حرب بين الحروب… وحروب لتجنّب “الحرب”


عبدالوهاب بدرخان |
اعتمدت إسرائيل لغاراتها على المواقع الإيرانية وأحياناً الأسدية في سورية مصطلح “الحرب بين الحروب”، على رغم أنها لم تعترف رسمياً بأنها تخوضها لكنها تترك إعلامها يتحدّث عنها. وبين مئات الهجمات الجوية حصل مرّة واحدة أن أسقُطت مقاتلة “اف 16” (شباط/ فبراير 2018). أما “الحروب” المشار إليها فيُقصد بها تلك الجارية داخل سورية (إدلب، “داعش”، شرق الفرات وغربه، وكل ما سبقها)، وشُمل بها لاحقاً ما دار في العراق ولا يزال (2019) بعدما تركّز الاشتباه على إسرائيل باستهداف فصائل “الحشد الشعبي”، من دون استبعاد الولايات المتحدة. وبدت هذه “الحروب” دائماً، أو هكذا صُوّرت، كأنها مجرّد سياق يقود، أو يجب أن يقود، الى “الحرب” ضد إيران.
في غضون ذلك كانت إيران تخوض كل تلك “الحروب” وتعتبر الضربات التي تتعرّض لها ميليشياتها ضريبةً لا بدّ منها للنفوذ الذي تبنيه في سورية والعراق واليمن ولبنان، ونتائج محسوبة لديها تفادياً لـ “حرب” على أرضها، وسبق أن كرّر مسؤولون أن إيران تقاتل في دمشق أو بغداد “دفاعاً عن طهران”. لكن، منذ منتصف العام الماضي، مع الحشد البحري الأميركي في الخليج وتصاعد التوتر بعد تشديد العقوبات، أصبحت احتمالات تلك “الحرب” ممكنة، محتملة، حتميّة، وأحياناً وشيكة، وبلغ التصعيد ذروته مرّتين: أولى، بعد الهجوم الصاروخي على المنشآت النفطية في السعودية. وثانية، بعد تكرار القصف الصاروخي على قواعد عراقية توجد فيها قوات أميركية.
لم يكن هناك ردٌّ على ضرب المنشآت النفطية، لكن واشنطن أرسلت إنذارات عبر قنوات عدّة الى طهران، التي اعتبرت أن تكتيك “الحروب بالوكالة” لا يزال سائداً ومقبولاً، فضاعفت تنشيط الحوثيين في اليمن ثم دفعت أحد الفصائل العراقية الى مواصلة استفزاز الاميركيين. صمت هؤلاء الى أن قُتل متعاقد مع قواتهم، فقصفوا مواقع لـ “كتائب حزب الله العراقي” في مناطق على جانبَي الحدود العراقية – السورية. قُتل عشرات من عناصر “الكتائب”، وقاد قادة “الحشد الشعبي” تظاهرة غاضبة أمام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء محاولين اقتحامها… بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة شكّل اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بقصف من طائرة مسيّرة أميركية، فجر الثالث من كانون الثاني (يناير) هذه السنة فور خروجهما من مطار بغداد، صدمة شديدة لإيران. برّرت واشنطن هذا الاغتيال بسيل من “المعلومات” عن مخطط كان يعدّه سليماني ضد قواتها. لكن الأهم أنها اعتبرته هجوماً رادعاً، وبدا رادعاً فعلاً حتى مع اتاحتها ردّاً صاروخياً إيرانياً محدوداً من دون أن تردّ عليه.
كيف بدا ذلك رادعاً؟ لأن طهران أدركت في تلك اللحظة أن أي خطوة تالية غير محسوبة قد تُشعل “الحرب” التي تريدها، ومنذ الاغتيال حتى الآن لم تعد تحدّيات إيران كما كانت، سواء في مياه الخليج أو داخل العراق حيث تلقّت “كتائب حزب الله العراقي” ضربة أخرى موجعة في بابل. ومع استمرار العقوبات التي دأبت طهران على تحدّيها، بل روّجت أن ثأرها لسليماني لن يكون أقلّ من طرد الاميركيين من المنطقة، إلا أنها تبادلت معتقلين مع واشنطن، كذلك مرّر “حزب الله” اللبناني تهريب العميل عامر فاخوري وردّت واشنطن بالإفراج عن عميله المالي قاسم تاج الدين. وترافق ذلك مع تسريبات غير مؤكّدة عن اتصالات غير رسمية مستمرة لكن من دون حلحلة لعراقيل التفاوض، وينسحب هذا الجو أيضاً على الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بناء على مرونة مستجدة يبديها “حزب الله”.
حتى قبل الاغتيال الرادع، كان نفوذ إيران اهتزّ بفعل الانتفاضتين الشعبيّتين في العراق ولبنان، إذ انطلقتا أساساً من نقمة عارمة على فشل دولتين واقعتين تحت هيمنتها وعلى أزمة اقتصادية متفاقمة. الفشل كان انكشافاً سياسياً لإيران، والتدهور الاقتصادي كان انكشافاً لعجزها عن المساعدة. صحيح أنها لا تزال قادرة على تلبية الحدّ الأدنى من احتياجات ميليشياتها، لكن أتباعها يعيشون في مجتمعات تعددية ولا يمكن أن يتجاهلوا وقع الأزمة المعيشية على جمهورهم المباشر الذي يعاني كبقية المكوّنات. ثم أن الأزمات معقّدة ومفتوحة، ولا أفق زمنياً واضحاً لتجاوزها، لذلك اضطرّت طهران لقبول رئيس وزراء عراقياً من خارج وسطها وكلّما حاولت تحدّيه وعرقلة عمله كلّما انعكس ذلك سلباً على أتباعها، ولذلك أيضاً يواجه “حزب الله” تغيّراً جذرياً في نظرة المسيحيين اللبنانيين إليه حتى داخل “التيار العوني” المتحالف معه، الذي خسر ويخسر الكثير بسبب هذا التحالف.
هناك معالم ارتداع، إذاً، ربما عمّقتها أزمة وباء كورونا، لكنها لا تعني أن إيران باتت بلداً ضعيفاً أو مستضعفاً، فهي تملك أيضاً مقومات ردع أي “حرب” عليها، ولا تزال إمكاناتها كبيرة لتحريك ميليشياتها وتخريب أي استهداف لها. لكن السقوط الاقتصادي الذي منيت به بفعل العقوبات يجعل عدداً متزايداً من المحللين والخبراء يعتبرون أن أهدافها الاستراتيجية الكبرى تأثّرت ولم تعد الرياح تهبّ لمصلحتها. فعدا لبنان والعراق حيث أقتربت ميليشياتها من خيار الحرب الأهلية للدفاع عن وجودها، لم يعد مستقبل وجودها المسلح في سورية مضموناً، أما حوثيّوها في اليمن فمن المؤكّد أنهم لم يتمكّنوا من إقامة نموذج قابل للبقاء تحت قيادتهم مهما طالت الأزمة.
لعل أكثر ما يشير الى معالم الارتداع هذه ما تشهده إيران منذ أواخر حزيران (يونيو) الماضي من تفجيرات وحرائق طاولت منشأة ناطنز النووية وعدداً من محطات الطاقة في مواقع موزّعة بين طهران وأصفهان وميناء بوشهر والأحواز. تردّد أن مصانع أو مستودعات للصواريخ استُهدفت، وقالت السلطات أنها توصلت الى تحديد أسباب ما حصل في ناطنز. لكن بمعزل عن تسريبات ملحّة أرادتها إسرائيل لتأكيد مسؤوليتها فإن ثمة دوراً أساسياً لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) بعد منحها صلاحيات للتحرك. لا شك أن هذه العمليات حملت رسائل عدّة لإيران، منها أن محاولاتها لتنشيط برنامجها النووي وتسريعه ستستدعي مزيداً من الضربات المباشرة، كذلك برنامجها الصاروخي. لكن الرسالة الأهم التي بلغتها أن نمط “الحرب” تغيّر، فلا جيوش ستهاجمها داخل حدودها، ولا طائرات ستغير على منشآتها، بل إن أسلحة ذكية وسيبرانية وربما فرق عمل سرّية صغيرة يمكن أن تقوم بما يضاهي عمل الجيوش من دون مواجهات ولا حتى ضحايا، لتستكمل مفاعيل العقوبات التي باتت إيران تعيش قسوة انعكاساتها العميقة. وإذ انطلق الجدل في شأن ردّ إيران على العمليات في داخلها، فإن أي ردّ محتمل يتطلّب أسلحة وقدرات متماثلة، أما الردّ بالوسائل والأسلحة المعروفة فقد يستدعي خيار “الحرب” التي لا تريدها، وأما عدم الردّ فسيبرهن أن الردع الأميركي بات سارياً.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more