رياض نعسان آغا: “قانون قيصر” سيدفع روسيا وإيران إلى مراجعة حساباتهما

ضيف (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) في هذا الحوار هو المعارض السوري وزير الثقافة الأسبق، الكاتب والمثقّف البارز الدكتور رياض نعسان آغا، الذي تولى على مدار العقود الثلاثة الماضية مناصب سياسية ودبلوماسية عدّة، وكان عضوًا سابقًا في مجلس الشعب السوري. كما كان الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات السورية، حتّى تاريخ استقالته في كانون الثاني/ نوفمبر 2017.

السياسي السوري المعارض يؤكّد دومًا، في خطاباته الموجهة إلى كلّ السوريين، أن لا مخرج من هذه المحنة الطاغية التي تدمر سورية إلّا باستعادة روح المواطنة، والكف عن التقسيم الطائفي في الفعل وفي ردّة الفعل، كلّنا سوريون مهما تكن انتماءاتنا الدينية أو المذهبية، لا بدّ من التمسك بالهوية الوطنية، وإلّا صار الشعب السوري شعوبًا متناحرة متحاربة تعيش على فتات أحقاد التاريخ.

هنا نص الحوار

هل تعتقدون أنّ العقوبات الأميركية والأوروبية التي توّجت في 17 حزيران/ يونيو الماضي بدخول “قانون قيصر” حيّز التنفيذ، قد تُجبر نظام بشار الأسد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بالقرارات الدولية الخاصّة بالحلّ السياسي في سورية، وفي المقدّمة منها قرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015؟

أعتقد أنّه ليس أمام النظام السوري غير أن يقبل بالحلّ السياسي، كما حدّده القرار الدولي، وآن للنظام بعد عشر سنوات من طوفان الدم أن يقتنع بأنّ اختياره للقمع العسكري لم يحقّق سوى دمار سورية ومقتل وهجرة ملايين من أبنائها، وبات من المحال أن يحكم هذا النظام سورية مستقبلًا، فقد اهترأت دعائمه، وإن استمر في رفض الحلّ السياسي مماطلًا، فسيبقى معزولًا، وسيحكم على مواليه وعلى الشعب كلّه بتحمل المزيد من الانهيارات والفواجع، لقد باتت سورية مهددة بالزوال بسبب تعنت النظام وإصراره على رفض مطالب الشعب بالكرامة والحرّية والديمقراطية.

ما قراءتكم لما حدث ويحدث من صراع على الثروة والنفوذ بين أطراف العائلة الحاكمة في سورية (الأسد، مخلوف، والأخرس)؟

أذكر الحكمة القائلة “ما يبدأ خطأ، ينتهي خطأ”، لقد بُنيت هذه الإمبراطورية المالية على فساد كبير، وسرقت من أموال الشعب، ولا بدّ من أن يتخاصم اللصوص على اقتسام ما نهبوه، وأمر عادي أن تحدث هذه الصراعات الداخلية في تصفيات الدور النهائي.

* فشل المشروع الفارسي في كلّ الأرض العربية.

هل تتوقعون أن يحدث في الأفق المنظور توافق بين القوى العسكرية الموجودة على الأراضي السورية يسمح بانتقال سياسي مرجعيته بيان جنيف (2012) الذي من شأنه إنهاء حكم عائلة الأسد؟

لا أتوقّع أن يحدث التوافق بين الأضداد، لا بدّ من أن يُفرض هذا التوافق عبر القرار الدولي، لأنّ النظام صنع أيديولوجية لإقناع مواليه بأنّهم يخوضون صراع وجود، وأنّهم مهددون بالإبادة أو الانتقام، لذلك سيبقون متمترسين بمواقعهم في السلطة إلى آخر بشر أو حجر أو شجر، كما يقولون، وهذا ما يعقد الوصول إلى حلّ. ونحن نخاطب من تبقى من العقلاء أن يراجعوا أنفسهم، وأن يقتنعوا بأنّ بقاءهم في الحكم إلى الأبد أمر محال، فلو أنّها دامت لسواهم لما وصلت إليهم.

المرسوم الذي أصدره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أيار/ مايو الماضي، المتعلق بتعيين ألكسندر يفيموف، السفير الروسي فوق العادة والمفوض لدى سورية، (ممثلًا خاصًّا للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع الجمهورية العربية السورية). ما الهدف الرئيس منه بحسب تقديرك؟ وهل يمكن اعتباره -كما ذهب البعض- بمنزلة “تعيين مندوب سامي لبوتين في دمشق وفرض وصاية روسية على سورية”؟

أفهم من تعيين يفيموف ممثلًا للرئيس بوتين في سورية أنّه يريد الإشراف المباشر على علاقة روسيا بسورية، بعد ما كان يحدث من تنافس بين الخارجية الروسية وبين وزارة الدفاع الروسية على الحظوة بمباشرة الإشراف، ولا أرى تفسيرًا له علاقة بحجم الوصاية، فهي موجودة على كل حال، وكائنًا من كان يمثلها من الروس، وقد سبق لبوتين أن عيّن ممثلين له في سورية.

بعد تزايد الضغط الأميركي وتتالي الضربات الجوية الإسرائيلية التي تترافق دومًا مع صمت روسي وعجز تامّ للنظام السوري، هل تتوقّعون انسحابًا إيرانيًا من الأراضي السورية في المستقبل المنظور؟

أتوقّع فشل المشروع الفارسي في كلّ الأرض العربية، وهو مشروع إمبراطوري عنصري، ومذهبي، وهناك رفض شعبي سوري كامل للاحتلال الفارسي، وقريبًا ستسوء العلاقات الروسية الإيرانية بشدة عبر تنافسها على اقتسام سورية، وسيجد الإيرانيون أنفسهم خاسرين، فضلًا عن حالة التهتك السياسي والاقتصادي داخل إيران. وإذا وصل السوريون إلى حلّ سياسي؛ فسينتهي حضور إيران فورًا، وستجد مقاومة شعبية ضارية.

* مخاوف من تقسيم سورية وظهور صراع كردي عربي

ما موقفكم ممّا يحدث حاليًا في شمال سورية في ظلِّ التفاهمات الروسية التركية، التي كان آخرهااتّفاق إدلب المبرم بين موسكو وأنقرة في الخامس من آذار/ مارس الماضي؟

ما حدث في الشمال هو إيقاف مؤقت لهجوم النظام على الشمال، وكان متوقعًا، وما يزال، حدوث مجازر إبادة لكلّ المعارضين، وإعلان النظام انتصاره الشامل على معارضيه، وقد حقّق الاتفاق الروسي التركي هدنة لمنع حدوث هذه الإبادة، ولرفض الحلّ العسكري والتوجه من جديد للمفاوضات.. وترغب تركيا في إقامة منطقة آمنة في الشمال، كي تتخلص من وجود ملايين اللاجئين السوريين في أراضيها وتعيدهم إلى سورية بأمان.

الحوار الكردي – الكردي الذي تقوم به الأحزاب والقوى الكردية في الجزيرة السورية، والذي يفتقر إلى الرؤية الوطنية الشاملة، ويتجاهل الأغلبية المستقلّة التي لا تشعر بالرضى عن سياسات الأحزاب الكردية وتوجهاتها. كيف تنظرون إليه؟ وما البديل السياسي لحلّ القضية الكردية في إطار الحلّ الديمقراطي العامّ في الدولة السورية في مرحلة ما بعد الأسد؟

القضية الكردية جزء من القضية السورية، ولا يجوز الفصل بينهما، لقد تعرض بعض الكرد لاضطهاد مثل بقية الشعب السوري، ومن حقّهم أن ينالوا كلّ حقوق المواطنة، بوصفهم سوريين، وأن تكون الإدارة المحلية واسعة الصلاحيات في سورية كلها، ولكن من يطالبون باقتسام سورية يهدّدون وحدة الوطن، وهذا ما نرفضه.

هل تخشون حدوث تجزئة أو تقسيم واضح ومعلن لسورية مثل ما حدث في يوغوسلافيا؟

هناك تخوف من أن يصرّ بعض الأكراد بدعم خارجي على تقرير المصير وإعلان مقاطعة مستقلّة، في ما يسمّونه (كردستان سورية) وسيفتح هذا شهية بعض الإثنيات على تصرف مشابه، فتضيع سورية، وستقع صراعات دموية بين شرائح المجتمع السوري ومكوّناته، لا سمح الله، إذا حاول أحد أن يقسم سورية. وأشدّ ما أخشاه أن يظهر صراع كردي عربي، وهو ما لم يحدث قط في تاريخنا المشترك كلّه، لأنّ العرب والكرد كانا أمة واحدة في التاريخ، منذ أن دخل الكرد في الإسلام ورفعوا رايته.

ما موقفكم من زجّ المقاتلين السوريين في الصراع الليبي المسلّح؟

السوريون أولى بقضيتهم، وأرفض أن يتحوّل أيّ سوري إلى مقاتل مرتزق في أيّ صراع خارج بلاده.

* المثقّفون الثوريون وثقافة الثورة

بعد كل ما عاينته من أحداث ولا سيما في العشرية الأخيرة، نسأل: ما رؤيتكم اليوم إلى مفهوم الوطن والهوية؟

الوطن ليس الجغرافيا فقط، وليس اللغة الواحدة فيه، وإنّما هو الأنا الجماعية التي تنتمي إليها مجموعة سكانية، بغض النظر عن اختلاف الأديان والأعراق، توافقت على العيش المشترك، فضلًا عن التوارث الجيني لهذا الانتماء، وكثير من السوريين يحملون اليوم جنسيات مختلفة، ويعيشون خارج سورية، ولكنّهم سوريون بالولادة وبالإرث الثقافي وبالرباط الحضاري والفكري والعاطفي أيضًا، حتى الذين ولدوا خارج سورية ينتمون إلى سورية، كانتمائهم إلى آبائهم وأجدادهم، حيث يشكّل التاريخ تدفقًا مستمرًّا في الأجيال الوارثة، وسيكبر الشعور بالمواطنة مع انتهاء القضية السورية إلى حلول ديمقراطية، تحقّق شيئًا من العدل يقوي الانتماء، لأنّ غياب العدل يدعو المواطنين إلى الهرب من أوطانهم بحثًا عن أمان من الجور والظلم. والهوية هي مفردات الشخصية، هي كيانه الداخلي، وهي أناه الفردية الملتصقة بمن هم أهله وسربه ومجموعته. وفيها تدرجات صاعدة، من القرية أو المدينة التي وُلد فيها، إلى المنطقة، إلى الوطن إلى الأمة، ثمّ إلى الإنسانية جمعاء.

من خلال تجربتكم، ككاتب ومثقّف بارز شغل مناصب سياسية في بلده، حدّثنا عن رؤيتك للمثقّف الذي يزاول العمل السياسي، وعن التقاطعات التي تنشأ بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، وهل فعلًا لا يوجد تعارض بين السياسي والثقافي؟

المثقّفون ليسوا كتلة متشابهة في الرؤية والمعرفة والسلوك، هم كغيرهم من الناس يتفاوتون، ولا يمكن إطلاق سمات موحّدة عليهم، هناك مثقّفون التزموا بقضايا الشعب وناضلوا معه، وضحوا بكلّ ما يملكون دفاعًا عن حقّ شعبهم في الكرامة والحرّية، وإنهاء الاستبداد والطغيان، وهناك مثقّفون دافعوا عن الاستبداد ووجدوا له المبررات، وحافظوا على وظائفهم ومصالحهم، ومن عمل من المثقّفين في السياسة تعرّض لتلك المؤثرات، فمثقّفو السلطة نبذهم الشعب، ومثقّفو الثورة تصدروا المشهد السياسي المعارض، بعضهم نجح في التعبير عن القضية، وبعضهم أخفق، ولا توجد أحكام شاملة أو مطلقة، وعلينا أن نرى حجم الإنتاج الفكري والأدبي والفني الذي أثرى به المثقّفون الثوريون ثقافة الثورة، لقد تراكمت أدبيات ممتازة، شعرًا وقصة ورواية، بشكل لافت، والسياسيون المثقّفون باتوا محكومين بتدويل القضية السورية الذي سحب منهم القرار، ولهذا باتوا يتخبطون وقد خاب رجاؤهم بمن كان يدعم قضيتهم، وهم الآن يدفعون -مثل كلّ شعبنا- ثمن الصراعات الإقليمية حولهم.

رأى الراحل المفكّر الدكتور صادق جلال العظيم أنّ “في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مجددًا، بصورة أو أخرى، احتمالًا واردًا ومخيفًا”. ما تعليقكم؟

أرجو ألّا تقع سورية في مستنقعات الفوضى والصراعات مستقبلًا، كما حدث في العراق بعد انهيار الدولة، وكما يقع في ليبيا واليمن ولبنان، ولذلك ندعو إلى الانتقال السياسي الهادئ عبر مجلس عسكري مدني وهيئة حكم انتقالي، تمتلك كل الصلاحيات.

* الامتحان كشف عطب الكثير من المثقّفين

الحالة السياسية العربية تمرّ بحالة تردٍّ وتشظٍ؛ فماذا تقولون عن الحالة الثقافية الراهنة في وطننا العربي عامّة، وفي سورية على وجه الخصوص؟

المرحلة الراهنة التي تلت ثورات الربيع العربي شهدت حوارات فكرية غير مسبوقة، لأنّ الثورات أطلقت المخبوء في عقول الناس ونفوسهم، فضلًا عمّا أتاحته التقنيات في عالم الاتصالات، وقد أصبح بوسع كل شخص يحمل هاتفًا أن يجعل منه منبرًا إعلاميًا، ولئن ساهم ذلك في فوضى فكرية، فإنّه بالمقابل كشف المستور، وقد ظهرت كلّ الأيديولوجيات وعبرت عن نفسها كلّ الأقليات، ونشط الحوار الشعبي في وسائل الاتصال مثل “واتساب” و”فيسبوك” وسواهما، وطفا على السطح كلام غث كثير، لكن جزءًا مهمًا من الحواريات العميقة ظهر في كتابات ومقالات كثير من المثقّفين الكبار، فضلًا عن نشاط مهمّ في الإبداع الفني ، شعرًا ورواية ومسرحًا وسينما ودراما تلفزيونية، وهذا تفاعل جاد ومباشر مع ضخامة الأحداث التي مرّت على الأمة، وفي سورية ذروة من هذا الفيض الإبداعي الذي سينضج أكثر في السنوات القادمة، ولا سيما بعد ما أتيح للسوريين بخاصّة من تجارب مثاقفة مهمة مع العالم في تغريبتهم الراهنة، ويبدو أنّ الرواية هي الأكثر قدرة على التعبير عن المأساة ، كما أنّ المراجعات الفكرية بدت صريحة جدًا، ولأوّل مرّة تطرح كلّ العقائد والأفكار لحوار مفتوح.. ولا بدّ من تحمل تداعياته السلبية أيضًا، وقد سقط كثير من المثقّفين وأسميهم (المتعلمين) في مستنقع الدفاع عن الاستبداد، والمفارقة أنّ أغلبهم يساريون، لكن الامتحان كشف عطبهم النفسي الداخلي، وكذب شعاراتهم، كما أنّ الفكر المتطرف في كلّ الاتّجاهات سقط في مستنقع الدماء وكان من أسباب تفاقم البلاء.

برأيكم، هل بإمكان المرحلة التاريخية الدقيقة التي تمرُّ بها بلادنا العربية اليوم أن تُنتج فكرًا مغايرًا؟

بالطبع، سينتج الحوار الصاخب الآن حوارًا يميل إلى الهدوء والتروي مستقبلًا، وسيجد المثقّفون فضاء حرّية أوسع لمراجعاتهم، وسعيهم لتحقيق الحرّية المسؤولة وبناء عقد اجتماعي عادل ومتوازن، ولا بدّ من أن تكون الوسطية هي الحلّ، وأن تنتصر فكرة قبول الآخر وأسس العيش المشترك.

أخيرًا، بعد دخول “قانون قيصر” حيّز التطبيق، ووصول الاقتصاد السوري إلى حافة الانهيار، واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية السلمية ضدّ الفساد والاستبداد، إلى أين نحن ماضون؟

أعتقد أنّ “قانون قيصر” سيدفع روسيا وإيران إلى مراجعة حساباتهما، فقد رفعت الولايات المتّحدة بهذا القانون إشارة حمراء في وجه روسيا وإيران، وحدّدت أنّ الطريق المفتوح هو القرار 2254 فقط، وليس المتابعة بالحلّ العسكري القمعي، وأتوقّع أن يتمّ الضغط على النظام حتى يقبل بالحلّ السياسي المرتقب.

__________

ضيف (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) في هذا الحوار هو المعارض السوري وزير الثقافة الأسبق، الكاتب والمثقّف البارز الدكتور رياض نعسان آغا، الذي تولى على مدار العقود الثلاثة الماضية مناصب سياسية ودبلوماسية عدّة، وكان عضوًا سابقًا في مجلس الشعب السوري. كما كان الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات السورية، حتّى تاريخ استقالته في كانون الثاني/ نوفمبر 2017.

السياسي السوري المعارض يؤكّد دومًا، في خطاباته الموجهة إلى كلّ السوريين، أن لا مخرج من هذه المحنة الطاغية التي تدمر سورية إلّا باستعادة روح المواطنة، والكف عن التقسيم الطائفي في الفعل وفي ردّة الفعل، كلّنا سوريون مهما تكن انتماءاتنا الدينية أو المذهبية، لا بدّ من التمسك بالهوية الوطنية، وإلّا صار الشعب السوري شعوبًا متناحرة متحاربة تعيش على فتات أحقاد التاريخ.

هنا نص الحوار

هل تعتقدون أنّ العقوبات الأميركية والأوروبية التي توّجت في 17 حزيران/ يونيو الماضي بدخول “قانون قيصر” حيّز التنفيذ، قد تُجبر نظام بشار الأسد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بالقرارات الدولية الخاصّة بالحلّ السياسي في سورية، وفي المقدّمة منها قرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015؟

أعتقد أنّه ليس أمام النظام السوري غير أن يقبل بالحلّ السياسي، كما حدّده القرار الدولي، وآن للنظام بعد عشر سنوات من طوفان الدم أن يقتنع بأنّ اختياره للقمع العسكري لم يحقّق سوى دمار سورية ومقتل وهجرة ملايين من أبنائها، وبات من المحال أن يحكم هذا النظام سورية مستقبلًا، فقد اهترأت دعائمه، وإن استمر في رفض الحلّ السياسي مماطلًا، فسيبقى معزولًا، وسيحكم على مواليه وعلى الشعب كلّه بتحمل المزيد من الانهيارات والفواجع، لقد باتت سورية مهددة بالزوال بسبب تعنت النظام وإصراره على رفض مطالب الشعب بالكرامة والحرّية والديمقراطية.

ما قراءتكم لما حدث ويحدث من صراع على الثروة والنفوذ بين أطراف العائلة الحاكمة في سورية (الأسد، مخلوف، والأخرس)؟

أذكر الحكمة القائلة “ما يبدأ خطأ، ينتهي خطأ”، لقد بُنيت هذه الإمبراطورية المالية على فساد كبير، وسرقت من أموال الشعب، ولا بدّ من أن يتخاصم اللصوص على اقتسام ما نهبوه، وأمر عادي أن تحدث هذه الصراعات الداخلية في تصفيات الدور النهائي.

* فشل المشروع الفارسي في كلّ الأرض العربية.

هل تتوقعون أن يحدث في الأفق المنظور توافق بين القوى العسكرية الموجودة على الأراضي السورية يسمح بانتقال سياسي مرجعيته بيان جنيف (2012) الذي من شأنه إنهاء حكم عائلة الأسد؟

لا أتوقّع أن يحدث التوافق بين الأضداد، لا بدّ من أن يُفرض هذا التوافق عبر القرار الدولي، لأنّ النظام صنع أيديولوجية لإقناع مواليه بأنّهم يخوضون صراع وجود، وأنّهم مهددون بالإبادة أو الانتقام، لذلك سيبقون متمترسين بمواقعهم في السلطة إلى آخر بشر أو حجر أو شجر، كما يقولون، وهذا ما يعقد الوصول إلى حلّ. ونحن نخاطب من تبقى من العقلاء أن يراجعوا أنفسهم، وأن يقتنعوا بأنّ بقاءهم في الحكم إلى الأبد أمر محال، فلو أنّها دامت لسواهم لما وصلت إليهم.

المرسوم الذي أصدره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أيار/ مايو الماضي، المتعلق بتعيين ألكسندر يفيموف، السفير الروسي فوق العادة والمفوض لدى سورية، (ممثلًا خاصًّا للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع الجمهورية العربية السورية). ما الهدف الرئيس منه بحسب تقديرك؟ وهل يمكن اعتباره -كما ذهب البعض- بمنزلة “تعيين مندوب سامي لبوتين في دمشق وفرض وصاية روسية على سورية”؟

أفهم من تعيين يفيموف ممثلًا للرئيس بوتين في سورية أنّه يريد الإشراف المباشر على علاقة روسيا بسورية، بعد ما كان يحدث من تنافس بين الخارجية الروسية وبين وزارة الدفاع الروسية على الحظوة بمباشرة الإشراف، ولا أرى تفسيرًا له علاقة بحجم الوصاية، فهي موجودة على كل حال، وكائنًا من كان يمثلها من الروس، وقد سبق لبوتين أن عيّن ممثلين له في سورية.

بعد تزايد الضغط الأميركي وتتالي الضربات الجوية الإسرائيلية التي تترافق دومًا مع صمت روسي وعجز تامّ للنظام السوري، هل تتوقّعون انسحابًا إيرانيًا من الأراضي السورية في المستقبل المنظور؟

أتوقّع فشل المشروع الفارسي في كلّ الأرض العربية، وهو مشروع إمبراطوري عنصري، ومذهبي، وهناك رفض شعبي سوري كامل للاحتلال الفارسي، وقريبًا ستسوء العلاقات الروسية الإيرانية بشدة عبر تنافسها على اقتسام سورية، وسيجد الإيرانيون أنفسهم خاسرين، فضلًا عن حالة التهتك السياسي والاقتصادي داخل إيران. وإذا وصل السوريون إلى حلّ سياسي؛ فسينتهي حضور إيران فورًا، وستجد مقاومة شعبية ضارية.

* مخاوف من تقسيم سورية وظهور صراع كردي عربي

ما موقفكم ممّا يحدث حاليًا في شمال سورية في ظلِّ التفاهمات الروسية التركية، التي كان آخرهااتّفاق إدلب المبرم بين موسكو وأنقرة في الخامس من آذار/ مارس الماضي؟

ما حدث في الشمال هو إيقاف مؤقت لهجوم النظام على الشمال، وكان متوقعًا، وما يزال، حدوث مجازر إبادة لكلّ المعارضين، وإعلان النظام انتصاره الشامل على معارضيه، وقد حقّق الاتفاق الروسي التركي هدنة لمنع حدوث هذه الإبادة، ولرفض الحلّ العسكري والتوجه من جديد للمفاوضات.. وترغب تركيا في إقامة منطقة آمنة في الشمال، كي تتخلص من وجود ملايين اللاجئين السوريين في أراضيها وتعيدهم إلى سورية بأمان.

الحوار الكردي – الكردي الذي تقوم به الأحزاب والقوى الكردية في الجزيرة السورية، والذي يفتقر إلى الرؤية الوطنية الشاملة، ويتجاهل الأغلبية المستقلّة التي لا تشعر بالرضى عن سياسات الأحزاب الكردية وتوجهاتها. كيف تنظرون إليه؟ وما البديل السياسي لحلّ القضية الكردية في إطار الحلّ الديمقراطي العامّ في الدولة السورية في مرحلة ما بعد الأسد؟

القضية الكردية جزء من القضية السورية، ولا يجوز الفصل بينهما، لقد تعرض بعض الكرد لاضطهاد مثل بقية الشعب السوري، ومن حقّهم أن ينالوا كلّ حقوق المواطنة، بوصفهم سوريين، وأن تكون الإدارة المحلية واسعة الصلاحيات في سورية كلها، ولكن من يطالبون باقتسام سورية يهدّدون وحدة الوطن، وهذا ما نرفضه.

هل تخشون حدوث تجزئة أو تقسيم واضح ومعلن لسورية مثل ما حدث في يوغوسلافيا؟

هناك تخوف من أن يصرّ بعض الأكراد بدعم خارجي على تقرير المصير وإعلان مقاطعة مستقلّة، في ما يسمّونه (كردستان سورية) وسيفتح هذا شهية بعض الإثنيات على تصرف مشابه، فتضيع سورية، وستقع صراعات دموية بين شرائح المجتمع السوري ومكوّناته، لا سمح الله، إذا حاول أحد أن يقسم سورية. وأشدّ ما أخشاه أن يظهر صراع كردي عربي، وهو ما لم يحدث قط في تاريخنا المشترك كلّه، لأنّ العرب والكرد كانا أمة واحدة في التاريخ، منذ أن دخل الكرد في الإسلام ورفعوا رايته.

ما موقفكم من زجّ المقاتلين السوريين في الصراع الليبي المسلّح؟

السوريون أولى بقضيتهم، وأرفض أن يتحوّل أيّ سوري إلى مقاتل مرتزق في أيّ صراع خارج بلاده.

* المثقّفون الثوريون وثقافة الثورة

بعد كل ما عاينته من أحداث ولا سيما في العشرية الأخيرة، نسأل: ما رؤيتكم اليوم إلى مفهوم الوطن والهوية؟

الوطن ليس الجغرافيا فقط، وليس اللغة الواحدة فيه، وإنّما هو الأنا الجماعية التي تنتمي إليها مجموعة سكانية، بغض النظر عن اختلاف الأديان والأعراق، توافقت على العيش المشترك، فضلًا عن التوارث الجيني لهذا الانتماء، وكثير من السوريين يحملون اليوم جنسيات مختلفة، ويعيشون خارج سورية، ولكنّهم سوريون بالولادة وبالإرث الثقافي وبالرباط الحضاري والفكري والعاطفي أيضًا، حتى الذين ولدوا خارج سورية ينتمون إلى سورية، كانتمائهم إلى آبائهم وأجدادهم، حيث يشكّل التاريخ تدفقًا مستمرًّا في الأجيال الوارثة، وسيكبر الشعور بالمواطنة مع انتهاء القضية السورية إلى حلول ديمقراطية، تحقّق شيئًا من العدل يقوي الانتماء، لأنّ غياب العدل يدعو المواطنين إلى الهرب من أوطانهم بحثًا عن أمان من الجور والظلم. والهوية هي مفردات الشخصية، هي كيانه الداخلي، وهي أناه الفردية الملتصقة بمن هم أهله وسربه ومجموعته. وفيها تدرجات صاعدة، من القرية أو المدينة التي وُلد فيها، إلى المنطقة، إلى الوطن إلى الأمة، ثمّ إلى الإنسانية جمعاء.

من خلال تجربتكم، ككاتب ومثقّف بارز شغل مناصب سياسية في بلده، حدّثنا عن رؤيتك للمثقّف الذي يزاول العمل السياسي، وعن التقاطعات التي تنشأ بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، وهل فعلًا لا يوجد تعارض بين السياسي والثقافي؟

المثقّفون ليسوا كتلة متشابهة في الرؤية والمعرفة والسلوك، هم كغيرهم من الناس يتفاوتون، ولا يمكن إطلاق سمات موحّدة عليهم، هناك مثقّفون التزموا بقضايا الشعب وناضلوا معه، وضحوا بكلّ ما يملكون دفاعًا عن حقّ شعبهم في الكرامة والحرّية، وإنهاء الاستبداد والطغيان، وهناك مثقّفون دافعوا عن الاستبداد ووجدوا له المبررات، وحافظوا على وظائفهم ومصالحهم، ومن عمل من المثقّفين في السياسة تعرّض لتلك المؤثرات، فمثقّفو السلطة نبذهم الشعب، ومثقّفو الثورة تصدروا المشهد السياسي المعارض، بعضهم نجح في التعبير عن القضية، وبعضهم أخفق، ولا توجد أحكام شاملة أو مطلقة، وعلينا أن نرى حجم الإنتاج الفكري والأدبي والفني الذي أثرى به المثقّفون الثوريون ثقافة الثورة، لقد تراكمت أدبيات ممتازة، شعرًا وقصة ورواية، بشكل لافت، والسياسيون المثقّفون باتوا محكومين بتدويل القضية السورية الذي سحب منهم القرار، ولهذا باتوا يتخبطون وقد خاب رجاؤهم بمن كان يدعم قضيتهم، وهم الآن يدفعون -مثل كلّ شعبنا- ثمن الصراعات الإقليمية حولهم.

رأى الراحل المفكّر الدكتور صادق جلال العظيم أنّ “في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مجددًا، بصورة أو أخرى، احتمالًا واردًا ومخيفًا”. ما تعليقكم؟

أرجو ألّا تقع سورية في مستنقعات الفوضى والصراعات مستقبلًا، كما حدث في العراق بعد انهيار الدولة، وكما يقع في ليبيا واليمن ولبنان، ولذلك ندعو إلى الانتقال السياسي الهادئ عبر مجلس عسكري مدني وهيئة حكم انتقالي، تمتلك كل الصلاحيات.

* الامتحان كشف عطب الكثير من المثقّفين

الحالة السياسية العربية تمرّ بحالة تردٍّ وتشظٍ؛ فماذا تقولون عن الحالة الثقافية الراهنة في وطننا العربي عامّة، وفي سورية على وجه الخصوص؟

المرحلة الراهنة التي تلت ثورات الربيع العربي شهدت حوارات فكرية غير مسبوقة، لأنّ الثورات أطلقت المخبوء في عقول الناس ونفوسهم، فضلًا عمّا أتاحته التقنيات في عالم الاتصالات، وقد أصبح بوسع كل شخص يحمل هاتفًا أن يجعل منه منبرًا إعلاميًا، ولئن ساهم ذلك في فوضى فكرية، فإنّه بالمقابل كشف المستور، وقد ظهرت كلّ الأيديولوجيات وعبرت عن نفسها كلّ الأقليات، ونشط الحوار الشعبي في وسائل الاتصال مثل “واتساب” و”فيسبوك” وسواهما، وطفا على السطح كلام غث كثير، لكن جزءًا مهمًا من الحواريات العميقة ظهر في كتابات ومقالات كثير من المثقّفين الكبار، فضلًا عن نشاط مهمّ في الإبداع الفني ، شعرًا ورواية ومسرحًا وسينما ودراما تلفزيونية، وهذا تفاعل جاد ومباشر مع ضخامة الأحداث التي مرّت على الأمة، وفي سورية ذروة من هذا الفيض الإبداعي الذي سينضج أكثر في السنوات القادمة، ولا سيما بعد ما أتيح للسوريين بخاصّة من تجارب مثاقفة مهمة مع العالم في تغريبتهم الراهنة، ويبدو أنّ الرواية هي الأكثر قدرة على التعبير عن المأساة ، كما أنّ المراجعات الفكرية بدت صريحة جدًا، ولأوّل مرّة تطرح كلّ العقائد والأفكار لحوار مفتوح.. ولا بدّ من تحمل تداعياته السلبية أيضًا، وقد سقط كثير من المثقّفين وأسميهم (المتعلمين) في مستنقع الدفاع عن الاستبداد، والمفارقة أنّ أغلبهم يساريون، لكن الامتحان كشف عطبهم النفسي الداخلي، وكذب شعاراتهم، كما أنّ الفكر المتطرف في كلّ الاتّجاهات سقط في مستنقع الدماء وكان من أسباب تفاقم البلاء.

برأيكم، هل بإمكان المرحلة التاريخية الدقيقة التي تمرُّ بها بلادنا العربية اليوم أن تُنتج فكرًا مغايرًا؟

بالطبع، سينتج الحوار الصاخب الآن حوارًا يميل إلى الهدوء والتروي مستقبلًا، وسيجد المثقّفون فضاء حرّية أوسع لمراجعاتهم، وسعيهم لتحقيق الحرّية المسؤولة وبناء عقد اجتماعي عادل ومتوازن، ولا بدّ من أن تكون الوسطية هي الحلّ، وأن تنتصر فكرة قبول الآخر وأسس العيش المشترك.

أخيرًا، بعد دخول “قانون قيصر” حيّز التطبيق، ووصول الاقتصاد السوري إلى حافة الانهيار، واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية السلمية ضدّ الفساد والاستبداد، إلى أين نحن ماضون؟

أعتقد أنّ “قانون قيصر” سيدفع روسيا وإيران إلى مراجعة حساباتهما، فقد رفعت الولايات المتّحدة بهذا القانون إشارة حمراء في وجه روسيا وإيران، وحدّدت أنّ الطريق المفتوح هو القرار 2254 فقط، وليس المتابعة بالحلّ العسكري القمعي، وأتوقّع أن يتمّ الضغط على النظام حتى يقبل بالحلّ السياسي المرتقب.

__________

__________ مركز حرمون للدراسات المعاصرة

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more