مجلس نواب للنظام في الشعب السوري

راتب شعبو |

لا شيء أكثر إثارة للسخرية من حرص نظام الأسد على إجراء “انتخابات مجلس الشعب” وسط هذه الحالة المأساوية التي تصل إلى حدود المجاعة التي يعيشها السوريون في كل مكان، داخل سورية وخارجها، تحت سيطرة النظام وخارجها. لا شيء أغرب من تحمّل تكاليف هذه المسرحية، في حين يبلغ مقدار الديْن العام للدولة السورية 208% من إجمالي الناتج المحلي. 

ربما لا يوجد شخص واحد في كل سورية، موالياً أو معارضاً أو بين بين، يعتقد أن ما جرى هو انتخابات تستحق هذا الاسم. النظام نفسه يدرك هذا، ولا يكترث، ولا يكلف نفسه عناء إجادة التمثيل أو التستر على العيوب، ولسان حاله يقول “أنا الغريق فما خوفي من البلل”. طالما أنه لا توجد صحافة مستقلة، ولم يعد ثمّة حاجة للحفاظ على “صورة” البلد، بعد أن صارت في الوحل، ولا يوجد إشراف دولي على الانتخابات، فما الداعي إلى التستر؟ مثلاً، يمكن للناخب إذا شاء أن ينتخب عدة مرات، من دون أي مشكلة، فلا أحد يلزمك على غمس إصبعك بالحبر. هناك حافلات تحمل أشخاصاً يجولون بهوياتهم على المراكز و”ينتخبون”، بآلية جولانهم نفسها بالعصي والرشاشات على المظاهرات، في ما مضى. وهناك مخاتير يرسلون الأسماء وأرقام الهويات إلى المراكز ويتم “الانتخاب” بها، فقد يكتشف الشخص أنه شارك بالانتخاب من دون علم منه. غير أن الابتكار الديمقراطي الجديد التالي لشطب المادة الثامنة من دستور 1973، والمتعلقة بفرض حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، هي فكرة “الاستئناس الحزبي” التي تقول إن القاعدة الحزبية تشارك وتساعد القيادة في عملية اختيار مرشحي الحزب، حيث يقترع “الرفاق” على المرشحين الحزبيين، ويؤخذ من الحائزين على أعلى الأصوات ضعف العدد المطلوب للترشيح في قائمة الحزب، ثم تختار القيادة من تريد من بين هؤلاء. وهكذا تكون القيادة قد مارست “الاختيار”، ولكن بعد أن تكون قد “استأنست” برأي القاعدة التي صار يمكنها أن تحلم، هي الأخرى، بأن ينالها نصيب، مهما يكن بسيطاً، من تحليات الراغبين في النيابة وهداياهم.

أشخاص مختارون من “القيادة” لكفاءاتٍ تتعلق أساساً بالانقياد وعبادة المصلحة الشخصية على حساب أي شيء

ما معنى هذه الانتخابات، ولماذا يحمّل النظام نفسه عبء إجرائها ودفع تكاليفها، إذا كان على ثقة بأن الداخل لا يعترف بها في قرارة نفسه، وأن أهل الداخل يعلمون أن الغالبية الغالبة من الساعين إلى النيابة هم نخبة الفساد والاستزلام، ولا يرتجى منهم أي خير لأهل البلد؟ ولماذا يصرّ النظام على إجرائها، وهو على ثقة بأن الخارج يدرك زيفها، ويعلن عدم اعترافه بها في تصريحاته وإعلامه؟ 

يمكن تلمس الجواب في أن نظام الأسد أسير لفساده ومحسوبياته وعلاقاته الزبائنية، كما هو أسير “لديمقراطيته”، تماماً كما يكون المضمون أسيراً لشكلٍ ما. يخشى النظام أن يقود الخلل في الشكل إلى اختلال المنظومة ككل، فلماذا يغامر في الشكل، طالما أنه قادر عليه؟ التوريث مثلاً هو مضمون انتقال السلطة إلى الأسد الابن، غير أن هذا المضمون اتخذ شكلاً “جمهورياً”، ومرّ عبر “برلمان” .. إلخ. كان يمكن فرض التوريث بانقلاب على الدستور، ولكن القوة القادرة على هذا الانقلاب كانت تفضل دائماً ممارسة قوتها من دون كسر الشكل، طالما كان ذلك ممكناً. أكثر من ذلك، كانت هذه القوة دائماً تستعرض قدرتها على العبث بالأشكال إلى حدود الاستهانة أو الاحتقار. خذ ما تشاء من “الديمقراطية”، لتجد نفسك على الأرض ذاتها أو على أرضٍ أكثر تراجعاً. خذ ما تشاء من المؤتمرات والمحاكم والمجالس المحلية والانتخابات وقانون الأحزاب والإعلام .. إلخ، واكتشف ما يحيط بك من فراغ في الحقوق وخواء في المؤسسات.

نظام الأسد أسير لفساده ومحسوبياته وعلاقاته الزبائنية، كما هو أسير “لديمقراطيته”، تماماً كما يكون المضمون أسيراً لشكلٍ ما

على هذا الخط، يمكن لرئيس مجلس الشعب الحالي أن يفاخر بهذا الالتزام الديمقراطي الأصيل: “القيادة السورية مصرّة على إقامة الاستحقاقات الانتخابية كافة، وفي أحلك الظروف”. هناك أعداء يريدون إشغال “القيادة” عن الالتزام بالديمقراطية، ولكن هيهات، فالقيادة مصرّة على الديمقراطية، وفي أحلك الظروف. قد يجوع الناس، قد يُقتل الناس، قد ينهار الاقتصاد، قد تنتشر الجريمة، فتضطر الدولة إلى عقد تسوياتٍ مع عصابات خطف وسلب، قد تصبح البلاد نهباً للطامعين، قد تصبح السماء ملعباً للمحتلين .. إلخ، لكن التزام القيادة بالديمقراطية يبقى ثابتاً. ذات يوم عبر الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة عن هذا النمط من الحكم السياسي بالقول: البغيُ أروع مـا يكـون مظفراً/ إن سُلَّ باسم المكرمـات مهنَّـدا

سوف يصل إلى مجلس الشعب، والحال هذا، نوابٌ معكوسون، لن يكونوا نواباً للشعب في برلمان، بل نواب للنظام في الشعب. أشخاص مختارون من “القيادة” لكفاءاتٍ تتعلق أساساً بالانقياد وعبادة المصلحة الشخصية على حساب أي شيء. يعمل هؤلاء في مستوى دوائرهم الانتخابية على تعميم تصورات النظام وتوسيع علاقات المنفعة وتغذية الفساد. ونحن هنا لسنا فقط أمام الحفاظ على الشكل “الديمقراطي”، بل وتحويله أيضاً إلى وسيلة إضافية في خدمة المضمون الاستبدادي الاستبعادي. 

هل يمكن لعملية انتخابية، حتى لو كانت نزيهة إجرائياً، وتحت رقابة دولية وصحافة مستقلة، أن تفكك القوة الممسكة بالسلطة الفعلية؟

للتأكيد على العزلة السياسية التي يعيشها الشعب السوري اليوم، صادف، قبل أيام قليلة، أن شهدت مؤسسات المعارضة السورية الرسمية انتخاباتٍ لا تقل صوريةً وسخريةً عن انتخابات النظام. ولم تمنع هذه الحقيقة المرّة الفائز الذي وصل إلى رئاسة إحدى مؤسسات المعارضة قادماً من رئاسة مؤسسة أخرى، من وصف انتخابات النظام بأنها “مسرحية مكشوفة”. 

يطرح التأمل في الحال السورية على النفس أسئلة ثقيلة: هل يمكن لعملية انتخابية، حتى لو كانت نزيهة إجرائياً، وتحت رقابة دولية وصحافة مستقلة، أن تفكك تلك القوة الممسكة بالسلطة الفعلية، فيحوز المنتخبون (بفتح الخاء وكسرها) على سلطة حقيقية؟ وهل يقود تفكيك تلك القوة إلى تفكك المجتمع الذي قيل عنه، بحق، إنه مجتمع ممسوك أكثر مما هو متماسك؟ ما هو الجسر الذي يمكن أن تنقل عبره السلطة من تلك القوة المستبدّة إلى قوة جديدة منتخبة؟ وكم نحتاج من الجهد المركز والمسؤول، في السياسة والثقافة والتعليم، لجعل الشكل الديمقراطي مطابقاً لمضمونه بما يجعل قناة الفاعلية والتأثير بين الشعب والسلطة مفتوحة؟

العربي الجديد

اترك رد