يفتدي المرء نفسه بالمال، فالعقوبة المغلظة مطلوبة في هذه الظروف.
إلزام مخافر الشرطة بأن لا تكتفي بدور الشاهد فيما يحصل، فلا يكفي أن تنظم الضبط وتعاين مسرح الجريمة وتمضي؛ بل عليها أن تسعى للإمساك بخيوط الجريمة وتقوم بتتبّعها، وعليها أن تمحو من أذهان الناس الصورة النمطية عنها، بأنّ وجودها كعدمه، وأنّها تكيل بمكيالين، فمن يعنيها أمره ليس كغيره.
حبذا قامت الأجهزة الشرطية في وزارة الداخلية، بتنظيم دورات تدريبة في مكافحة الجريمة على يد الشرطة التركية، ريثما تلتفت تركيا إلى الجانب الشرطيّ في إدلب و توليه عنايتها، على غرار ما تقوم به على صعيد دمج و ضبط الفصائل في جسم واحد.
نرى أن يولي القائمون على أمر إدلب، أمنَ الناس ذات الأهمية، التي يولونها لأمن أشخاصهم ومشروعهم، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، وتغدو المنطقة مرتعًا للجريمة المنظمة؛ فيذهب الجميع بين أرجل الفوضى، ولات حينها ساعة مندم، و يرتدّ الأمر على الراعي التركي وعلى الممسكين بزمام المنطقة على حدّ سواء.

اترك رد